حادثة اعتراضية في حياة اللامكترث


1234430_10200445317725492_1193644149_n

كان نائماً عندما أحس بخيط ضوء نافذ من ستائر النافذة المهترئة يتلاعب بمساماته، سقط الضوء على عينه اليسرى مجبرا إياه بحرارة الجزيئات على فتح عينه، ألمٌ ألمّ به من مخلفات شراب “البوخة” الذي تجرع منه عدداً لابأس به ليشعر بدماغه يتقلص كعلبة معدنية تسحق بالأيدي، شعر بأنه يحتاج لشرب نهر بأكمله، مدّ يده ليعترض خيط الضوء باحثاً عن ساعة المنبه الذي يبدو أنّ الرنين أعياها فقررت أن تأخذ قسطاً من الراحة لما تبقى من النهار، نظر نحو الساعة، كانت تشير بسخرية نحو الثامنة، يبدو أنه سيتأخر اليوم أيضاً، لم يهتم للأمر… فقد اعتاد لنظرات الزملاء الحاقدة والزيارات الاضطرارية لمكتب المدير شارحاً له سبب تأخره.

كان يريد أن يرتدي بنطاله بسرعة، كان بنطال من الكتّان الأسود ملووحاً على الأرض دليلاً مهماً على حياة عابثة لم يعرف أبداً ما الذي أوداه لها، اشتم البنطال، رائحة السجائر الرخيصة ورائحة الغرفة البرازية المشبعة بالغبار تفوح منه ورائحة العرق بين فخذيه عالقة، لم يفكر أنّه كان عليه أن يغسله منذ أيام، ارتداه، أمسك بأقرب قميص له، كان قميصاً من ذلك النوع الذي به رسومات غبية والذي يلبس على الشاطئ، لم يكترث للأمر، ارتدى القميص دون أن يكويه. كانت شقته تفوح منها روائح السجائر والحمام القميئة، رش القليل من قنينة مزيل العرق على قميصه، فلم يكن لديه ذلك الاحساس اللازم بشراء عطر ما.

