سبوندا


 

 

 

سبوندا: شاطئ، حافة بالإيطالية وتستخدم في لعبة البلياردي الليبية عندما يتعين على اللاعب ضرب الكرة البيضاء بإحدى الحواف في الطاولة قبل أن تصطدم بالهدف9ball

 

لم يكن مريضاً بالإكتئاب، ولم تحاول الألياف الخشبية للحبل أن تعانق جلد رقبته فترسم معنى الموت فيها، كان ماراً في الطريق يحاول أن يتوه في زحام السيارات وجوقة النار، عندما مرت بجانبه سيارة معتمة النوافذ، كانت إحدى النوافذ نصف مفتوحة يتسرب منها دخان كثيف وقبعة عسكرية، لم يكن يعيرها الاهتمام، لطالما كان يمر بجانب هكذا سيارات طيلة السنوات الماضية إلى إن امتصت روحه ذلك الخوف – أو الشك- الذي كان يعتصره أول مرة وحل محله برود قاتم، حدق في القبعة والسيارة وفي خيط الدخان الصاعد. توقفت السيارة ونزل منها صاحب القبعة، رمقه بنظرة حادة، سأله ” قداحة؟!”، تحسس جيبه، كانت تقبع داخله قداحة ما، فلم يكن يخرج إلا بقداحة في الجيب، كان سيدخل يده داخلها ويعطيها له، لكنه قال غير مكترث ” لا… لا أدخن!”، قالها واستمر يحمل حياته على عاتقيه، إلى أن أحس بيد قاسية وصلبة تمسك بكتفه، وكأن ذئباً ما عضه، شعر بأنيابه تفترس لحمه، التفت ببالهة فوجد صاحب القبعة يحرك شفاهه، لم يكن يستمع لما يقوله، كان يتبين حركة شفاهه الغاضبة والسائل الرغوي الذي يخرج من فمه، أثارت رائحته فيه تقزز ما، استجمع حاسة السمع خاصته وبانت الكلمات “…عندما أتحدث معك، تتوقف وتنظر إليْ!”، شعر بمخالبه تنغرس في كتفه أكثر وأكثر، كان ينظر نحوه ببلاهة وبعينين نزقتيْن، كان صاحب القبعة يكيل له الشتائم، توقف المارة ينظرون للموقف، تلفت نحوهم صاحب القبعة وقال ” إلى ماذا تنظرون إليْه يا حيوانات؟!”، وأخرج من ظهره مسدساً، كان هو لازال مجمداً لم يستوعب الموقف بعد، صوب المسدس نحوه وقال ” سأريك كيف تلقي بالاً للرجال!” وأحس بنور الشمس يختفي كدخان السجائر، وأحس بالدفئ في صدره، لم يكن ليسمع صوت الـ9 ملِ يخترق أذنيْه، ولم يشعر بالرصاصة الصفراء النحاسية تخترق جسده، سقط.

  • سبوندا!
  • أتعلم؟ يتراوح متوسط احتراق سيجارة مالبورو بين أربع إلى خمس دقائق، يزيد أو ينقص معدل احتراقها معتمداً على عوامل عدة، حالتك النفسية والطقس وآخر سيجارة دخنتها والمكان خارجاً أم بالداخل، كما يعتمد أيضاً على الجرعة التي يحتاجها جسمك للنيكوتين، فإذا كنت دخنت سيجارة من دقائق ستكون التي تليها أسرع لأن ذلك يؤثر على حالتك النفسية سيجعلك جسدك تريد إنهاء السيجارة بأسرع وقت…
  • دورك، فلتلعب وتصمت.

أمسك العصا الخشبية، كان يمسك بها بطريقة تجعل من الملاحظ الجيد يدرك أنه لم يكن خبيراً في لعب البلياردي، ينحني قليلاً على طاولة اللعب وينظر بإمعان للكرات التي قد يستطيع إدخالها في الحفرة، يمرر العصا إلى الأمام والخلف في حركة تكرارية تقترب من الكرة البيضاء المسمى ” الصفر” راصداً هدفه الذي كان بمعايير لاعبي البلياردي سهلاً جداً، يبدو مصراً على إتقان اللعب، يضرب، لكن الكرة البيضاء تتحرك ببطء دون أن تتعدى إنشات، كان في وجهه أصدقاءه الذين غرقوا في الضحك، قال له أحدهم ساخراً ” آه، رمية جيدة! التالية…دعها تتحرك إنشاً آخراً!”، مرر يده في فروة رأسه الأحرش الملويْ كما يفعل دوماً عندما يوقع نفسه في موضع محرج، نظر إليه صديقه الذي كان يلاعبه منتظراً منه أن يتفوه بكلمة ما، كان الوحيد الأسود في المجموعة، أمسك بالكرة البيضاء ووضعها أمامه ثم قال له :

