هكذا يموت الفقير – جورج أورويل


هكذا يموت الفقير- جورج أورويل.

ترجمة- محمد النعاس

 هذه ترجمة كاملة لمقال جورج أورويل الذي قمت بنشر جزء منه بالمدونة الفترة السابقة ” how the poor die ” ، قد عدلت قليلاً في الجزء وقمت بانهاء كامل المقال، راجياً لكم قراءة طيبة.

  ————————

Margam Cottage Hospital

قد قضيت أسابيع عدة من العام 1929 في المستشفى (  إيكس1) بالمنطقة الخامسة عشر بباريس. وضعني الموظفون في الدرجة الثالثة – المعتادة- بمكتب الاستقبال، كان عليْ أن أجيب على عدة أسئلة لمدة عشرين دقيقة قبل أن يسمحوا لي بالدخول. إذا اضطررتَ يوماً أن تملأ نماذجاً في بلد لاتيني ستعرف حتماً ذلك النوع من الأسئلة الذي أعنيه. بعد ذلك ولعدة أيام تالية، تحتم عليْ أن أترجم حرارتي  من ريومر2 إلى فهرنهايت، ولكني علمتُ أن درجةحرارتي كانت تقارب مئة وثلاث درجات، بعد انتهاء المقابلة واجهت صعوبة في الوقوف على قدميْ، خلفي زمرة من المرضى يحملون رزم داخل مناديل ملونة وينتظرون دورهم ليُسألوا.

بعد الأسئلة، جاء دور الحمام- روتين إلزامي لكل القادمين الجدد كما في السجن أو الإصلاحية-، أُخِذت ملابسي وبعد أن كنتُ أرتعش في حوض ماء دافئ بطول خمس إنشات لهنيهة من الدقائق، أُعطيتُ قميصَ نوم كتّاني وثوب فانيلي أزرق ولا شباشب – لم يكن لديهم ما يناسب حجم قدميْ-، هكذا قالوا، وأُخرجتُ للهواء الطلق.

كانت ليلة من ليالي فبراير وكنتُ أعاني من الالتهاب الرئوي، والجناح الذي كان علينا أن نصله كان يبعد ما يقارب المئتيْ ياردة، حيثُ اتضح لي بأنّه علينا أن نقطع ساحة المستشفى. تعثر شخصٌ أمامي حاملاً مصباح، الطريق المليء بالحصى كان بارداً جداً على الأقدام، أزاحت الريح القميصَ عن جلدي العاري. عندما وصلنا للجناح انتابني شعور غريب بالألفة، لم أتمكن من معرفة مصدره إلا مؤخراً في الليل. كان الجناح عبارة عن غرفة طويلة ومنخفضة السطح مليئة بالأنين، بها ثلاثة صفوف من الأسرة المتقاربة جداً ببعضها البعض.

كان المكان يعج برائحة برازية كريهة لكنها كانت حلوة، وعندما تحصلت على سرير لاحظت وجود رجل صغير بأكتاف دائرية وشعر رملي جالساً مقابلي نصف عارٍ بينما يقوم طبيب وطالب بإجراء عملية غريبة عليه، في البداية، أخرج الطبيب دزينة من الزجاجات الصغيرة ككؤوس النبيذ، بعد لك قام الطالب بإشعال عود ثقاب داخل كل زجاجة لاستنزاف الهواء، ومن ثم برزت الزجاجة على ظهر أو صدر الرجل لتخلف فقاعة صفراء مكانها، ولم أتمكن من معرفة ما صنعاه به إلا بعد دقائق، كانت العملية تدعى الحجامة، وهي علاج ما يمكنك أن تقرأ عنه في الكتب الطبية القديمة، ولكني كنتُ أعتقد أنها من الأمور الغامضة التي تُفعلُ بالأحصنة.

قلل – لربما- الهواء البارد بالخارج من درجة حرارتي، وكنتُ أشاهد العلاج البربري بتجرد وبنوع من التسلية، في اللحظة التالية، تحرك كل من الطبيب والطالب ناحية سريري، رفعاني عالياً وبدون أن ينطقا بشفة بدآ بوضع الزجاجات نفسها عليْ، تلك الزجاجات التي لم يتم تعقيمها بأية طريقة. ولم تنفع احتجاجاتي الواهنة التي تفوهت بها في لفت انتباههما، وكأنني كنتُ حيواناً ما. كنت مندهشاً بالطريقة التي ابتدآها بي. لم أدخل الجناح العام لمستشفى من ذي قبل، وكانت هذه تجربتي الأولى مع هذا النوع من الأطباء الذي يتعاملون معك بدون أن يتحدثوا، أو حتى – بأي حس إنساني- يأخذوا أية ملاحظات عنك. في حالتي، وضعوا ست زجاجات فقط. ولكنهم خدشوا البقع الجلدية ووضعوها مرة أخرى. الآن، كل زجاجة كانت تحتوي على مقدار ملعقة سكر من الدم غامق اللون، وفي الوقت الذي كنت فيه مستلقياً بإذلال وتقزز مرتعداً من الذي صنعاه بي، خمنت أنهما سيتركانني وشأني، ولكن لا! ولا حتى لمقدار قليل، كان هنالك علاج آخر في الطريق، ممرضتان قامتا بتجهيز مرهم الخردل – إجراء روتيني كالحمام الساخن-، وزعتا المرهم حول صدري بإحكام حتى بدا كالجاكيت الضيق بينما كان بعض الرجال الذين يحومون في الجناح بقمصان وسراويل بالتجمع حول سريري بابتسامات عريضة نصف متعاطفة. علمتُ لاحقاً أنّ مشاهدة مريض يتحصل على علاج المرهم هي طريقة من الطرق المفضلة لتمضية الوقت بالجناح.

