شارع الأحلام


street-art-germany-dreams-are-not-enough

كان عليه أن يستمر في النقيق كضدفع حتى يتسنى له أن يشرح الأمر لرفيقه، الشارع الضيق، تحت شجرة الياسمين، كانا يجلسان وضوء العامود المنبثق من الشجرة يصنع من ظلالهما خيالات، كانت امرأة أربعينية من إحدى الشقق المقابلة تنظر للخيالات، بجرأة، لم يعيراها الانتباه. هذا هو شارع الأحلام، هنا يجب أن تحلم، لا يهم إن أصبح الحلم حقيقة، المهم أن تحلم، أن تشغل مخيلتك وترى نفسك في شوارع نيويورك هائماً كالمتشردين، أو أن تصرف عليك سويدية تتزوجها بعد الهجرة الكبرى لك حتى تتحصل على إقامة، شارع الأحلام، ينيره العامود المنبثق من شجرة الياسمين وأضواء السيارات الفارهة منها والفادحة المارة من شارع ميزران، هذه هي جلستهما، في منتصف الشارع، يفتتحاها بورق البافرة المحشو بالحشيش المخلوط بالسجائر الرخيصة.

داخل “الهامبورغا” يجلس العتبة بجانب الاسكروني، ولعلك عرفت العتبة بملامحه المشهورة، نظارة شمسية في كل وقت، شعر طويل ربما يصل إلى منتصف الظهر وحظ عاثر يزن الجبال، ولكنك لم تتعرف على الاسكروني، قيل أنه الانسان القديم بشحمه ولحمه وأسنانه الأمامية الظاهرة كأسنان الهوموز باللثة الكبيرة، لحية عبثية تناسب شكله، وشعر أسمر تتخلله الكثير من الشعيرات البيضاء يصل إلى شحمة أذنه، أحياناً يقوم بتهذيبه ويربطه بمطاطة سرقها من أمه ليصبح كالساموراي، كثير الكلام، يقول عنه العتبة أنه ” بالع راديو”، ولكي أوفر عليك عناء تخيل الراديو العالق في حنجرته، فإن ما يبدو أنه تفاحة آدم بادية جداً في حلقه، هذا عن ما يبدو مظهر الاسكروني، لكن تصرفاته وحالته النفسية شيء آخر لا يمكنك تصوره، ولكيْ أبسط عليك العملية، فإن الاسكروني قد قام بشراء تلك البذلة البيضاء التي يلبسها المجانين فقط لأنه يحس بالراحة داخلها، يمكنك أن تتخيل مقدار الجنون الذي به بعد ذلك، إذ يجلس العتبة في “الهامبورغا” والتي ليست برغر كما قد يعتقد العديدين ولكنها ” سيارة الدكاترة” كما يصفها الاسكروني، موديل قديم من المازدا أشتهر بين أبناء الشوارع في هذه الأرض.

العتبة انسان يحب الكمال فيما يخص الكيف، ولهذا قبل أن يبدأ لابد من الطقوس، يدور بنظره في أرجاء الشارع، هناك على بعد أمتار يجلس خمسة هرمين على طاولة يلعبون الأوراق يصيح الحاج احمد في كل “شكبة” يصنعها ” آه يا غيبة زب حلو”، ويمكنك أن تسمعه وأنت في الكرسي الخلفي للهامبورغا، يضحك العتبة ويقول للاسكروني ” بلاد شيابينها هكي!” ثم يصمت، يكمل جولته في تفقد الوضع الأمني، فآخر ما تريد أن تراه هو أحد أفراد مكافحة المخدرات وما شابهها واقفاً أمام زجاج السيارة، يشغل مسجل السيارة، يستلم الدفة، ويصدح صوت شيخ الكيف ” البوب” كما يسميه الاسكروني، و” شيخنا” كما يسيمه العتبة، اختر ما شئت، لايهم، يخرج من جيبه قطعة الحشيش ويشتمها ثم يمررها للاسكروني لكي يتأكد من جودتها، يبتسم الاسكروني بحيث يمكنك أن ترى كامل أسنانه الإثنين وثلاثين ظاهرة بوضوح ثم يقول ” نُوطّو!”.