  • اضربها مجدداً، ولكن هذه المرة كرجل.
  • هل تعلم؟! إن سيجارة الصباح هي بالتأكيد المفضلة لدى جميع المدخنين، تحترق بالكامل في ست دقائق و ثماني وثلاثين ثانية وخمسين جزءً من الثانية، أي أنها قد تصل إلى سبع دقائق، عندما تكون قد استيقظت من النوم مصطحباً مع كوب القهوة نص نص خاصتك داخل غرفتك..
  • لا أريد أن أعلم، أريدك أن تلعب فقط.

كان الرفيق الأسود الذين يسمونه ” النيقا” بملامح جدية دائماً إلا عندما يكون مشبعاً بالحشيش، غير ذلك، تراه ولا تستطيع أن تعرف ما إن كان غاضباً أو كئيباً أو فرحاً، مقطباً حاجبيه وناظراً بقوة في وجهك، يتحدث دائماً عن الفتيات والموسيقى والسينما والألعاب وأنه ملك الألعاب ودائماً ما تراه يسب الليبيين والقدر الذي ألقى به في ليبيا بينما تعيش عائلته كل منها في بقعة أرضية يتمنى أن يكون فيها، يسحب نفساً من سيجارته ويقول لك ” أنا لا أكره الليبيين الملاعين، ولكني أشفق عليهم!”، يستمتع دائماً بالانصات إلى الحشاشين والسكارى ومدمني الحبوب المخذرة، ودائماً ما يتحدث كيف يمكن للمثلث الذي يقع بين فخذي الأنثى أن يغير العالم وكل مرة يخرج بمهنة قد تكون جالبة للربح أكثر من تخصصه الدراسي.

كانوا يجتمعون كل ليلة أربعة منهم أو خمسة في مقهى البلياردي الواقع في هامش المدينة إما جالسين يحتسون القهوة ويحرقون الوقت بسجائرهم أو يلعبون البلياردي، كان المقهى يحتوي على ثلاث طاولات بلياردي يقدم قهوة سيئة لا يمكن أن تتكهن بمحتواها لولا ضوء النيون المسلط على لافتة قذرة كتب عليها ” صالة بلياردي”، يتكرر فيها اللاعبون وكأنهم يعدون أنفسهم كل يوم للقيامة داخلها، لكل طاولة روادها، يجلسون يتحدث كل منهم عن شيء ما يخصه، أهمهم كان قصيراً كعقلة الأصبع متذمراً بطريقة هزلية قد تخرج منذ سنة ولازال عاطلاً عن العمل، يستيقظ الخامسة مساءً فيقول لأول إنسان يراه ” صباح الخير”، كان نحيلاً كهيكل عظمي وقصير مليء بالقهقهة والسخرية، كانوا يطلقون عليه لقب ” العكشة”، الآخر كانوا يسمونه “الإنكليزي” بأنف يهودي وأسلوب مهذب يحاول دائماً أن يكون مثالياً في كل تصرفاته وتاريخ عائلي حافل بالشخصيات المهمة، يمكنك أن تسبه وأن تملأ جعبتيه بالشتائم ليقول لك مبتسماً ” شكراً لك”، كانوا يختبئون وراء الطاولات ويسحبون أنفسهم كجماعات الذباب حول نزق الحياة، يفتحون باباً ليقودهم إلى متاهة لا نهاية منها.