عادة ما تطبق هذه الأشياء لمدة ربع ساعة وهي مضحكة كفاية إن لم تكن الشخص الذي تُطبق عليه. كان الألم شديداً في الدقائق الخمس الأولى، وما إن تؤمن بامكانيتك على احتماله، يتلاشى هذا الإيمان في الدقائق الخمس التالية، المرهم مثبت خلفك بحيث لا يمكنك نزعه، وهذه أكثر اللحظات التي يستمتع بها المتطفلون. بعد نزع المرهم وضعوا مخدة مضادة للماء ومحشوة بالثلج تحت رأسي ثم تركوني لوحدي. لم أنم وعلى حد علمي أن تلك الليلة كانت الليلة الوحيدة في حياتي – أعني الليلة الوحيدة في السرير- التي لم أنم فيها أبداً، ولا حتى لدقيقة واحدة!

خلال ساعتي الأولى بالمستشفى ( إيكس) تحصلت على سلسلة كاملة من العلاجات المختلفة والمتناقضة، ولكنّ ذلك لم يكن إلا تضليلاً، حيث أنه وبصفة عامة لا يمكنك إلا أن تتحصل على القليل جداً من العلاج، سيئاً كان أم جيداً، إلا إذا كنت مريضاً بطريقة مثيرة وتعليمية. عند الخامسة صباحاً أتت الممرضات لإيقاظ المرضى وأخذ درجات حرارتهم، ولكنهن لم يقمن بغسلهم. إن كنت معافاً كفاية يمكنك أن تغسل نفسك بنفسك، عدا ذلك، عليك أن تعتمد على كرم بعض المرضى الذين باستطاعتهم المشي. عامةً المرضى أيضاً، هم الذين كانوا يحملون أكياس الأسرة وأحواض البراز الكالحة، الملقبة بالمقلاة3. وصل الفطور في الثامنة، يدعى – كنمط الجيش- لاسوب4، كان عبارة عن حساء خضروات بكتل دبقة من الخبز تطفو حوله. مؤخراً في النهار، قام الطبيب الرصين صاحب اللحية السوداء بجولاته، صحبة طبيب متمرن ومجموعة من الطلاب تتبعه، ولكن كان هناك ما يقارب الستين منّا في الجناح وكان واضحاً أنه عليه أن يتابع جولته لعدة أجنحة أخرى. كان عليه أن يمر بالعديد من الأسرة اليوم تلو الآخر، متبوعاً – أحياناً- بتوسلات باكية. في الكفة الأخرى إذا كنت مصاباً بداء يريد الطلاب أن يألفوه ستتحصل على الكثير من الانتباه من نوع ما. عن نفسي، بعينة استثنائية جيدة من الحشرجة الشُعَبِيَة، قد تحصلت على العديد من الطلاب المتحلقين حولي للاستماع لصدري. كان شعوراً غريباً جداً-غريب، أعني. بسبب تركيزهم المكثف في تعلم عملهم، مع بعضهم، بعدم إدراكهم أن المرضى كانوا مخلوقات بشرية. حكاية ذلك تبدو غريبة، ولكن في بعض الأحيان حيث يقوم طالب ما بالتقدم ليأخذ دوره في التلاعب بككان يرتعش بإثارة، كطفل قد وضع يديْه للتو على قطعة آلية ثمينة. بعد ذلك، أذن تلو الأخرى- آذان شبان، فتيات، زنوج- تُضغط على ظهرك، تتناوبك الأصابع بطريقة رسمية لكنها خرقاء مطقطقة عليك، ولا تتحصل على أي كلمة أو نظرة مباشرة لوجهك من أيٍ منهم. كأي مريض – يعالج بالمجان- مرتدياً قميص نومه الرسمي، كنت… بصفة رئيسية: عينة، كان أمراً لم أمتعض منه ولكنني لم أتعود عليه بتاتاً.

