ليبوفوبيا: الخوف من أن تكون ليبياً


مقطع من فلم باك تو ذا فيوتشر
مقطع من فلم باك تو ذا فيوتشر

أحياناً، يعنّ لي أن أدع خيالي ينفلت لأخرج بنظريات أجدها عقلانية لسبب ما، تقول إحدى هذه النظريات أنّ كل النّاس يصرخون عند الولادة لخوفهم من المرحلة الجديدة في حياتهم بعد المكوث في بطن أمهاتهم كفندق سبعة نجوم إلا الليبيين، فإنهم لا يصرخون سوى خوفاً من أنّهم ولدوا ليبيين.

ولما لا؟ فقد قال هيروديت أنّ كل ما هو جديد يأتي من ليبيا…لاشك!

وهوليوود مليئة بالخوف والبارنويا السينمائية من الليبيين وجمالهم وأسلحة الكلاشنكوف خاصتهم والتي يستعملونها بعبثية مفرطة، ففي فلم “ Back to the future “يسرع البطل هارباً من مجموعة من المسلحين العرب صارخاً بصديقه أن ” أسرع، إن الليبيين قادمون!”، وقد سقطت طيارة في فلم “ Flight of the phoenix “ في الصحراء الليبية لتجد الشخصيات أنفسها محاصرة بالصحراء والشمس ونبات الصبار والجمال والعصابات الليبية المسلحة التي تحاول السطو عليهم، ورغم أنّ هذين الفلميْن يعدّان من الأولد كلاس، إلا أنّ الأسطورة التي قدمتها الآن والتي تقول بخوف هوليوود من الليبيين كخوفها من الزومبي قد استمرت حتى في الأعوام الماضية مع ظهور فلم “ The Dictator “  والذي يحكي قصة ذلك الديكتاتور الشرق أوسطي والذي يشبه في تصرفاته وكلامه القذافي، هوليوود تخاف من الليبيين حتى في الكوميديا، إلا أنّها مصدرٌ لا يعتد به في تحليل شيء جدي كهذا، فهي تخاف من الزومبي والعرب والروس ومصاصي الدماء أيضاً.

وهناك خوف حقيقي يجعل الإنسانية تسخر من الليبيين، فقد قصّ علي أحد الثقاة أنّ امرأة أوروبية سألته ” من أين أنت؟!” قال لها ” ليبيا؟!”، قالت له ” اوه! أين تقع؟!”، قال ” في شمال أفريقيا؟!”، المسكينة لم تعرف هذا البلد الذي يقع في شمال أفريقيا – أعذرها إن كانت جميلة فلابد أنهم لم يدرسوها في درس الجيوغرافيا- حتى قال لها ” قذّافي”، عندها ضحكت وقالت ” اوه! بلد الجمال! هل لديكم سيارات هناك؟!”، قال لها ساخراً” نعم وقد ركنت جملي في المطار إذ لم يسمحوا لي بالدخول به!”، هذا شكل من الخوف، الخوف من الجهل والجمال والصحراء والتخلف…ربما.

أنا شخصياً، ليست لدي مشكلة مع الصحراء ولا الجمال رغم أنني أراها كائنات بشعة وحقودة، ولكن أيخاف الإنسان من الجهل؟ نعم، هناك الكثير من المثقفين الليبيين الذين أخافهم يخافون من مخالطة الكائنات الليبية خوفاً من أن يتلطخوا بالجهل، هذه الكائنات المثقفة تخاف أن يهذر ليبي ما بكلمات لا تعجبهم فيضطرون أن يبلعوا ألسنتهم لأنهم لا يستطيعون مناقشة كائن ليبي عادي في نظرهم، وهذا الكائن الليبي المثقف يخافه ذلك الكائن الليبي العادي لأنه يقرأ الكتب، أنا أخاف الكتب، وأخاف أن أقرأها، وأخاف من الذين يقرأونها، أنظر لهم بريبة.

لا أحكي ذلك لمجرد الهرطقة، إنني فعلاً أخافهم، فأنا كائن أمشي على الحيط ولا أحب مجادلة أي كائن ليبي كان، أغلق فمي وكل فتحات جسمي وأنصت له بإمعان، إن الجميع يعلمون أكثر مني، وأخاف من أن أخبرهم بأنهم أغبياء وحمقاء ومغفلون وأشياء أخرى لا يحبون سماعها، أخاف الليبيين.

