مكونات الكائن الليبي


8c8087deac3ff31fba15dcf7323af808

دائماً، وخاصة أوقات ذروة اشتعال الدماغ بالسرحان يجول في خاطري ماهية المواد الفيسيولوجية والسوسيولوجية ( بعيداً عن اليونانية: النفسية والاجتماعية) -التركيبة الكيميائية- التي يتركب منها الكائن الليبي، الكائن لأنه فريد من نوعه يحظى بخصوصية بين نوعيات الكائن البشري ويمتاز في غالبيته بالكثير من الخصال المشتركة التي تجعله منه مجموعة بشرية من نوع واحد.

زمان، أيام كنا صغار كنا نضحك على النكات التي تجعل من الليبي جوهر النكتة، إحدى تلك النكات التي كنا نتادولها عن امرأة ليبية وجارتها الفرنسية التي دائماً ما تلقي عليها تحية الصباح ” بونجوغ”، وتسمعها تلك الليبية المسكينة التي تمحي معالمها بكنس صدر البيت من القذارة التي يلقيها أفراد العائلة أمام البوابة وتفرح لأنّ الجارة الافرنجية ” بتجي” وتجلس عندها لكي تريها مبادئ إكرام الضيف الليبية، فتبدأ ربة البيت بتعبئة مكونات الغذاء بما لذ وطاب دون أن تأتي تلك الافرنجية، والتي ظلت طيلة أيام تقول لها ” بونجوغ” فتجهز الليبية الغذاء المركب لها، حتى وفي يوم من الأيام وعندما ألقت الفرنسية تحية الصباح الاعتيادية لها ” بونجوغ” فقفزت الليبية تسبها ” تو نجو تو نجو، بتجي طيّح سعدك “. هذه نكتة فولكرولية كنا نموت من الضحك عليها خصوصاً مع تغيّر اللحن في آخرها لنقلد صوت إمرأة ليبية.. ولكنها كغيرها من النكات كانت تفضح الكثير من بداخل الكائن الليبي.

فالكائن الليبي يتكون من عدة مواد فيسيولوجية منها أنه وفي داخل كل ليبي كائن ” خنايسي” يضع في حسابه كل شيء، ابتسامة فتاة قد يعتقد أنّها تحبه، أو ابتسامة رجل عجوز قد يعتقد أنّه شاذ جنسياً، تكشيرة ليبي آخر تجعل منه يفكر في أنّ هذا الرجل قد يتقصده يوماً ما، كل ملامح وجوه الآخرين تجعل من الليبي يفكر في المقصود وراءها، وهذا عن مجرد ملامح يلقيها الناس في أحايين كثيرة عشوائياً في وجوه الآخرين، والخنس يجعل من الليبي يفكر تفكيراً مؤامرتياً، وهي مرتبة عالية من الخنس، تجعله لا يأكل مع ” اعبيد” فقط لأنه قد يحمل الإيبولا أو الملاريا أو أحد الأمراض التي تصدرها أمه أفريقيا للعالم، حتى لو كان ذلك الأسمر الذي يلقبه الليبي ” عبيد” ليبي مثله، تفكير الليبي الخنايسي يقوده أحياناً لتصديق أي شيء يقال عن جهة ما سياسية كانت أم اقتصادية، فكوكاكولا كافرة لأنها تكتب ” لا محمد لا مكة”، ويفضل البيبسي عليها، كما أنّ الشخصية السياسية الفلانية يجب أن تكون فاسدة لا محالة لأنها من الحكومة، كل ذلك يجعل من الليبي يتخذ موقفاً رئيسياً من ما يحيط به: الخنس، ثم الاحتياط، ثم إما الخوف أو الكراهية…فعند الليبي ” اللي خاف سلم”، والخنس إحدى درجات الخوف.

لكل ليبي درجة الخنس الخاص به، ولكل منهم نوع خنس خاص، فأنا مثلاً…كليبي، مخنس من كافة الليبيين الذين يحومون حولي كل يوم، وأجد فيهم كائن يريد قتلي أو الاعتداء عليْ بالـ9 ميللي خاصته، وأخنّس من كل بوابة أمنية معتقداً أنّها تبحث عني لتريحني في سجونها الخاصة، كما أنني ككائن ليبي أشك في كل ما يقوله الساسة وأشباههم والقوّاد وكل ما ينطق على لسان ليبي، وأتفحصه داخل عقلي مستنتجاً دائماً أنّ هذا الرجل إما كاذب أو حالم أو متباهي أو أشياء أخرى تنبع من كلامه وطريقة تحدثه.

