إيفكو إلى جهنم


highway-to-hell

الجو خانق، كان عليْ أن أمشي 666 ميل على الحصى القاسي والديدان تحبو على أصابعي السوداء المتقطرة دماً، تتساقط كرمل من أعلى شعري المجعد، فراغ أثقل من الأرض في جوفي وعيناي عجزتا عن الرمش، عظام الفك أصبحت واضحة بعد أن غطاها الشحم، أبدو كأحفورة مضى عليها ثلاثة أشهر لازلتُ محفتظاً بالمهم، قضيبي وأنف أتشمم به الرائحة الخرائية العابقة بالمكان، ولأول مرة يصبح البراز عبقاً وذا رائحة حلوة، أو أحلى من غيرها، كنت رفقة أحد القديسين، كان طول الطريق يحدثني عن الله وجمال رحمته وفي كل مرة كان عليْ أن أقذف جزءًا من أحشائي، كانت سحنته السمينة التي ضاقت بها ألواح قبره قد صنعت له بزة توحي بكائن قد عاش  حياة الرفاهية، كان كلما أراد أن يتقيأ تخرج من فمه سمكة تقفز في الماء العكر للبرك على جانبيْ الطريق الموحش، كان هناك غراب ينعق خلفنا محلقاً حول شجرة ميتة والشمس تحتضر إذ لا تراها سوى بقعة بيضاء شاحبة في السماء الكالحة، كان صديقي يهدج بأدعية وصلوات مللت سماعها ولأكسر بعض الملل قلت له:

  • هيه أنت، ما اسمك؟!
  • محمد، كاسم الرسول، وأنت؟
  • محمد، كاسمي.
  • إذاً هل أنت ذاهب إلى الأعراف مثلي؟!
  • الأعراف؟! لا أعتقد ذلك، إننا نتجه إلى الجحيم يا صديقي. خرجت مني ضحكة استهزاء، كان لونه الأصفر قد بدا أكثر اصفراراً، صمت قليلاً، ظننته يفكر في الكيفية التي وصل بها إلى هذا الطريق الوعر صحبتي.
  • جهنم؟ ولكني كنت أصلي ولا أحب الشراب ولا أضاجع النساء.
  • آه، من سوء الحظ!
  • ربما هي الطريق ذاتها التي تؤدي إلى الأعراف.
  • سنرى…

ثم صمتتُ قليلاً وقلت له:

  • ولكن لماذا لم تأخذ المصعد للجنة؟
  • قال لي الحارس هناك أنّ علي أن أقطع هذه الطريق إلى الأعراف لوجود مشاكل في ميزان حسناتي وسيئاتي.
  • قد يكون إبليس.
  • من؟
  • الحارس!

وكان عليْ أن أنصت له طول الطريق، كان واثقاً أن الأمر سينتهي به في مكان ما جميل، به من الشراب والنساء ما قد حرمه على نفسه، ولكنه لا يعلم ما إذا كانت الجحيم جميلةً أم لا، قد يجد أصدقاءً له أو حبيبته التي لطالما أنكر حبها، كان به شبه غريب بي إلا أن الشحم هو ثقله لا الفراغ، الطريق إلى الجحيم هي ذاتها في كل قدم تقطعه، وكأنك تتحرك داخل صورة تتكرر، غراب يحوم حول شجرة ميتة وينعق وشمس تحتضر وحصى وديدان وبرك ماء كريهة على جانبيْك، ولافتة مكتوب عليها ” إيفكو الجحيم، على بعد 666 ميل” وكنت لن تحس بالوقت، لا أدري ما إذا كان صديقي يشعر بمرور الوقت ولكن الأمر غير مهم.

  • إذاً، من أين أنت؟ سألني رفيقي.
  • ليبيا، أجبته دون اهتمام.
  • لا يعقل، أنا أيضاً ليبي.

إذاً هذا هو الجحيم، أن تشارك الطريق مع ليبي طيلة الـ666 ميل.

وأجبته قاطعاً أي محاولة لتكوين حوار مطول.