تحسنتُ بعد أيام بحيث يمكنني أن أتمكن من القعود ودراسة من هم حولي من المرضى. الغرفة فاسدة التهوئة، بأسرتها الضيقة المتقاربة جداً لدرجة يمكنك فيها أن تلمس يد جارك، كان بها كل أنواع الأمراض عدا، كما أظن، الحالات المعدية. كان جاري الذي على يميني اسكافياً بشعر أحمر ورجل أقصر من الأخرى، كان معتاداً على إعلان وفاة أي مريض ( حدث هذا أحيان عدة، وكان جاري – دائماً- أول من يسمع بذلك) بالتصفير لي، هاتفاً ” الرقم 43!” ( أو أياً كان) طارحاً يديْه فوق رأسه. هذا الرجل، لم يكن يعاني كثيراً. ولكن في أغلب الأسرة التي تقع تحت زاوية نظري كان هناك مآساة يُرثى لها أو رعب جليْ مُطبَقيْن. في السرير الذي يباشرني كان راقداً، قبل أن يموت ( لم أرى موته—فقد غيروا سريره)، رجل ذابل يعاني من مرض لا أعرفه، ولكن شيئاً ما جعل جسده كله حساس بشدة لدرجة أنّ أية حركة من جانب إلى آخر- أحياناً حتى وزن الشرشف- ستجعله يصرخ بألم. كانت معاناته الكبرى عندما يبول، العملية التي كان ينجزها بصعوبة كبيرة. تحضر له ممرضة ما كيس التبول واقفةً بجانبه لوقت طويل، تصفّر، كما يفعل سائسو الخيل مع أحصنتهم على ما يُقال، إلى أن يبدأ أخيراً بـتمتمة مُعذَّبَة من ” إنني أتقطع! 5“.

 في السرير الذي يليه رجل بشعر رملي – ذاته الذي رأيته يُحجَمْ- كان يسعل مخاطاً بخط رفيع من الدم في كل الساعات. جاري الذي على يساري كان  شاباً طويلاً ليّن المظهر اعتاد في كل فترة أن يُدخَل أنبوب ما  في ظهره بحيث تُسحب كميات مثيرة للدهشة من سائل كالزبد من جزء ما من جسده. في السرير الذي يليه، كان يحتضر محارب قديم من حرب 1870، عجوز وسيم بلحية إمبراطورية بيضاء ودائرية، والذي كان سريره في جميع ساعات الزيارة، محاطاً بأربع عجائز ذوات صلة قرابة مرتديات السواد، حيث يجلسن كالغربان، من الواضح أنهنّ يدبرن لميراث محزن. في السرير الذي يقابلني، في الصفة الأبعد كان هنالك رجل أقرع بشوارب متهدلة ووجه وجسد متورمان بشكل كبير، كان يعاني من مرضى جعله يتبول –غالباً- دون انقطاع. يوجدُ دوماً وعاء زجاجي ضخم موضوعاً بجانبه، يوماً ما، كانت كل من زوجته وابنته في زيارته. على مقربة منهما كان العجوز منتفخ الوجه مضاءً بابتسامة من اللطف المفاجئ. وعندما اقتربت ابنته – فتاة عشرينية جذابة-  من سريره، رأيتُ يده تصنع طريقها ببطء من تحت الشرشف. خُيّل إليْ أنني رأيت التلويحة القادمة – الفتاة جاثيةً بجانب السرير، يد العجوز على رأسها في موته يباركها. ولكن لا، سلمها كيس التبول – لا أكثر ولا أقل-، أخذته منه فوراً وفرغته في الوعاء.

بحوالي بضعة أسرة بعيداً عني، كان الرقم 57- أظنّ أن هذا هو رقمه- يعاني من التليّف الكبدي. كل من في الجناح عرفه بالنظر لأنه كان في بعض الأحيان موضوع محاضرة طبية ما. في قيلولتين كل أسبوع يعطي الطبيب الجدي طويل القامة محاضرةً في الجناح لمجموعة من الطلاب،  وفي أكثر من مناسبة كان الرقم 57 يوضع على عربة من نوع ما وسط الجناح،  حيث يرفع الطبيب قميصه الليلي،  ممداً بأصابعه نتوءًا مترهلاَ هائلاً ببطن الرجل—الكبد المريضة، كما أظن- شارحاً بحزم أن هذا مرض له علاقة بالكحوليات، معروف البلدان حيث يكون شرب النبيذ فيها عادة. كالعادة، لم يبتسم ولم يتحدث لمريضه، لم يعطه إيماءة أو حتى أي نوع من التقدير.  عندما كان يتحدث، جدياً ومتعالياً، كان يمسك الجسد الضائع بين يديه، أحياناً لافاً إياه بلطف ذهاباً وإياباً، بنفس الأسلوب الذي تتعامل فيه امراة مع دبوس دوّار. ولم يكن الرقم 57 يمانع هذا النوع من الأمور. من الواضح، أنه كان نزيل قديم بالمستشفى، موضوع محاضرات اعتيادي، كان كبده منذ ذاك الحين معلباً لمتحف باثولوجي ما. لم يمكن مهتماً البتة بما يقال عنه، كان ملقىً بعينيه عديمتيْ الألوان  محدقاً في لا شيء، بينما كان الطبيب يقدمه كقطعة أثرية صينية. كان عمره يقارب الستين، متقلصاً بدرجة مدهشة. وجهه شاحب كالـرِّق، قد تقلص حتى يُظنّ أنه ليس أكبر من وجه دمية.