لهذا ترى أغلب الليبيين يحملقون بتكشيرة في وجه الجميع سموها ” تفنيص”، ربما كبروتوكول فيما بينهم عندما يعنون به أنّهم لا يهتمون لأمرك ولا يفكرون في عقولهم أنّك سيء.

ولكن رغم ” الخنس” فإن الكائن الليبي يحمل داخله مادة أخرى مناقضة بعض الشيء لصفته الخنايسية وهي صفة ” البيْلة، الانبيْلة، الامبيْلة” وهو الإنسان الذي دائما ما يقع في فخ غفلته، ويمكن للكثيرين أن يضحكوا عليه، والليبي ” انبيْلة” خصوصاً فيما يتعلق بالسياسة، فهو يميل ذات اليمين وذات الشمال كالسكران، ويقوده السياسون ويتقاذفونه فيما بينهم بين التارة والأخرى، والواقع السياسي الليبي مليء بهكذا حكايا تؤكد الأمر، فما يؤمن به الليبي الأمس يمكن أن يتحول شيء يكفر به لو قال له مفتيه أنّه حرام، ومن كان يعتقده رجلاً خيراً من الممكن أن يتحول لسيء إذا ما حرضته الآلة الإعلامية عليه، ورغم أنّ الخنس لايزال مشتعلاً مع ما يسميه الليبي ” طيبة” إلا أنّه دائماً ما يقع في فخ أفكاره المتشككة، والتي تقود به إلى أن يستسلم ببساطة لفكرة أنّ الدعم الخارجي لعملية عسكرية ما أمر لابد منه أو مرفوض رفضاً تاماً.

وللكائن الليبي صفتان آخريتان متناقضتان نوعاً ما، فهو عندما يكون مع كائن ليبي آخر يؤمن بأنّ جميع الكائنات الليبية كريهة وجاهلة وغبية، ولكن عندما يكون مع كائن إنساني مخالف له فإنّ الليبي هو أفضل منه لامحالة، فالكائن الليبي دائماً ما يتأفف من كونه كذلك، تجده يكرر عليك أنّ هذه البلاد لا تستحقه، وأنّ كل أولئك المحيطين به إما زوامل أو موبنة، وأن الفساد منتشر، وأنّ الله قد لعن كل من وُلِد بهذه الأرض، بل إنه يتمادى في القول بأنّ المعيشة ضنكة وأنّه لا يريد أن يكمل بقية عمره في بلاد كبلاده رغم أنّ الأمر في أغلب الأوقات سينتهي به فيها طيلة حياته، ولكنه يتحول وبسهولة إلى كائن وطني بامتياز ويفضل نفسه على بقية البشر، وهذه حكاية تؤكد ذلك: لي صديق من السودان تربى على كونه ليبي بامتياز، حتى أنه اكتسب فوق اللهجة الليبية عادات ليبية، كان مسافراً وعندما عاد لليبيا أوقفه أحد المطارات لساعات وطلبوا منه أن يجلس مع مجموعة من العمال البنغلاديش الذين كانوا يجلسون على أرضية المطار، وعندما أجابه بنبرة ليبية غاضبة بأنّه من العيب أن يجلس ” حتى البنغلاديش على أرضية المطار”، قال له عامل المطار ” أنت ليبي خونا؟” حتى يتأكد كيف يتعامل مع هذا ” الأسود”، وإذا أمعنت النظر سترى كيف يتعامل الليبي مع الجنسيات الأخرى كالمصريين والمغاربة وغير ذلك، بل إنه يتعامل مع بني جنسهم الذين يحملون نصف دمه ونصف آخر من مكان ما، ليطلق عليهم ألفاظ كـ ” دبل شفرة” أو باسم البلد الذي وُلد وتربى فيها أو ” اللي بوه مصري…إلخ” نازعاً صفة الأهلية للجنسية من أبناء الأم الليبية بتحريض من القانون نفسه، بل إن الليبي الحديث والذي يعيش هذه الأيام مدفوع بصفة شرعية دينية تتمثل في فتوى من ” دار الافتاء” بمنع الزواج من غير الليبيين حتى لو كانوا من نفس الديانة الإسلامية، وعندما تعلم أن أغلب الليبيات يتعففن من ” المصري” أو أبناء أفريقيا ناظرات نحوهم بطريقة فيها تكبر  وفي نفس الوقت يتمعضن من الليبيين ستعلم وقتها أنّ الليبي كائن به كره الذات وتعظيمها.

