يونس، رسائل من بطن الحوت 1


يونس، الحوت، والملك الذي يسلمه اليقطين، من الفن الإسلامي. المصدر: ويكيبيديا
يونس، الحوت، والملك الذي يسلمه اليقطين، من الفن الإسلامي. المصدر: ويكيبيديا

الحوت! كم هو عظيم وضخم، إنه كالأرض بالنسبة للذبابة التي تحلق مزعجةً إياك على مائدتك،  كنت أمسك بثنايا مركبي وهو يسبح تائهاً باحثاً عن الله الذي فقدته في أكلح أيامي، لازلت أسمعه ينادي ولكنه أحب أن يلعب معي لعبة أسماها جدني إذا استطعت، أطوف البحار وأغير الدفة على نغمات نداءه، كنت أسمعه يصرخ باسمي تارة ويهمس به تارة أخرى، أحياناً يبكي عندما يناديني وأحياناً يضحك بغجرية، كأنه اتحد مع الشيطان، في منامي كان يكرر النداء ألاف الألاف من المرات حتى أصبح الأمر مزعجاً، لذا،ـ قررت أن أجده – ربما أن أهرب منه- حتى يتسنى لي النوم بهدوء وسكينة، أن أغمض عيني كباقي البشرية، أحلم بقطعان الماعز تقبل الأرض تحت قدمي والشمس تحرق شوقي إلى السكينة، أن يشجن الناي بداخلي، أن أحلم مجدداً بزوجتي التي أخذها الله مني تقبل شفتيْ فأذوب في روحها، بأطفالي الراحلين يضحكون وأنا أجري وراءهم وتهتز الأرض ضحكاً ولهواً، أن أمسك جماح البحر أخرج منه اللؤلؤ والمرجان والسمك، أن أنبذ العنب فتأخذني النشوة وأرقص لله، للأرض، للبشر.

حراشفي تضايقني في بطن الحوت، وفي بطنه تغرق حواسك وتتعفن وتتحول إلى طحلب عملاق يغطيه اليقطين، الرائحة السمكية العفنة تصبح رائحتك الشخصية التي تبعثها لمحيطك وتختفي تلك الرائحة التي كانت خليطاً من سائلك المنوي وعرقك والرائحة الأصيلة للتربة المدبوغ منها جلدك ولا تتمكن من شم غيرها، الظلام الكالح والضوء المفاجئ والمخيف الذي يجعلك تتمسك بأعضاء الكائن الأرضي الرطب حذراً من أن يصفعك الضيوف الجدد، ولا تسمع إلا الأعماق وصفير مضيفك يترددان في أذنيْك وصوت داخلك يناديك عبثاً باسمك ثم يضحك، تنسى ماهية كل شيء، أصابعك اللحم الذي يشكل جسدك أصبح يتحول إلى يقطين، وأصابعك تتلاصق كأنها مجاذف، وتنسى المرأة وتدوير نهديْها والتفاح والشمس الحارقة وتتحول إلى وحش البحيرة الذي يخرج ناعقاً، باكياً!

ها أنا ذا، أقف مبتلاً في داخلي ولا هياج إلا ما تحدثه أمواجي التي تتقذافني، أفترض بوجود كائن حي آخر يهتم بشأني غير هذا الحوت العظيم، يلقي بالأسماك لأعيش يوماً آخراً فأشاهد مآستي تتشكل أمامي، أتذكر أن كائناً كهذا كان موجوداً منذ زمن، يجذبني من لحيْتي مستجدياً إياي أن يهش على غنمي، بملمسه الناعم، أن يلقي بشباكي في وجه البحر مخرجاً الحياة، كان يحمل معه جسدي كله، وهويتي، وإيماني بما يحمله – أو تحمله- من شكوك في جيوبها، وضحكتي ودمعتي وكل مشاعري صانعةً مني ثقلاً يعتقد بمسئوليته اتجاهها.

تبينت قضبتي التي أكلت نعومتها مياه البحر المالحة، وقبضت على شراع القارب هارباً من كل شيء في القرية، من الجاحدين والمؤمنين والمجانين والعقلاء، من خطوات البشر والقطط والأحصنة وعجلات العربات، من جو الشاطئ المخذر ومن وجوه أطفالي في كل طفل أراه، ومن جسد زوجتي في كل امرأة أراها، ومن الله في كل ذلك أو إليْه كما أحب أن أعتقد، تركت اسمي وروحي باحثاً عن روح جديدة أكثر صلابة، وفي منتصف الليل اختفى صوت الله واختفت اللجة التي أغرقني فيها بمطاردته لي، ركبت البحر على عجالة تحتضني الأمواج الثائرة، ولم أسكن لها، كان الإيمان الوحيد المتبقى هو إيماني بضرورة الرحيل، بحتميته، إلى أين؟… لا يهم.

خرجت الشمس مهللة وأحرقت شفاهي المالحة وسحنتي الغارقة، وأصبحت أتبين لون بشرتي، أشعر بملمس الشعر النامي بكثافة في قذني، أمسك موسىً واقتلعته، بدا ذقني أبيضاً ناصعاً وعيني الجاحظتيْن كانتا تتحولان على صفيحة المياه، صعرت خدي للسماء، ألقيت بنفسي في وجه النسيم، وكنتُ فرحاً بنفسي أنني تخلصت من كل شيء أحمله على كتفيْ وانتظرت لأجوب كل بصمة قدم على هذه الأرض.

ولكن في غمرة حريتي في قمة معرفتي بجمال الحياة جاء هذا الكائن الضخم وابتلع كل شيء أمامي، ابتلعني.

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s