  • آه، هذا جيد!
  • أتعلم، هناك شيء بك يشبهني!
  • نعم، كلانا ميت!
  • لم أعد أشعر بالهواء، هل أتنفسه؟ لا ملمس أصابعي ولا حتى مذاق لعابي.
  • لم أعد أشعر بقضيبي.

الجميل في هذه الأرض أنه يمكنك التحدث كما تحب، مهما كان الرجل الذي ترافقه، انقطعت عنه أفكر في مدى الحرية التي أتمتع بها الآن، يمكنني أن أهينه كما أحب، بل وأن أصدمه بأن سنين الصلاة والبعد عن الشراب والنساء لن تفيده لأنه سيحترق مرة بعد أخرى حتى اللانهاية، ولن يستطيع فعل شيء حيال ذلك.

  • أتعرف؟ لستُ نادماً لأن الله يريد لي أن أزور جهنم، ربما قد صنعت شيئا سيئا في حياتي.
  • بالطبع قد صنعت الكثير من السوء، إنك لم تجرب حتى طعم البوخة أو القبلة.
  • ماذا؟!
  • إن الذين يدخلون الجحيم هم الخاطئون في حق الحياة!
  • وأنت؟
  • أنا؟ ذاهب بإرادتي، لأرى حبيبتي والرفاق هناك.

مع التحام أقدامنا في الطريق وتفتت لحمي الذي يأكله الدود وذوبان شحم رفيقي الذي بدا يشحب وينكمش إلى قطعة لحم مقدد، كان علي أن أضع حداً لإيمانه العميق والغريب، كان يؤلم ما تبقى من مخي بكلماته الحماسية والعاطفية.

  • يا صديقي إن الله لا يحب القديسين أمثالك. قلت.
  • ولكنهم قالوا لي إنه يعشق القديسين.
  • حسناً، الأمر خطأ…والدليل أنت.
  • لا، لابد أنّ إبليس قد خدعني عند المصعد، وسيتفهمون الأمر هناك وسيعدونني إلى الجنة!
  • قد يكون قد خدعك وأنت حيْ.

وقطع حديثنا ظهور طابور طويل، نساء ورجال وأطفال وكلاب وقطط ورؤوس أحصنة وشياطين يقفون منتظرين ركوب إحدى الحافلات المصطفة وموسيقى صاخبة لفرقة الهارد روك ” AC/DC” كان الوحيد الذي يستجيب لأنغام الهارد روك شيطان أمام إحدى الحافلات راقصاً، قافزاً، كان ذيله البقري المتسخ ببراز لصق به يرقص لوحده، وعظامه السوداء تخرج من اللهب الذي يكتنفه، كان بأنفه قطعة حديدية كتب عليها ” أهلاً بكم… أيها الشجعان”، وأسنانه المتساقطة تضيف بهرجة على تعاسة المكان، إن كان يوماً ما بشرياً فسيكون من أولئك الذين يصطون على الصيدليات لسرقة حبوب الهلوسة، كان ممسكاً بقنينة من البوخة رافعاً إياها ومنادياً ” اشربوا، فقد تكون آخر مرة تتذوقون فيها شيئاً ما! ها ها ها ” ويطلق ضحكة شيطانية مخلوطة بصفير كصفير مريض آزمة.

المشهد: سور عالٍ وُضع كجدارية وداع للحياة، كانت إحدى العبارات التي شدتني تقول ” الثوار في كل مكان!”، وجاء في بالي أنهم قد قاموا بتحرير الجحيم وأننا على طول الطريق سنرى بوابات واشتباكات مع الأزلام وما إلى ذلك من الحفلة الثورية، شدتني عبارة أخرى تقول ” إلا أننا اتبعنا أباءنا”، أحببت أن أضايق رفيقي، أشربت بعظام إصبعي وقلت له:

  • انظر!
  • ولكني لم أتبع أحداً!
  • وها أنت ذا تتبع هذا الطابور!