في صباحٍ ما، أيقظني الاسكافي الذي يجاورني جاذباً وسادتي قبل وصول الممرضات. ” رقم 57 ! “، طارحاً يديْه على رأسه. كان في الجناح ضوء كافٍ للرؤية. أستطعت أن أرى الرقم 57 العجوز متكرمشاً على جانبه، رأسه يطل خارج السرير، ناحيتي. لقد مات في وقت ما خلال الليل، لم يعلم أحدهم متى، عند وصول الممرضات تلقيْن خبر وفاته بلا اكتراث ورجعن لمواصلة أعمالهن. بعد فترة طويلة، ساعة أو أكثر، مشت ممرضتان جنباً إلى جنب كالجنود، بـتثاقل بقباقيبهنّ الضخمة، وعقدتا الجثة بالورق، ولكن لم يتم إزالتها حتى بعض الوقت لاحقاً. خلال ذلك، عندما كانت الإضاءة أفضل. تحصلت على الفرصة للتمعن جيداً في الرقم 57، كان عليْ أن أرقد على جانبي حتى أراه. كنتُ فضولياً كفاية، قد كان أول أوروبي ميت أراه. رأيتُ رجالاً ميتين من قبل، ولكن دائماً ما كانوا أسياويين وغالباً ما كانوا أناساً قد ماتوا نظراً للعنف. كانت عينا الرقم 57 مفتوحتين. كما هو فمه، كان وجهه الصغير ملوياً في تعبير من الألم، كان بياض وجهه أكثر ما أثار دهشتي. كان شاحباً من قبل، ولكن الآن أصبح أقل قتامة من الكفن، عندما كنت أحدق في الوجه المخرّب صعقني أن هذه القطعة المشمئزة من الرفض منتظرةً أن يتم حملها بعيداً وإلقاءها على البلاطة في حجرة الموتى، كانت مثالاً عن الموت ” الطبيعي”، أحد الأشياء التي تصلي لأجلها ضمن القائمة. ها أنت ذا، فكرت، هذا ما ينتظرك، عشرون، ثلاثون، أربعون عاماً لهذا: هكذا يموت المحظوظون، الذين يعيشون ليصبحوا كباراً. أحدهم يريد أن يعيش، بالطبع، يعيش فقط بفضيلة الخوف من الموت. إنّي أظن الآن، كما ظننت حينها، أنه من الأفضل أن تموت نتيجة للعنف ولا كبيراً جداً في العمر. يتحدث الناس عن الأمور المرعبة في الحرب، ولكن أي سلاح اخترعه الإنسان يقترب في قسوة بعض الأمراض المنتشرة؟ الموت ” الطبيعي”، يمكن أن يُعرّف، بأنّه شيء بطيء، كريه الرائحة ومؤلم. حتى في هذا، يوجد اختلاف عندما يمكنك أن تتحصل عليه في بيتك عن أن تتحصل عليه في مصحة عامة. هذا العجوز التعيس، والفقير الذي قد انطفأ كنهاية شمعة لم يكن مهماً كفاية ليتحصل على أحدٍ ما إلى جانبه حاضراً ساعة وفاته. كان بالكاد رقماً، عدا عن ” مادة دراسية” لمشارط الطلاب والشهرة الكريهة بالموت في هكذا مكان! في المستشفى ” إيكس” كانت الأسِرة قريبة جداً  من بعضها ولم يكن هناك حوائل. تخيل، على سبيل المثال،  الموت كالرجل الصغير الذي كان مقابل سريري، الرجل الذي كان يعوي ألماً عندما تلمسه الشراشف! أراهن أن ” إني أتبول!6” كانت آخر كلماته. قد لا يلتفت المحتضرون لهكذا أمور- كانت هذه ستكون الإجابة الاعتيادية-، ربما: أنّ الأشخاص المحتضرين أكثر أو أقل من طبيعيين في عقولهم ليوم أو إلى النهاية.