وقد تطورت هذه الحالة داخلي في يوم ما، صحوت فوجدت أنني أخاف من كوني ليبي، وأنّ هذه الهوية التي لم أخترها قد ورطتني في مشكلة نفسية لا أجد لها حلاً، ذلك الخوف المرعب الذي عندما أتحسس رقبتي في آنه أشعر بوجود كائن ليبي في الأجواء، وعندما أنظر أجد أعين الكعكاتجية والحبّة والمليشيات والعصابات والبوفتات والمردف والواقفين على باب الله وغير الواقفين والسمسارة وبائعو السجائر تلتهم نفسي الضعيفة، أشعر بأن أحدهم يتحسس مسدسه، الآخر يحسب داخل عقله المبلغ المالي الذي سيتحصل عليه بعد أن يسطو على التيدا، رغم علمي بأنّ التيدا ليست مرغوبة في سوق السيارات المسروقة، وعندما أرى في الأفق ملامح بوابة أدعو الله أن لا أكون حشاشاً، سكيراً، معارضاً لتوجهاتهم السياسية، ابناً لمنطقة لا يستلطفونها، ليبياً أو غير ليبي أحياناً، وأن لا اكون حبة أو لي سوابق مع الواقف بالبوابة ولو كانت سوابق من أيام الابتدائي، أن لا يقبضوا علي بتهمة أنّ وجهي غير مرغوب فيه أو أنني أعاني من الخوف من الليبيين وأستحق أن أتنيّك في الشيلا لليلة، وعلى سيرة البوابات فإنني أخاف من البوابات الوهمية والكلاشانات الموجهة نحو نقالي النوكيا ومحفظة نقودي الفارغة إلا من تعريفات كثيرة وربما معطفي الأخضر الذي قد يعجب أحدهم أو التيدا لا سمح الله، أنت تعرف المشكلة مع البوابات هو أنّ وجودها غير مرغوب به إلا بعد أن تتجاوزها بآمان، وهذا ما يقودني لخوف آخر هو انعدام البوابات في طريق ليلي ما، وكأي ليبي أخاف من المشاكل المفتعلة ليس خوفا من الرصاص الطائش والمؤدب منه، بل لأن الليبيين سيسارعون مصطفين أمام الشيلات والمخابز ومستودعات توزيع الغاز والحدود – كنت سأقول المطارات إلا أنّ هذا الأثر الحضاري قد اندثر منذ فترة- فأسارع مصطفاً معهم، ساباً وشاتماً جهلهم الذي أخوض فيه معهم – أشتمهم أيضاً عندما أنتهي من ملء خزّان الوقود بالسيارة-، ورغم أنّ الأمر ليس في السياق فإني أخاف من أن تصرخ ليبية ما في وجه العالم – لبعض الليبيات تلك النظرة الحاقدة التي تثبتها في وجهك- مدعية أنني نكتها فوق إرادتها، ويعلم الله أنني لم أفعل …صدقني.

وأخاف كل التسميات التي يطلقها الليبيون عن أي شيء، فقد تبين أنّ الفحم ليس بياضاً وأن سخان الشاي ليس براداً وأنّ الاستقلال ليس استقلالاً وأن ثورة الفاتح العظيم ليست ثورة وليست عظيمة وأنّ ثورة فبراير المباركة لم تأتِ بعدها البركة التي كانت شادة حيل البلاد، وأنّ الكرامة وقسورة وفجر ليبيا وعملية زيد فيه وما تبقى من عمليات قد ناكت الوضع حتى فتحت شارع في فرج البلاد، أخاف مؤسسات المجتمع المدني لأنها عكس ما سميت لأجله، بصراحة أخاف حتى من تسمية أمي لي بـ ” محمد”…فقد لا أكون محموداً لا في الأرض ولا في السماء، أنت تعرف.