وكانت خلف السور المليء بالسور تلك الشجرة الميتة وملايين من الغربان تنعق حولها، قد تكون غربان الجميع بالطابور مجتمعة، الطائر الذي في عنقك، إذاً فلكل واحد هنا طائره، إلا أنا وصديقي لذينا طائر واحد رافقنا، بخلاء حتى في جهنم، كان أحد الشياطين يحاول أن ينظم الطابور، كان كالخنزير، ضخم وبعيون حاقدة، وسلسلة تربطه بعامود راسخ في الأرض، يصرخ في الهياكل وأشباه الهياكل بأن هناك متسع لكل منها في الحافلات، كان رفيقي غارقا في عملية تبول لا إرادية، عندما مر الشيطان بجانبنا واجتذبته رائحة التبول البشرية، نظرت لنفسي، كنت لازلت أشعر بقضيبي ولكنه كان ساخناً كما أن الجزء العلوي من جسدي كان عبارة عن عظام، تفقدت قلبي، لم أجده، ضحك الشيطان وأمسك برفيقي الذي بدأ يرتجف ويبكي، رفعه عالياً ثم قال له بصوته الخنزيري:

  • وجبة لذيذة، يبدو أننا سنلتقي في جهنم، عندما يتشكل لحمك من جديد. ها ها ها

رقبتي تؤلمني؟! كم مضى من الوقت؟ لا أدري! ولكننا اقتربنا من الإيفكو التي ستقلنا إلى الجحيم، ها الجحيم!

  • ألا ترى أن بالأمر سخرية؟ قلت.
  • كيف؟!
  • من الجحيم إلى الجحيم!
  • ماذا؟!
  • أعني من الجحيم الأرضي ليبيا، إلى الجحيم الإلهي، إنّ بالأمر سخرية، وكأنّ الله يحاول أن يمازحنا!
  • أستغفر الله!
  • أستغفر ما شئت ولكنني أجد الأمر مضحكاً!
  • أتضحك أن تتعذب في جهنم؟
  • بالطبع، عندما لا أكون قد غادرتها منذ البدء.
  • فليسامحك الله!
  • الوقت الطويل قد مضى على ذلك، إنك تذكرني بشخص عرفته!
  • وأنت تذكرني بشخص لا أريد يوماً معرفته!

حاولت أن أتلهى بالتحديق في الوجوه ومحاولة التخمين عن أي شيء قد أوصل بهؤلاء هنا، هذه المرأة ونهداها الحيان قد تكون عاهرة عاشت على بيع  جسدها، وذاك الرجل الشيخ قد يكون زعيماً لطائفة دينية ما، هاه، ذلك الشيطان الهزيل بالطابور لم يفلح بإغواء أحدهم لذا فهو ذاهب معنا للجحيم، هذا الهيكل العظمي يبدو لي كهيكل لرجل سياسة، لما لا يذهب السياسون والقادة ومن شابههم وحدهم إلى الجحيم؟، وفليتركوا لنا الأرض، لا نريد الجنة، إنها مطلب رفيع يليق بالقديسين أمثال رفيقي، ولكن أنا كل ما أحتاجه كجنة هو كأس فودكا لا ينتهي وفتاة تزرع في فمي قبلة كل ما شعرت بالجوع.

  • أتعرف، قد أكون نادماً على أنني لم أقترف شيء واحد في حياتي. قال رفيقي وقد استجمع رباطة جأشه بنبرة مستسلمة وحزينة.
  • ما هو؟!
  • أنني لم أحب الفتاة التي أحببتها.
  • ……
  • أقصد، لم أحبها كما أردت، ظل حبها حياً في قلبي فقط، ربما لو أحببتها، لنجوت.
  • الحب للأغبياء يا رفيقي.

كنت أحاول أن أجعله يصمت ولكنه تابع دون أن يكترث لي.

  • لك أن تتخيلها، عيناها الواسعتان تحملان الأرض كاملها داخلهما، وشعرها الأسود الفاحم مختبئاً في جزء منه وراء الحجاب وطلاء الأظافر الغريب الذي تضعه، فستانها الوردي الذي لطالما أحببتها أن ترتديه، ضحكاتها، وطريقتها في تفسير الأمور، حريتها، ومحاولاتها الخجولة في الافصاح عن مشاعرها، كل شيء…لم أحبه جيداً أو كما ينبغي.
  • ربما هي التي أودت بك بصحبتي.
  • …….
  • تخيلها تلك الهيكل العظمي الذي أمامك وقد عاشرت الألاف من الرجال غيرك، أقصد انظر لها كهيكل عظمي تكرهه، هل ستحب هيكلاً عظمياً عاهراً؟!
  • لا أدري…ربما سأفعل لو كانت هي.
  • أشفق عليك، حقاً، تحبها وتحب الله وانظر ما الذي فعلا بك!
  • أأنت ملحد؟!
  • لا أدري، قد أكون وقد أكون أكثر إيماناً منك.

