المسيحية في ليبيا (1)


640px-Sandro_Botticelli_050

” إنّ أرض أفريقيا مملوءة بأحباء القديسين الشهداء”- القدّيس أغسطين ( 354 ميلادي – 430 ميلادي).

قد تبدو بداية أية حركة اجتماعية أو دينية واضحة، فهي تخرج قليلة العدد وتظل على هذا الحال بضع سنين، ومن ثم تتفشى في عموم الفقراء والمعدومين والمستضعفين والذين لا مظلة تظلهم، ويمر بها الحال أن تتوسع شبكة هذه الحركة أو تلك، تدخل في صدامات تاريخية تختبر قدرتها على البقاء ومن ثم ينقلب الحال لصالحها – في أغلب الأوقات-، هذه هي البداية لكل دين إذا أمعنت النظر فيه، اليهودية والمسيحية والإسلام كذلك، كان المسيح مصحوباً بحوارييه يدور قرى الشام بحثاً عن مؤمنين، ولم يؤمن به في البداية إلا القلة من المستضعفين والفقراء أو الشبان الهاربين من سلطة أبائهم، وظلت دعوة المسيح محصورة بين اليهود، وكان هناك قلة من غير اليهود مؤمنة به، إذ أنّ روما كانت تعتقد أنّ الأمر يهودياً، وأن هذا ” الدين” ليس إلا مجرد طائفة يهودية أخرى، لم يكن يضيرها أمر تعدد الديانات، إذ أنّها كإمبراطورية توسعية كانت تسمح بالحرية الدينية طالما كان الأمر ليس به خطر على ” أخلاق وسياسات الإمبراطورية الرومانية”، أي خطراً على ما نسميه اليوم ” الدستور” الروماني.

وقبل أن يتفطن الرومان لحقيقة أنّ الدين المسيحي جاء لدعوة الناس لإله واحد وأن تنبذ عبادة الامبراطور وعبادة رومان وعبادة كل الآلهة عدا الرب المتمثل في ” الأب، الابن، الروح القدس”، فإن المسيحية كانت ذلك الوقت داخل أراضٍ عديدة من الأراضي الرومانية، قرعت أبواب روما العاصمة، شمال أفريقيا، مصر.. إلخ، وكانت قرطاجة والمدن الخمس – خصوصاً في قورينا- والمدن الثلاث – هناك إشارات تاريخية لدخول المسيحية إليها في نهاية القرن الأول أو بداية القرن الثاني-.

لا يعرف متى وأين دخلت المسيحية لشمال أفريقيا ( ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب) ولكن بعض المصادر ترجح أنها دخلت إلى قورينا أولاً لقربها عن مصر والشرق ولتواجد الجالية اليهودية بها مع خط التجارة بين الشرق والغرب والبعض يرجح أنها دخلت إلى قرطاجة أولاً عن طريق البحر حيث كانت مركزاً يضم عدداً كبيراً من الجالية اليهودية، ولكن تعتبر المنطقة من أولى المناطق التي وصلها الدين الجديد، كما أنها من المؤكد كانت بالمنطقة مع أواخر القرن الأول الميلادي، خصوصاً مع وجود شخصيات مسيحية كسمعان القوريني الذي حمل الصليب على السيد المسيح، وكالقديس مرقس القوريني الذي أسس أول كنيسة للديانة المسيحية – ما يعرف الآن بكهف مرقس- وكتب أحد النسخ الأربعة المعترف بها للأنجيل ( الأناجيل القانونية) : أنجيل متّا، أنجيل يوحنا، أنجيل لوقا، أنجيل مرقس.

وتشير قبور ليهود تحمل رومزاً ونقوشاً مسيحية في قامارثا تعود إلى نهايات القرن الأول الميلادي على وجود المسيحية في أفريقيا ذلك الحين، ومن المثير القول أنها انتشرت بسرعة فلم ينتصف القرن الثاني الميلادي حتى كان بالولايات الأفريقية جماعات كبيرة من المسيحيين، إلا أن انتشارها كان أقل في الجبال والحدود حيث كان السكان ( الأمازيغ والتوارق) أكثر تمسكاً بالديانة الليبية البونية القديمة ( تتمثل في عبادة عدة آلهة من ضمنها الإله الليبية الشهيرة تانيت) واستمر هذا الأمر حتى بعد أن حوّل قسطنطين المسيحية إلى ديانة رسمية للأمبراطورية الرومانية وحتى بعد دخول الإسلام المنطقة، الأمر الذي يدل على تمسك الليبيون الشديد بديانتهم وأعرافهم وخصوصيتهم، وإذا اعتبرنا أن مصطلح ” ليبي” يندرج تحت الجيوغرافية التاريخية للأرض فإن ليبيو الجبل الذين كانوا متمسكين بديانتهم واجههم ليبيو الساحل ( من رومان ويهود وبعض من الأمازيغ) كانوا أسرع لتقبل فكرة الدين المسيحي، حيث استعان المسيحيون في أفريقيا بسلاح العقل والفلسفة لمخاطبة الشرائح الاجتماعية المختلفة، فبالرغم من أن العديد من أغلبية أوائل المسيحيين كانوا إما فقراء ومستضعفين ومن الشرائح الدنيا للمجتمع إلا أن مجموعة من الطبقة العليا للمجتمع الروماني بأفريقيا ذلك الوقت تحولت إلى الديانة.

وقد ظهر نظام الكنيسة في مابين أواخر القرن الثاني والقرن الثالث الميلاديين، حيث كان أول المجامع الكنسية الأفريقية بقرطاجة في العام 216 – 220 ميلادي ( المجمع الكنسي يعني مؤتمر يجتمع فيه أساقفة الكنائس بالمنطقة لمناقشة مستجدات أمور الديانة وما إلى ذلك) والذي ضم 71 أسقفاً، ثم تحدد مجمع آخر عام 256 ميلادي ضم 90 أسقفاً من ضمنهم أساقفة من صبراتة وأويا – طرابلس الآن- ولبدة  وكان أسقف صبراتة في ذلك الوقت يُدعى ” بومبيوس”.

وهناك في المدن الخمس كان أسقف بنغازي ( برنيتشي) سنة 260 ميلادي هو آموناس الذي ينسب إليه كهف بومناس بالجبل الأخضر، كما ولدت مذاهب مسيحية من شخصيات ليبية كآريوس الذي يعود إلى طلميثة والذي أوجد المذهب الآريوسي – أحد المذاهب المحرمة في المسيحية- الذي يقول بتفرق الذوات الثلاث مما يعني نفي الألوهية عن المسيح عيسى والروح القدس، والمذهب السابلياني الذي ينسب إلى سابليوس المولود في طلميثة أيضاً والذي لا يختلف كثيراً عن رؤية المذاهب الرئيسية للمسيحية في مسألة الأقانيم الثلاث.

ومن ضمن الرموز المسيحية التي رسمت تاريخ المسيحية هي ” الكاتا كومبس” أو ما يدعى بالدياميس ( جمع

داموس) وهي معابر سرية في الأرض تمتد لكيلومترات تتخللها الحجر والممرات كان الغرض منها أن تكون مخابئ وكنائس سرية وحتى مقابر في عهد الاضطهاد الروماني للمسيحيين والتي يذكر منها دياميس سوسة وصبراتة وقرقارش وتاجوراء والتي تم الكشف عنها من علماء الحفريات في بدايات القرن العشرين.

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s