ترى في المستشفيات العامة رعباً لا يمكن أن تقابله بين الناس الذين يموتون في منازلهم، مع ذلك فإن أمراضاً معينة لا تهاجم إلا الناس أصحاب الدخل القليل. ولكن الحقيقة أنك لن ترى في المستشفيات الانجليزية أي من الأشياء التي رأيتها في المستشفى ” إيكس” . هؤلاء الناس يموتون كالحيوانات، فمثلاً، مع عدم وجود أحد لجانبك، ولا من يهتم، الموت لن يُلحظ حتى الصباح، هذا الأمر حدث أكثر من مرة. بالفعل، لن ترى هذا في انجلتراـ، ولن ترى جثةً ملقاة أمام المرضى. أتذكر أنه وفي مستشفى كوخي في انجلترا قد توفي رجل عندما كنا نحتسي الشاي، ورغم أننا كنّا ستة مرضى في الجناح إلا أن الممرضات قمن بإزالة الجثة بسرعة دون أن نسمع بموته إلا عندما انتهينا من الشاي، إحدى الفضائل التي نستخف بها في انجلترا هي أنه لدينا عدد هائل من الممرضات الصارمات والمنضبطات مدربات جيداً. لا خلاف أن الممرضات الانجليزيات غبيات كفاية، قد يقرأنَ الأبراج عن طريق ورقة شاي، يلبسن شارات على أرديتهن ويحتفظن بصور للملكة على رفوفهن، لكنهن لا يتركنك مستلقياً دون غسيل وموثوقاً بسرير غير مرتب، لمجرد كسلهن.كان للمرضات في المستشفى إيكس مسحة من السيدة قامب7 عليهن، ولاحقاً، في المستشفيات العسكرية باسبانيا الجمهورية، رأيت ممرضات يجهلن كيفية أخذ درجة حرارتك. لا يمكن أيضاً، أن ترى في انجلترا وساخة كما في المستشفى إيكس.

بعد ذلك، عندما كنت معافاً كفاية لأن أغسل نفسي في الحمام، لاحظت وجود كيس ضخم حيث تُلقى فضلات الطعام والملابس القذرة من الجناح، والـجدران الخشبية كانت غاصة بالجداجد. عندما استرجعت ملابسي وأصبحت قدمايْ أقوى هربت من المستشفى إيكس، قبل أن يحين موعدي وبدون أن أنتظر صرفاً طبياً.لم تكن المستشفى الوحيدة التي هربت منها، ولكن كآباتها والكراهة التي بها، الرائحة المريضة وفوق كل ذلك، شيء في أجواءها وجد مكاناً خاصاً في ذاكرتي. أخذتُ إلى هنالك لأنها كانت مستشفى تتبع لـمنطقتـي، ولم أعلم إلا بعد أن أصبحت بها أنها تحمل سمعة سيئة. عام أو عامان لاحقان، وُضعت المحتالة المشهورة ” مدام آن- أيودِ” التي كانت نزيلة بالمستشفى إيكس خلال فترة محاكمتها ، وبعد أيام فقط، استطاعت أن تهرب من المستشفى، تركب تاكسي وتعود إلى السجن، موضحةً أنها تشعر بالراحة أكثر في السجن. كنت متيقناً أن المستشفى إيكس لم تكن نموذجاً للمستشفيات الفرنسية حتى في ذلك الوقت. ولكن المرضى، أغلبهم كانوا عمالاً، كانوا مستسلمين للأمر الواقع لدرجة مفاجئة. بعضهم وجد أن الأمور هنالك مريحة، على الأقل إثنان من الـمتمارضين المعدمين وجوداها طريقة جيدة لتمضية الشتاء. كانت الممرضات متواطئات لأن الـمتمارضان كانا مفيديْن في بعض الأعمال غير العادية. ولكن سلوك الأغلبية كان : هذا مكان رديء بالتأكيد، ولكن ما الذي يمكنك أن تتوقعه؟ لم يكن غريباً من ناحيتهم أن يتم إيقاظك الساعة الخامسة ومن ثم عليك أن تنتظر ثلاث ساعات قبل أن تبدأ يومك بحساء شاحب، أو أنه عليك أن تموت بدون وجود أحدهم إلى جانبك، أو حتى أن فرصتك للحصول على اهتمام طبي يعتمد على جذب انتباه عيني الطبيب عندما يمر. وتبعاً لتقاليدهم، هكذا هي المستشفيات. إن كان مرضك خطير وإن كنت فقيراً بحيث لا يمكنك أن تتلقى العلاج في منزلك، يتوجب عليك أن تذهب للمستشفى، بالضبط كما هو عليك في الجيش. ولكن فوق كل ذلك، كنتُ مهتماً في أن أجد إيمان ثابت في القصص القديمة التي انبعثت للتو من ذاكرتي في انجلترا، قصص، على سبيل المثال، حول أطباء يفتحون جسد لمحض الفضول أو لأنهم يعتقدون أنه من المرح أن يبدأوا بالعمل عليك قبل أن تكون ” مخذراً” تماماً. كانت هناك حكايات مظلمة حول وجود غرفة عمليات صغيرة  قائمة خلف الحمام. صرخات فظيعة قيل أنها تنبعث من هذه الغرفة. لم أرى شيئاً لأؤكد هذه القصص ولا شك أنها كلها كانت غير منطقية، بالرغم من ذلك، رأيت طالبين يقتلان فتى في عمر السادسة عشر، أو كادا يقتلانه ( كان يبدو أنه يحتضر عندما خرجت من المستشفى، من الممكن أن يكون قد تعافى بعد ذلك) بتجربة مؤذية لن يمكنهما – على الأرجح- أن يجرباها على مريض يدفع. على أيةِ حال، ففي الذاكرة الحية كان يعتقد أنه وفي لندن كان يحدث في بعض المستشفيات الكبيرة أن يقتل المرضى لغرض التشريح. لم أسمع بهذه الحكاية تكرر في المستشفى إيكس، ولكن عليْ أن أظنّ بأن بعض من الرجال هنالك سيرون الأمر ممكناً. إذ أنها كانت مستشفى حيث لا الأساليب، ربما، ولكن شيء في أجواءها جعل من القرن التاسع عشر ينجو، وهنا يقع مجال الاهتمام.