يمسك بورقة – حجمها قد يكون بين 7 سنتيمترات عرضاً و14 سنيتيمتراً طولاً وسمكها مليمتر، ربما-، يثني الورقة لنصفين ثم يأخذ الجهتين العليا والسفلى من أسفلهما ويثنيهما ليصنع ما يسمونه ” قارباً”، يمسك بيده اليمني – والبوب يصدح بأن العالم دون نساء سيكون دون بكاء- قطعة الحشيش وبيده اليسرى القداحة، يمرر لهب القداحة على القطعة البنية، بينما يدخن الاسكروني السيجارة تلو الأخرى، ثم يبدأ عملية “الفرك” بأن يفتت القطعة لقطع صغيرة كالبودرة، يفتح بطن إحدى السجائر ويفرغ التبغ في الورقة ويقوم بخلط المحتويات ويضغط جيداً على التبغ ليتفتت لقطع أصغر، بعد أن ينهي مهمته، يمسك بورقة ” البافرة” التي كان قد أعدها ولفها مسبقاً ثم يملأها بالخليط، وبعد أن يتأكد من أنها متماسكة جيداً وبأن كل الخليط داخلها، يغلق الفتحة العليا للبافرة ويشعلها.

عملية بسيطة قد لا تأخذ منك كثيراً، لكن الفارق يكون في المفعول، في نسبة محتويات الخليط لبعضها البعض، وفي أمور أخرى يطلقون عليها هنا ” النفس” و”الخبرة”، هنا بروتوكل في تدخين البافرة، ولكل جماعة بروتوكولها الخاص، بالطبع نتحدث هنا عن تدخين ” بافرة واحدة” فقط لاغير، البعض يفضلون أن يدخن كل منهم ما يشاء ثم يمررها للذي يليه، البعض الآخر لا يثق كثيراً في هذا الخيار، فيدخنونها بأشواط ثلاثة أو يزيد، لا يهم الأمر كثيراً بالنسبة للإنسان العادي، ولكن هذا ما عليك أن تؤمن به في شارع كشارع الأحلام.

وشارع الأحلام مليء بالحكايات، المرأة الأربعينية تجول بنظرها في الشباب المار تملأ عينيها بالنظر إلى أجسادهم ومؤخراتهم، تحلم أن ذاك عريسها والآخر أيضاً ولا حرج من ثالث، فماذا يمكن لإمرأة اربيعينية لم تتزوج حتى الآن في شارع كشارع الأحلام أن تفعله للفت نظر شاب؟ أو حتى رجل تعب من مقارعة زوجته؟ مسحوق البودرة وما تبقى من مساحيق التجميل تصنع من وجهها بهلواناً، تسمع صياح أمها العجوز فتترك الشرفة مسرعةً إليها. تنزل فاطمة “الشحوط” من إحدى السيارات الفارهة صاعدة إلى شقتها، وفاطمة الشحوط هذه قصتها قصة، ولن نتطرق لها، ينظر الصاحبان إليها نظرة شهوانية، ويغتصبانها بأعينهما، يمسك الاسكروني بالبافرة ويدخن، ثم يقول للعتبة ” أنا يا برو – برو هذه تعني أخ- بلاد فيها فاطمة الشحوط مستحيل نقعد فيها” ثم ينفث الدخان الأبيض الكثيف في وجه العدم، ويحلم بأنه اغتصبها فعلاً، يبتسم، ثم يروح عن نفسه بأن يدخن الشوط التالي، ” عندي مستقبل واضح، أحيى وفي جيبي دولارات كافية لأشرب عدد البيرّات الذي أريده من أية حانة، واحتفل بالحياة ممسكاً في يدي الشهرة والمجد وأن لا أعود هنا مجدداً، إلا وأنا أعالج كل هؤلاء المرضى هنا، أن أعالج فاطمة الشحوط من العهر، والحاج احمد من ماضيه الشاذ وتلك العانس من مرضها بالرجال، أن أعالج سكان هذا الشارع من عقدهم النفسية، أن أقول لهم في وجههم أيها السفلة ومن ثم يصفقون لي، لأنني طبيبهم النفسي!”، والعتبة يبدو وأنه منصتاً للاسكروني عائماً بفكره في أحلامه الخاصة ” سأصبح يوماً شيئاً ما” يقول لنفسه ” هنا أو في أي مكان..سأصبح”، ثم تدور الدنيا.

  • شن رايك في وحدة ثانية؟ يسأل العتبة الاسكروني.
  • عادي!