تحرك محاذاة الشارع مستعجلاً عندما تذكر أنّه لم يربط حذاءه، قال في نفسه، لا تكترث للأمر، كم من شخص يتوقف ليربط حذاءه في منتصف ذهابه للعمل على أيةِ حال؟ نسبة بسيطة، وإذا اخترت الدقة فإن منتصفهم يربطون الأحذية إما في مكاتبهم أو يلبسون حذاءً دون أربطة، فكر أيضاً أنّه عليه أن يشتري حذاءً دون أربطة حتى لا يقع في مأزق التفكير في أمر كهذا، تلاشت أفكاره وهو داخل إلى مقهى يقع في زاوية الشارع، كان مقهىً من تلك المقاهي التي تراها وتقول في نفسك كيف يمكن لرجل أن يعمل بها، وما الضير؟ يقولون أنّ ألذّ الأكل يأتي من هكذا أماكن، حيث تختلط القذارة والطعم، ثم أليست البوخة إلا مزيجاً من القذارة؟ وها أنت ترى الجميع يشربونها بل البعض يفضلونها على شراب كالفودكا قائلين ” الوطني وطني، هذي تراثنا وتراث أجدادنا”، كانت الطاولة حيث تطلب القهوة وما شابه قذرة وقميئة، خط بني من القهوة المسكوبة كان لاصقاً بخشبها الرخيص، ويبدو أنّ الصراصير وجدت لها ملعباً وطريقاً في أرضيتها السوداء المنبعث من البالوعة التي تتوسطها رائحة برازية ذكرته برائحة سرواله، شد سرواله، ومرر إصبعه أمام أنفه ليقارن بين الرائحتيْن، كان عامل القهوة يرتدي ثوباً بالكاد يمكن أن تقول أنّ لونه أبيض من تشبعه بلون الكاتشب والهريسة وقطع التونة المتساقطة عليه هذا عدا عن بقع القهوة التي لا تحصى، رائحة السجائر تنبعث من أنفاسه التي لابد أن ينفثها في وجهك عندما يتحدث إليك ولا يفصل بينك وبينه سوى طاولة من الرخام الذي لا تفضل أن تضع كوعيْك عليه، الإضاءة المريضة تضيف كراهيةً في المكان، لم يكترث يوماً بهذه التفاصيل ولم يكترث اليوم أيضاً، فقد تعود أن يشتري قهوته من المقهى لأنها في الطريق إلى مكان العمل، كان موظفاً لا يرى إلا الأوراق الصفراء والوجوه العابسة ولا يتنفس إلا السجائر وروائح الزملاء التي لا تزيد جمالاً عن رائحة هكذا أماكن، يمكنك أن تختصر حياته في ثلاث كلمات ” عمل، شراب، نوم” لذا رغم وجود ذلك الكم الكافي من الوقت لم يعتقد يوماً أنّ لديه الوقت ليلاحظ هكذا أشياء، لم يسأل العامل يوماً عما إذا كان الحليب الذي يخلط به قهوته منتهي الصلاحية أم من فضلات الأمس أو أي شيء من تلك الأمور العرضية، يمكنك أن تدخل إلى أي محل هنا لتجد كمية من المواد منتهية الصلاحية تباع دون رقابة، أمسك قهوته بيده اليسرى واستل سيجارةً من سجائر الرياضي الرخيصة، كان يحب أن يستمتع بهقوته واقفاً أمام المقهى متطلعاً في الأفق الذي تغزوه المباني الإيطالية والطريق الذي تغزوه مياه البالوعات وفتيات المدارس ماشيات في خط محتشم بينما يتبعهن قدر من المراهقين الذين يفترض أيضاً أن يكونوا ذاهبين للمدرسة، بدلاً من ذلك يمضون نصف ساعة في معاكسة الفتيات. مرت من أمامه فتاة رائعة الجمال تهز أردافها في سروال الجينز تلفت لها أنظار الرجال الآخرين، كان غائباً وغير مكترثت، كان يحاول أن يشرب من الكوب عندما اصطدم به شاب كان يلاحق الفتاة ليلمس مؤخرتها، انسكبت القهوة الساخنة على صدره متلافيةً القميص ونازلة بقهوة إلى عانته حارقةً إياه، وبحركة غير إرادية يبدو أنّ هباء السيجارة كان مزال مشتعلاً عندما اصطدم بعينه، ارتكبت حركاته، لم يلتفت إليه صاحبه، وبقفزة لا إرادي تشابكت حبال حذاءه بقدمه من ما جعله يسقط على الطريق بجانب صندوق قمامة، ومن سوء حظه أنّ اليوم كان الأحد، وهو اليوم الخاص بجمع القمامة، فاصطدمت به شاحنة القمامة التي لم يفقه السائق – كان يمعن النظر في تفاصيل الفتاة- داخلها بما قد صدمه للتو إلا بعد أن ارتمى مقعداً بين حفاظات الأطفال المستعملة وفضلات الطعام من عشاء أحدهم يعود ليومين ربما، قبل أن يختفي الضوء، وقبل أن يصبح كل شيء عدماً أمامه كان ينظر إلى مؤخرة الفتاة وإصبع الشاب الذي ارتطم به يلتصق بها وشعور بالخذر يضرب دماغه التي يبدو أنّ اليد التي أرخت الشد قليلاً عندما كان يدخن سيجارته ويشرب قهوته تضربه بقهوة، أحس بأنّ يداً ما تمسك بمؤخرته هو أيضاً.

كان يحلم بالفتاة جالسةً بجانبه تحادثه حول ما تعانيه من مشاكل في حياتها وهو ممعن النظر في جيب نهديْها، رافعاً رأسه للموافقة مرةً، وخاطفاً منها قبلةً مرةً أخرى وهي تضحك دافعةً إياه،بدا له الحلم حقيقة وكان له أن يتحسس نعومة فخذيها من سروال الجينز، ممرراً يده صعوداً ونزولاً عليهما، شعر بتدفق الحياة في فخذيه، استيقظ! وكان فعلاً يشعر بالحياة تتدفق في فخذيه، ولكن حياة أخرى، ذلك النوع المؤلم، فتح عينيه ليجد رجله مغلفةً بغشاء أبيض تحوم حوله فتاة مرتديةً بزةً خضراء تنظف الغرفة، ألقى نظرة متفحصة في مؤخرتها، لربما كانت صديقته التي حلم بها والتي لم يرى وجهها في الحلم، أراد أن يتعرف عليها وأن يخبرها بكم الحب الذي شعر به اتجاهها وأّنه للمرة الأولى يكترث لمشاكلها، أحس بألم شديد في رجله، لكن الدوار في رأسه كان أشد ألماً، أصدر أنّة من أعماقه، نظرت الفتاة بالرداء الأخضر ناحيته وابتسمت ابتسامةً صفراء، ذلك النوع من الابتسامات التي يعتقد صاحبها أنّ من واجبه إلقاءها في وجه من هبّ ودب، كان أقل ما يمكن أن توصف به ملامحها أنّها قبيحة، لكنه لم يكترث لخيبة أمله، أراد أن يتحرك لكن دون جدوى. دخل أحدهم الغرفة، كان أحد زملاءه الذين من الممكن أن يقال عنهم أصدقاءه، أفرغ كمية من الضحكات والكلمات غير المفهومة والتي لم يفقه منها سوى ” حمداً لله على السلامة، يبدو أنّه لم يقتلك”، فكر في نفسه، لم يقتلني؟ من ذلك الذي لم يتقلني؟ بالطبع لم يقتلني أيها الوغد وإلا لما اضطررت لرؤية وجهك، قال له زميله ” على كل حال، لم يكن في مقدورك العمل اليوم” وعندما نظر له مستفهماً، أردف قائلاً” يبدو أنّ ابن العاهرة قد رفدك ومجموعة أخرى من الزملاء، لقلة احترامك لمواعيد العمل، هكذا قال! وكان سيرفدك بعد صباح الخير مباشرةً! قليل الحياء، قال لي بأن أخبرك بأنّه لا يتعينك الذهاب للعمل مرة أخرى”. لم يبدو مهتماً بالأمر، كل ما كان في استطاعته التفكير فيه هو ماهية مكان علبة السجائر خاصته حتى يطفئ ألم رأسه الذي اشتد به.