تغيرت العلاقة بين الطبيب والمريض في الخمسين – أو يزيد- سنة الأخيرة. إذا نظرت لأي أدب قبل الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، ستجد أن المستشفى تعتبر مكاناً أقرب شبهاً للسجن، سجن أرضي من الطراز القديم. المستشفى هي مكان القذارة، العذاب والموت، نوع من حُجَر الانتظار ما قبل القبر. لم يكن أي شخص أقل أو أكثر من معدم يفكر في الذهاب لهكذا مكان للعلاج. وخصوصاً في الجزء الأول من القرن الماضي، عندما أصبح العلم الطبي أكثر جرأةً من ذي قبل ولكن دون أن يصبح أكثر نجاحاً، كان ينظر لمجال الطب برعب وارتياع من قبل الناس العاديين. الجراحة، خصوصاً، كان يعتقد أنها ليست أكثر من شكل غير معتاد، وفظيع من السادية، والتشريح، كان ممكنا فقط بمساعدة سارقي الأعضاء، وكان مخلوطاً بينه وبين الشعوذة. من القرن التاسع عشر يمكنك أن تجمع كم هائل من أدب الرعب له صلة بالأطباء والمستشفيات. فكر في جورج الثالث8 المسكين، في خرفه، يصرخ في طلب الرحمة عندما يرى أطباءه يقتربون لـ ” جعله يدمى حتى يفقد وعيه”! فكر في المحادثات بين بوب ساوير و بنجامين آلين 9، والتي بالكاد كانت سخرية، أو الأطباء الميدانيين في ” لا ديبيكال” و ” الحرب والسلام” 10، أو الوصف الصادم للبتر في “الرداء الأبيض” لميلفل11، حتى الأسماء المعطاة للأطباء في قصص القرن التاسع عشر الانجليزية، المشرح، النحات، النشّار، ملاء القبور12 وغير ذلك، والألقاب  الـشائعة كـ” عظام المنشار13“، هي محزنة بقدر ما هي ساخرة.  التقليد الذي يعادي الجراحة يبدو وصفه الأفضل في قصيدة تينيسون، مستشفى الأطفال 14، والتي بالضرورة هي وثيقة على حقبة ما قبل الكلوروفورم على الرغم من أنها تبدو قد كتبت في أواخر 1880. عدا ذلك، الشكل الذي يسجله تينيسون في هذه القصيدة يبدو أن به الكثير من ما يمكن أن يقال فيه. عندما تأخذ بالاعتبار كيف  يمكن لعملية أن تكون بدون تخدير، كم كان بها من سوء،  ليس صعباً أن تشك في حوافز هكذا أشخاص من الممكن أن يقدموا على هكذا أفعال. لهذا الرعب الدموي الذي ينظر الطلاب بتلهف لـ ( ” مشهد رائع لو يفعلها سلاشر 15!”) الذي كان – أقل أو أكثر- عديم المنفعة: المريض الذي لم يمت من الصدمة عادة ما يكون قد مات من الغرغرينة، نتيجة تؤخذ بالاعتبار. حتى الأطباء الحاليين – يمكن أن تكون لديهم هكذا حوافز- هم عرضة للسؤال. أي شخص قد مر بداء، أو استمع لما يقوله طلاب الطب، سيعلم ما أقصده. ولكنّ يُعدُّ التخدير نقطة تحول، والمطهرات أيضاً. الآن في العالم، يمكنك أن ترى المشهد الذي يصفه آكسل مونثي في ” قصة سان ميشيل” 16، عندما كان الجراح المشئوم بالقبعة والروب، ومقدمة قميصه النشوية الملطخة بالدم والقيح، يشرّح المريض تلو الآخر بالسكين نفسه ويرمي الأطراف  المقطوعة في كومة بجانب الطاولة. عدا ذلك، منظمة التأمين الصحي الوطنية قد ابتعدت كثيراً عن فكرة أن مريض من الطبقة العاملة ليس إلا عالة يستحق اهتمام أقل. حسناً، حتى هذا القرن كان طبيعياً على المرضى – الذين يعالجون بالمجان- في المستشفيات الكبيرة أن تُنزع أسنانهم بدون تخدير. لم يدفعوا، لذا لما عليهم أن يُخَدَّروا؟ كان هذا هو الأسلوب المتبع. هذا أيضاً تم تغييره.