وفي عبثية الليل بشارع الأحلام، يكمن أمرٌ ما، تصعد فاطمة الشحوط لشقتها – في الحقيقة هي شقة والدها الثري ولكنها تأتي لها عندما يكون من المفترض لها أن تكون عند والدتها المطلقة والتي تقطن بعيداً عن هنا، المختصر، الشقة فارغة إلا منها- تقف أمام النافذة المطلة على الشارع، تمسك سيجارتها بقوة متلامحة مع عرق يدها، مصبوغةً مقدمة السيجارة بأحمر الشفاه خاصتها، يمر في بالها كل الشباب الذين خرجت معهم وكل الذين قبلوها أو لعبوا بأشيائها الخاصة ثم تبصق، تسقط بصقتها على الرصيف، تئن قطة صادف القدر أن تكون بجانب البصقة عند لحظة سقوطها، تحلم بأنها يوماً ما ستسرق والدها وستهرب إلى حيث لا أحد يعرفها وتهيم في الشوارع كل النهار، تعمل كنادلة تلاحقها أنظار الزبائن أو موظفة مظهرةً جيب ثدييها لمديرها كي يبقيها على العمل مطلقةً شعرها للهواء دون أن تنظر لها عين حاقدة قائلة ” بتشة!”، يتطاير دخان سيجارتها نحو الطاولة حيث الرجال الذين يعانون من الروماتيزم وفشل المفاصل وأمراض تبقيهم على قيد الحياة، تقترب إحدى ذرات الدخان من فم الحاج احمد الذي يبدو أنه ” شكّب” مرة أخرى ليقول ” آه، يا غيبة زب حلو”، يمر في خاطره فكرة بلهاء عن مكان في السماء يمكنه أن يحصل على كل الغلمان الذين اشتهاهم وهم يمرون بجانبه من الطريق، وأن لا يستحي من أن يشتهيهم فيه، تنطلق كلمته لتصل في أذن العتبة مرةً أخرى، يضحك ويقول ” بلاد شيابينها هكي!”. يفتتح الصاحبان الرحلة الثانية، أم الثلاثة؟. إنه عالم عاهر الذي نعيشه، يرحل عنه الطيبون، ويبقى فيه السافلون، كشارع الأحلام. إلا أنّ فاطمة الشحوط تريد أن ترحل، والاسكروني، والعتبة، والحاج احمد.

في شوارع آمستردام أو كبنهاقن أو نيويورك، يتمشى العتبة لا يعلم أن مستقره، كل ما يعلمه أنه يمكنه أن يستلقي بالحديقة العامة ولا ترتابه فكرة أنّ أحد ما يراقبه أو أن يتأتى صوت الحاج احمد في أذنيه، حراً ليكون شيئاً ما، يتكئ على آلته الموسيقية. ألم أخبرك من قبل؟ العتبة يحب الموسيقى ويقوم بالعزف على إحدى الآلات الموسيقية، لا تهم ماهيتها في هذا الوقت، يجلس على مقعدٍ ما بالحديقة، تمر ” بنات الروم” وأبنائهم بجانبه وهو يعزف على آلته المحببة، يلقون بدولار امتناناً له بأن أضاف على المكان نكهة جميلة، يغني عن شارع الأحلام وعاهراته ورجاله الذين يعانون من انفصام الشذوذ وواقع المجتمع الذي يحوطوهم، يغني على الاسكروني وكيف أن حالته ميئوس منها وأنه سينتهي به مجنوناً يعبر الطرقات شاحذاً سيجارة أو ضحكة من أحدهم، يتذكر كيف كان له أن يكون نائم كل ذلك الوقت تحت شجرة الياسمين بجانب عامود الضوء المنبثق منها يستمع ” للشيخ” مغنياً عن الثور المحارب الآتي من القارة التي أتى منها هو ذاته، وكأن كل ذلك لم يكن إلا حلماً عبثياً، يشعل سيجارته ثم ينفثها في وجه الموسيقى التي يلعبها وفي وجه شارع الأحلام وفي وجه الخيال المحض الذي ابتدعته أفكاره عنه، يشعر بنفسه يتنفس، يحس بأنه موجود بكامل شحمه أمام هؤلاء الروم، يصافحهم، يحضنونه وموسيقاه، ترقص أرواحهم وأقدامهم وأيديهم معه، يشعر بنفسه وقد أصبح شيئاً ما، يستيقظ على فراش نومه ورسالة من الاسكروني تقول ” شدت في صنف اجديد، يا برو”.

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s