عند خروجه من المستشفى، قرر أن يتوقف ليشترى الدواء وأشرطة ألم الرأس، وعندما كان الصيدليْ يعد له الدواء، تلمس جيبه الخلفي حيث محفظته، أمسك المحفظة كأنه يراها لأول مرة، ” عشرون ديناراً، بالإضافة لأشرطة الصداع”، لكن فاجأه أنه لم يجد حتى ورقة نقدية واحدة في محفظته، شعر بتورطه، كما شعر به الصيدلي، نظر نحوه نظرة إزدراء ثم قال له ” لا تهتم، يمكنك أن تأتي مرة أخرى لشراء الدواء!”، تذكر أنّ يداً تلمست مؤخرته عندما كان على وشك فقدان وعيه، شعر بالخيانة، كان يعتقد أنّها يدُ عابث أراد القليل من المرح لا يد سارق، وفي طريقه للخروج، دخل رجل شاب قصير عيناه مطفئتيْن إحدى يديْه في سترته والأخرى تبدو مستعدةً لهجوم ما، أخرج مسدساً من سترته، وصوبه نحوه نظراً للمسافة التي تبعد بينه وبين الصيدلي، ظل مهدداً للصيدلي بأن يقتل الرجل أمامه إذا لم يعطه الأدوية المخدرة واصفاً إياها ” الحبوب”، وأن يفرغ ما لديه من مال، شعر لوهلة أنّ وجع رأسه اختفى وفكرة سخيفة حول ما إذا كان المسدس المصوب على رأسه هو الذي أزال الوجع أم لا، كان الرجل القصير ضاغطاً بقوة بمسدسه على رأسه بينما يلمس برجليه القويتيْن رجله المكسورة، شعر بألم في ظهره لم يشعر به، فكر أنّ الطبيب الغبي لم يفحص ظهره، ظلّ الصيدلي مشدوهاً دون حراك، وظل الرجل القصير يهدداً بكلمات لم يفقهها ” سأفرغ الـ… في رأسه”، استلطف للحظة التهديد بالقتل، قال في نفسه هكذا لن يكون عليْ أن أكترث بشراء دواء لوجع الرأس ولا بإيجاد المال بعد أن رفدني ابن العاهرة ولا حتى بمؤخرة الفتاة، تذكر أنّه متزوج وأنّ وراءه طفلتيْن ليعولهما وأنّ زوجته بمقدار من العهر من الممكن لها أن تفتح بيتاً للدعارة في شقته بعد مماته وأن تشغل طفلتيْه كعاهرتيْن تجني المال منهما، لكن الصيدلي كان إنسانياً كفاية ليجمع شتاته ويلبي طلبات الرجل القصير، قال في نفسه مرة أخرى، لربما بعدها سيعطيني الدواء دون أن أدفع ثمنه، على الأقل أشرطة البنادول اللعينة، وفي لحظة اختفى المسدس من على رأسه.
كان جالساً بطريقة ماداً بها قدمه على الطاولة التي أمامه محاولاً أن يصل قنينة البوخة التي فتحها مبكراً على غير العادة، كان يشرب دون اكتراث ليزيل وجع الرأس لدرجة أنّه أنهى نصف القنينة في نصف ساعة، رحل الوجع، كان مخدراً تماماً ولا يشعر بما حوله إلا أنّ قرقعة أحذية في الشقة أفزعته وجعلته يلملم ذهنه مجبراً نفسه على الاستيقاظ، كان قوام زوجته ممشوقاً أمامه تتفحصه باحتقار ممسكةً بالطفلتيْن التوأمتيْن البالغتيْن أربعة عشر عاماً، نظر نحو الأجسام الثلاثة التي تنظر بدشهة نحوه، تخيل طفلتيه عاهرتين يعاشرهما شاب كالرجل القصير الذي سدد المسدس نحوه، أحس بأنه يريد أن يتقيأ، لكن قبل أن يكتمل الشعور لديه، أفرغ ما في بطنه على الأرضية، صرخت زوجته نحوه ” ما بك؟!”، فكر أنّها تنظر لرجله المكسورة قال بسخرية ” ارتطمتُ بشاحنة قمامة”، لكن نظرة الاحتقار في وجهها لم تتغير كان يحدق في فتاتيْه اللتين أمسكتا أمهما بقوة، ” أقصد، ما بك، تشرب في وضح النهار؟ ألا تعرف بأنني كنت سأعود اليوم من بيت أهلي؟”، فكر، ما خطب هذه اللعينة، وما الذي تريده منه، ألا يكفيها أنّه لا يمكنه الحراك، قال ضاحكاً مرة أخرى ” وفصلتُ من العمل”، أحسَ بسائل لزج بارد متوجهاً من فم زوجته لوجهه المتعب، ” طلقني!”. كان هذا آخر ما سمعه منها، قبل أن يطيح بها أرضاً، ذهل من قدرته على النهوض رغم الألم ورجله المكسورة وضربها بهذه القدرة، كانت ملقية على الأرضية وخيط من الدم يتسلل من رأسها التي يبدو أنّها اصطدمت بحافة الجدار الرخامية، كانت الفتاتان ترتجفان وهما تنظران إلى أمهما الملقى، ” لا شيء، مجرد أنّها اصطدمت برأسها الحمقاء على الجدار” أراد أن يطمئن الفتاتيْن، ثم عاد إلى قنينته يشرب منها ما تبقى.