مع ذلك فإن كل مصحة سيكون بين طياتها دائماً ذاكرة عالقة من ماضيها.  ثكنة لازالت مسكونة بأشباح  كيبلنج 17، ومن الصعب أن تدخل مكان عمل دون أن يتم تذكيرك بأوليفر تويست 18. بدأت المستشفيات كجناح اعتيادي للمجذومين والذين يحبون أن يموتوا فيها، وتابعت مسيرتها على أنها الأماكن التي يتعلم فيها طلاب الطب مهنتهم على أجساد الفقراء. يظل بإمكانك أن تلاحظ أثر ضئيل من ماضيها في  شخصيتها المعمارية الكئيبة. إنني بعيد جداً عن أن أشتكي من العلاج الذي تحصلت عليه في أي مستشفى إنجليزي، ولكن ما أعلمه أنه من البديهي أن أحذر الناس ليبتعدوا عن المستشفيات قدر الإمكان، وخصوصاً الأجنحة العامة. مهما كان الموقف القانوني، لا يمكن أن تكون الكيفية التي تتحكم بها بعلاجك موضع تساؤل، وأن لا تجرب التجارب الرعناء عليك، عندما يكون الحال أن ” تقبل النظام أو أن تخرج!” وإنه لمن العظيم أن تموت في سريرك، على أنه من الأفضل أن تموت في جزمتك. مهما كان اللطف والكفاءة كبيرين، فإنه لمن القسوة أن تموت في المستشفى، تفاصيل قذرة، قد يكون شيئاً صغيراً جداً لأن يُحكى ولكنه يترك ذكريات مؤلمة بفظاعة خلفه، الصعود على عجلة، الزحام، وانعدام الشخصية لمكان حيث يموت الناس كل اليوم بين الغرباء.

قد لا يزال الفزع من المستشفيات  ناجياً فيما بين الفقراء جداً، وفي ما بيننا جميعاً لم يختفي إلا مؤخراً. إنها بقعة سوداء ليست بعيدة عن السطح في عقولنا. قد سبق وأن قلت أنني عندما دخلت الجناح بالمستشفى إيكس انتابني شعور غريب من الألفة. ما ذكرني به المشهد، بالطبع، المستشفيات كريهة الرائحة، المليئة بالألم من القرن التاسع عشر، واللائي لم أرى ولكن كان لي معرفة مسبقة بها. وشيء ما، قد يكون الطبيب المتوشح السواد بحقيبته السوداء القبيحة. أو قد تكون الرائحة المريضة، قد لعبت الخدعة الغريبة في إخراج قصيدة تينيسون من ذاكرتي، مستشفى الأطفال، والتي لم أفكر فيها لمدة عشرين عاماً. قد حدث وأن قُرأت لي عندما كنت صغيراً من قبل ممرضة مريضة والتي يبدو أن حياتها المهنية تعود إلى الوقت الذي كتب فيه تينيسون القصيدة. الرعب والمعاناة في مستشفيات الطراز القديم كانا ذاكرة حية بالنسبة لها. ارتعدنا معاً حيال القصيدة، وقد يبدو أنني نسيتها بعد ذلك. حتى أن اسمها قد لا يستيعد شيئاً بالنسبة لي. ولكن اللمحة الأولى من حفيف غرفة استيعاب المرضى، بالأسرة المتقاربة جداً، قد أعادت فجأة شريط الأفكار إلى مكانه، وفي الليلة التالية وجدت نفسي متذكراً كل القصة والأجواء الخاصة بالقصيدة، بالعديد من أبياتها كاملة.