وكان علينا أن نتحرك كالعبيد حتى وصلنا إلى الشيطان المسمى ” البوليطاي”، بدأ ينظر إلينا باستغراب، تفحصني جيداً ثم قال:

  • أيها البشري، ما الذي أتى بك إلى الجحيم؟!
  • زيارة لبعض الأصدقاء، وقد يعجبني المناخ والمكان وأمكث فيها.

قهقه الشيطان حتى بصق سائلاً أسوداً بدأ يتحرك وكأنه له روح، أمسك بيدي وقال:

  • مرحباً بك في الجحيم، التذكرة ثمنها أن تمص قضيبي!
  • ألا توجد طريقة أخرى لركوب الحافلة؟!
  • أن تمص قضيب صديقي هناك! وأشار للشيطان صاحب الوجه الخنزيري.
  • وإن لم أفعل ذلك؟!
  • هاه! هنا لا توجد إرادة، عليك ذلك وفقط! حتى وإن أردت أن تضيع في العدم ها ها ها !
  • حسناً، سأشتري تذكرة أخرى لصديقي هذا أيضاً.

حدق في صديقي وقال:

  • ها ها ها!

في الحافلة جلست برفقة ” محمد” الذي يشبه اسمه اسم نبيه، قال لي بعد صمت مطبق:

  • شكراً لك!
  • الأمر لا يهم كثيراً، أخبرني عن الله.
  • الله رحمة حتى في الجحيم، لن تضيع صلواتي هباءً…ياليت كنت أعرفك قبل ذلك، لصليت لنجاتك.
  • لن يهم الأمر كثيراً.
  • أحب أن أؤمن أن الله يمكنه أن يرحم الجميع، حتى الشيطان نفسه.
  • اوه! ولكن البعض أمثالي لا يحتاجون لرحمته.

كان الراكبون قد تحولوا جميعاً إلى هياكل عظمية ولم يتبقي لرفيقي إلا القليل ليصبح مثلنا، شعور غريب بالديجافو يقلق عقلي.

كان الشيطان ” البوليطاي” يعمل كمرشد سياحي لنا، كان يحب الحديث، ويكره الصمت، كان يقول ” سيداتي، ساداتي، ها ها ها! نرحب بكم في إيفكو الجحيم في الطريق 666 إلى جهنم، اربطوا الأحزمة ها ها ها….. كما يمكنكم أن تشاهدوا على جانبي الطريق فإن هؤلاء مجموعة من الزومبي الليبيين على مضادات الطيارات يحاولون تحرير الجحيم، ذاك الزومبي الملتحي الذي ترونه يحارب ذلك الزومبي العسكري، إنهم يقومون بالعملية ذاتها منذ الأزل، في الواقع الزومبي الليبي مضحك جداً،…. الآن تستمعون لأغنية ” Highway to hell  ” والتي تناسب الأجواء،…. يمكنكم على يمين الإيفكو أن تلاحظوا أنقاض حضارات ومدن وقادة لازالوا حتى بعد موتهم يخطبون في شعوبهم الميتة…. ها هو ذا هتلر وتشرشل والخليفة العباسي…. والآن ونحن نقترب من الجحيم أحب أن أنوه أننا نقترب من الجحيم ها ها ها ها “

ألقيت نظرة تفحصية لصديقي، كان قد تحول تماماً إلى هيكل، شيء ما شد انتباهي، بأنه يشبهني تماماً، اعوجاج في إصبعه الخنصر يشبه اعوجاج إصبعي. طردت الفكرة التي تقول أنه أنا، وغبت في أفكار أخرى لا ضرورة لها.

كنتُ جالساً بجانبي الرفيق وهو يضحك ويقول لي :

  • اسمي محمد، كاسمي.

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s