فكر، ستستيقظ العاهرة في أيةِ وهلة، وستبكي وستصرخ ومن ثم ستختفي مع الفتيات إلى أهلها دون رجعة، قال، لكني لن أسمح لها بأخذ الفتيات، لن أسمح لها بذلك، وبالفعل استيقظت، كان الدم قد توقف عن التسلل من رأسها، كانت تنظر بخوف إلى يديها الملوثتيْن بالدم قائلةً ” دم! تريدني أن تقتلني أيها الحقير؟ سترى!”، ضحك، ضحك حتى أنّه لم يشعر بأنّه ضحك منذ طفولته هكذا، وظل يدخن ويشرب من قنينة البوخة، متأملاً انتصاره على هذا اليوم القميء، لم يكترث إلى صراخ زوجته ونحيبها في المنزل، غابت لساعة ثم بان شبح جسمها والطفلتين في يدها أمام الباب ناظرةً نحوه باشمئزاز قائلةً ” سترى!”، لم يكترث، بل واختفت من دماغه تلك الفكرة التي قالت له بأنه لن يسمح لها بأخذ الطفلتيْن، قال ” إلى الجحيم!”. وغاب في النوم، حلم بالفتاة مجدداً، حلم بها عاريةً الآن، تركب جسده كأنّها فارسة…. غاب في الحلم.
استيقظ على طرقات الباب القوية، شعر بألم عظيم في رأسه، بألم في ظهره، بألم رجله المكسورة، أحس بأنّه عليه أن يبقى مخدراً دائماً حتى يزول وجع جسده عندها سيتدبر ألم رأسه، ظلت طرقات الباب تزيد من ألم رأسه، أسرع بخطى مرتكبة نحوه ليسكت الضجيج، عندما فتح الباب، لم يرى سوى مسدساً مصوباً في وجهه، كان أخ زوجته يحمل مسدساً خلفه زوجته دون الطفلتيْن، ترميه بنظرة حاقدة، شعر بأنّ الألم في رأسه قد اختفى مرةً أخرى، أن يصوب مسدساً في وجهك هو الحل!، قال بصوت غير مسموع باسماً بسخرية، لم يشعر بالألم بعدها، لم يكترث له، كان منظر الدم الذي يخرج من رأسه المحفور من جميع النواحي غير مكترثاً بالاتجاه الذي يأخذه.

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s