1        إيكس: الحرف الفرنسي X
2        ريومر: تدريج لقياس درجة الحرارة نسبة إلى العالم Reaumer
3        المقلاة: بالفرنسية La Casserole واستعملها الكاتب هنا واصفاً لون الحوض.
4        لاسوب: الحساء بالفرنسية La soupe
5        أتقطع: من الفرنسية Fissel
6        أتبول: من الفرنسية pisse
7        مسز قامب: شخصية من شخصيات رواية ” حياة ومغمارات مارتن شوزلويت” لتشارلز ديكنز، وهي ممرضة مدمنة على الشرب.
8        جورج الثالث: ملك بريطانيا العظمى، توفي عام 1820
9        بوب ساوير وبنجامين آلن: شخصيتان من رواية ” أوراق بيكويك” لتشارلز ديكنز، وهما طبيبان، للرواية فلم بنفس الاسم.
10    لاديبيكال: رواية لإيميلي زولا نُشرت عام 1892 وتعني بالعربية ” الهزيمة”، أما الحرب والسلم فهي رواية الروسي الشهير ليو تلستوي.
11    ” الرداء الأبيض” ليملفل، هي رواية للكاتب الأمريكي هيرمان ميلفل نشرت العام 1850.
12    يتحدث أورويل هنا على الأسماء التي تطلق على الأطباء في الأدب الانجليزي، فمثلاً كشخصية بوب ساوير ( بوب النشّار) لديكنز، أو ” السيد سلاشر” الذي يعني ” المشرح” وهكذا.
13    Sawbones هي كنية أو لقب يطلقه الانجليز على الجرّاح. وهو كما يتضح لقب ساخر مركب يعني عظام المنشار.
14    أو ” في مستشفى الأطفال ” هي قصيدة للشاعر آلفرد تينسون يمكن الاطلاع عليها هنا.
  1. 15    محادثة ناتجة بين السيد بيكويك والسيد هوبيكنز وهما أيضاً من شخصيات رواية ” أوراق بيكويك” لتشالز ديكنز.
16    قصة سان ميشيل هي عبارة عن مذكرات للفيزيائي السويدي آكسل مونثي.
17    كيبلنج: جوزيف كيبلنج وهو قاص وشاعر وروائي إنجليزي.
18    أوليفر تويست: الرواية الشهيرة للروائي تشارلز ديكنز.

9 رأي حول “هكذا يموت الفقير – جورج أورويل

  1. جانب آخر من جورج اوريل الذي لا نعرفه كثيرا في كتابة المقال, تفاصيل مخيفة, الانزعاج من اجواء المستشفى المرضي الطاغي على النص اضافة الى التشوق لانهاءه للوصول الى تلك النقطة التي يتحدث فيها ارويل عن الموت ببلاغة, كما لو أنها لب المقال, و هذا لا يعني شيئا غسر كونك كنت موفقاً في ايصال النص و اسلوبه الينا

    إعجاب

  2. جميل و سلس .. رغم طولها و لكن لا بأس ..
    الفكرة وصلتني انه القصة مش كونها موت و مرض .. الفكرة حتى في كون الانسان لا يحب التغيير و هذه طبيعة و ان الشيء الكريه لا يحبه احد .. و ايضا لا يحب الموت .. يريد ان يحيا للابد ..

    عموما مقال جميل جدا .. بس عندي استفسارلت على الترجمة .. ف كلمات حسيتها بالدارجة الليبية .. ف هل هي الكلمة اصلها كاتبها الكاتب بلغته الدارجة و لا انت ترجمتها هكي باش توصل فكرتها .. زي كلمة شرشاف .. و ف كلمة تانية بس نسيتها ..

    و بجديات نتمنى تستمر في الترجمة .. نادرا ما تلقى مقال هكي سلس .. تحس و كأنه مكتوب هكي ..

    و هو صح مفيش عمل كامل .. ممكن ف اخطاء في الترجمة .. بس الحق منعرف شي عليها .. مووفق نعاس :)

    إعجاب

    1. مرحبا شيماء :)
      االفكرة اللي كان يبي يوصلها جورج أورويل إنه مدامك ميت ميت، فالأفضل إنك تموت وأنت في كامل قوتك … موضح المتاعب اللي واجهها في المستشفى إيكس.
      بالنسبة للكلمة هي في الأصل ” شرشف” وجمعها ” شراشف” وهي كلمة أعجمية لكن تم تعريبها وجعلها ضمن العربية… أنا شورني زدت الألف لأني متعود ننطقها هكي، عالعموم شكرا لأنك ذكرتيني بيها باش نعدلها :) وكان فيه كلمة ثانية قوليلي عليها…
      وصحيتي

      تحياتي ..

      إعجاب

  3. وكما يقول قومُ برقة “براوا”
    قليلون يحبون اليوم القراءة الطويلة فضّلت ان تكون مجزأة ولكن لا ضير مما قمت به، الجميل أنك حسّنت وضع اللغة كثيرًا مقارنة بالجزئية السابقة من المقالة كثيفة الأخطاء

    إعجاب

    1. أهلاً يا حبيبي، غير نعرف شن تعني براوا بس :)
      شكراً على الملاحظات وياريت ادير دورة علي ما تبقى من تدوينات وتعطيني رايك ;)

      إعجاب

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s