وتتعاظم المكونات المتتناقضة داخل الكائن الليبي، فهو متدين جداً في أشد أوقاته صياعة وكفراً، يلقي عليك بالمواعظ الدينية ورائحة البوخة تحرض على ثمالته، وبأنّ الحشيش حرام وهو ممسك به يتنشق دخانه، وبأنّ كل البنات ” بتشات” إلا أمه وأخواته وأحياناً بنات خالته، وهذا ما يجعل كل الليبيات ” بتشات”، وهو يرى أيضاً أنه من حقه أن يحب فتاة ما ولكن ليس من حق أخته التي ستجلب له العار، ويكره الجماعات الإسلامية كلها كما يكره أولئك ” اللي ماعندهمش دين”…تخيل كائن مليء بالتناقضات بهذا الشكل الرهيب.

ومن ما يجعلك ليبياً هو كونك دائماً ما تتحسر على الزمن الجميل الذي لا نهاية لقدمه وعراقته، حتى أنّك ستتغزل في زمن عشته يوماً بكراهية عظيمة له، هذا هو الكائن الليبي، ذاكرته ضعيفة كالذباب، يعود مرة بعد أخرى لتكرار نفس الخطأ الذي التمسه، فهو سينسى دائماً، مكتوب عليه ذلك.

من ما يجعلك ليبياً أيضاً، عدم توافقك مع الوقت والمواعيد، دائماً ما هناك تأخير لدى الليبي لكن ” كل تأخيرة فيها خيرة”، ولم يعد الوقت سيفاً ليقطع، بل إن غيابك على موعدك ساعة كاملة سيكون عبارة عن ” مواعيد إنجليز” بالنسبة لك، أنت نفسك الذي تكره أن يتأخر عليك أحدهم، كمصلحة حكومية مثلاً.

كما أن الليبي مهما تحضر وتقدم لن يتخلى عن القبيلة أو الجهة أو المدينة التي هو منها، ستراه دائماً يفزع ويتفاخر ولو من تحت الطاولة بكونه منتسب لها، ولا وجود لذلك الليبي الذي يحب كل مدن وقبائل بلاده ولو داخل أعماقه فقط  – تلك الأعماق التي تظهر عندما تنطق منطقة معينة تتغير ملامحه عند سماع اسمها-، كلهم قبليون أو جهوين لا فرق بين أحد منهم…أبداً، وما يجعلني متأكداً أنني محاط بكمية لا بأس بها من أولئك الشباب ” المتحضرين” و” المثقفين” الذين ينادون لدولة مدنية، يمتعضون مرة بعد مرة من مدينة أو قبيلة ما.

هناك الكثير من الصفات التي يحملها الليبي، هذا نموذج بسيط منها، ربما لو توفرت الأدوات والوقت المناسب لدراسة المجتمع المحيط قد يخرج شيء ما أكثر تفصيلاً وأكثر دقة..أما أنا، فأنا كائن ليبي أيضاً، لكنني أظن بأنني يمكنني أن أتحكم بليبيتي في بعض الأحيان التي وبنسبة خمسين بالمئة تغلبني في مواقف عدة.

 مصدر اللوحة الفنية

رأيان حول “مكونات الكائن الليبي

  1. لكن مهما كانت هذه الكائنات متناقضه في سلوكها , و غير ناتجة و غير مفيدة لنفسها او لغيرها .. فهيا تستحق ان تحافظ على ان لا تنقرض .
    لا نعلم ربما تخرج كائنات اخرى من اصلابهم .. يكونوا اكثر نفقعا و اكثر تعايشا :D

    Liked by 1 person

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s