ومشاكلي النفسية باقية وتتمدد، كنت أخاف من تمثال الغزالة والحسناء أن ترتدي النقاب يوماً، وفرحت جداً عندما سمعت الخببر الذي يقول أنهم استأصلوها، حتى لا أراها يوماً تحدق بي من خلف النقاب، وكنت يوماً ما خائفاً من صانع القهوة الذي بالتأكيد سيضع ” حبة روج” في كوب النص نص خاصتي، ليست لدي مشكلة مع الدوخة، يحتاج المرء أن يفقد عقله بين الفينة والأخرى، ولكني كنت أخاف من أن أجد نفسي في ” الحبة الشرقية” سمساراً أو منضماً لإحدى العصابات أو مفتعلاً لمشكلة في رأس الشارع.

ويمتد خوفي ليشمل أنصار الشريعة والكافرين بها والإخوان المسلمين والأصدقاء المسلمين والعلمانيين وما تبقى من ماركسيين والثوار والأزلام والجيش والشرطة والتشكيلات المسلحة والمليشيات والدولة والأناركية والمتمردين وأشباه العلمانيين والوطنيين و….كل توجه سياسي،ديني،فكري على هذه الأرض، أخاف أن أبقى في هذه الأرض وأن أرحل منها وأن أحبها وأن أكرهها…باختصار، أخاف من كامل الشعب حتى من أمي.

لما أفضح مشاكلي النفسية؟ ربما لأنني لا أجد طبيباً نفسياً أفرغ له ما في قلبي دون أن يقال عني ” مهبول” أو ” معتوه”، وإنني متؤكد أن المجانين والمعتوهين الليبيون يخافون من باقي الشعب ويحاولون أن يتصرفوا بعقلانية ما، وأنني متؤكد أن نصفهم يلفقون الأمر خوفاً من أن يعيشوا حياتهم بحرية تامة دون النظرة الإشمئزازية التي يلقونها في وجوههم، متؤكد أنهم جميعاً لديهم رهبة من كونهم مجانين ليبيون، أعني…أن تكون ليبياً في ليبيا مآساة، فما بالك بمجنون أو حتى مريض نفسي مثلي.

ولكني لست الوحيد…أنت أيضاً تعاني من هذا الإختلال النفسي، قد لا تعاني منه بنفس الحالة المتطورة خاصتي، لكنك تعاني من الخوف من أن تجد ليبياً أمام وجهك في شوارع لندن أو كولورادو أو هولوندا أو أي بقعة قد يذهب إليها الليبيون ربما، أو قد تكون خائفاً من أن يكون الموظف المسئول على ملف معاملتك ليبياً، أعني ليبياً بالمعنى الخاص للكلمة، قد تكون خائفاً من أن يقوم عناصر الردع بافتعال مشكلة مع رأس الحشيش بالحي فتركب فكرة المقاومة في رأسه وأنت تعرف بقية السيناريو المنيْك، قد تكوني خائفة من يأكلك ذلك الشاب بالسفيْكة بعينيه أو أن يقتلك لسبب بسيط…أنّ أحدهم قد امتعنتي عليه، يراكِ قحبة تستحق القتل!

ولكن هناك فئة أخرى تخاف من الليبيين، هي تلك الفئة التي تجعلهم منقسمين إلى فئات وعقائد وأفكار ومتخندقين حول خنادق، هي نفسها الفئة القحبة التي تنومهم مغنطيسياً يوماً بعد يوم بدعوى مصالح الوطن العليا وأهداف الثورة والجيش والشرطة وما تبقى من لقني وكلام فارغ، هي تلك الفئة المنيْكة التي تلم مسانديها من الشعب – ليس لأن مساندة الشعب لك مهمة وذات تأثير، بل لأنها تعني أن دول أخرى ستساندك-، تلك الفئة المعكوكة ترتعد من أن يلتم الليبيون جميعاً – أو غالبيتهم العظمى – حول قضية ما مضادة لقضيتهم، لأنهم يعلمون أنّ آخر شخص فعل ذلك انتهى بعصا في مؤخرته، إنهم يخافون من أن يرووا أحدهم يضع عصا في مؤخراتهم في نهاية حياتهم، بعض من تلك الفئة ينومون الشعب بالدين، بعضهم بالثورة، بعضهم بالوطن، البعض بدافع المدنية، بعضهم بنتشة فايف، المخذرات شيء جيد للتحكم بالحالة النفسية التي يعاني منها هؤلاء.

رأيان حول “ليبوفوبيا: الخوف من أن تكون ليبياً

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s