سيارة تقف أمام مقبرة على قارعة الطريق المليء بالمارة والسيارات على بعد أقدام قليلة من محطة الحافلات المحترقة، في زمن ما كانت مليئة بالحافلات وكانت المحطة تبيع الرحلات لكل مكان يمكن للحافلة أن تصله، أما الآن فهي مليئة بالحشاشين والسكارى والمقاهي وتحولت لمحطة وقوف السيارات وسوق يباع فيه السلاح والحشيش والبوخة في السر، ومسجد في أعلى الهضبة يظهر على المكان كله،  كانت تنبعث أدخنة من إحدى نوافذ السيارة، داخلها كانت المجموعة تتناول فيما بينها سيجارة حشيش، إن الطريقة الأكثر أماناً في نظر النيقا لتدخين الحشيش هي أن تتناوله في طريق عام حيث لا يمكن للذكاء الاعتيادي لهيئة الردع أن تكتشفه، يسحبون النفس تلو الآخر ومن ثم يستندون على مقاعدهم منصتين للموسيقى.

  • هذه الحياة فاجرة. قال وهو يعض أسنانه على ما تبقى من سيجارة الحشيش. إنها تجعلنا ندور في دائرة مفرغة، لو كانت حياتي عبارة عن فلم، سيكون فيها أربعة مشاهد تتكرر طيلة الفلم، سيجارة حشيش وعصا بلياردي وقهوة والكثير من السجائر وفلم بورن وأحاديث لا فائدة منها.
  • ها ها ها. قهقهة خرجت من أحدهم.
  • بالطبع، لأنك تستحق ذلك. قال النيقا.
  • لماذا؟!. سأله وقد قطب حاجبيه ورمى بعقب السيجارة في الكوب الذي يستخدمونه كي لا تسقط بقايا الحشيش المشتعلة على سراويلهم.
  • أنت ليبي، هذا أولاً سبب تستحق أن تعيش حياتك التي قلتها لأجله، ثانياً، أنت تطيل التفكير في أشياء تافهة بدل أن تفكر في كيف يمكنك أن تستثمر وقتك. قال النيقا ثم اعتدل في جلسته، ثالثاً، تأتي وتلقي بالقمامة هذه في وجهي.
  • النيقا على حق، أنت تستحق كل الذي قلته بسبب كل الذي قاله. أخبره العكشة. وخصوصاً السبب الأخير، أنا مثلاً حياتي جميلة، أشاهد الأفلام يومياً، وأنام، وأسمع أن أحد زملائنا السابقين قد تحصل على عمل ولم أعمل حتى الآن، وأقول : فليتعفن في مكتبه.
  • وعن ماذا تريدني أن أتحدث؟ الفتيات ومثلثاتهن، أم العكشة ومشكلة البطالة خاصته، أم أن ليبيا أرض نزقة كما تقول، أم كيف تسير الحرب التي تتكرر يومياً، أم أن آتي باسم أحدهم وأضعه تحت المشرحة، أم ماذا بالضبط؟!. قال وهو يغلي من الغضب.
  • لا شيء، لا تتحدث عن أي شيء. فلنذهب ونلعب البلياردي. قال النيقا.

يمسك بالعصا، يحدق في المثلث الذي تصنعه الكرات مع بعضها، يضيع في اختزال الحياة في ضرب هذا المثلث، يمرر العصا للخلف وللأمام، ومن ثم يضرب الكرة البيضاء بقوة، تنفتح أمامه بوابة حيث يراها عندما تتوزع الكرات بعبثية على الطاولة، جزء بسيط من الثانية يقوده إلى عالم آخر، يجد ألف ألف من  النيقا ينظرون نحوه من فوق، ويقولون له ” أنت تستحق ذلك!”، ومن ثم يضحكون، ودخان مليء برائحة الحنة والحشيش، يصعد ليخفي الوجوه الألف ألف، يجري في الفراغ، حيث يجد نسخة مشابهة للعكشة غير أنه فارغ الطول يجلس على مكتبه ومصباح غارق في الصفرة مكتوباً عليه رقم “9” مسلطاً على وجهه وينظر نحوه مخبراً إياه ” بماذا يمكن أن أخدمك؟ يبدو أنك تحتاج للقليل من روتيني الخاص”، يغمض عينيه، ويرى الوجه قد تغير إلى الكرة السوداء رقم ” 8″ يحاول أن يضربها، تفلت، يمسك بعصا كانت موضوعة على الحائط، كان طولها يصل إلى كتفه، في حركة تكرارية يحاول أن يضرب الوجه الكرة دون فائدة، ثم يحبسه الرقم “8” داخله ويضيع في طريق أسفلتية بيضاء غارقاً فيها بكامل كينونته، هناك عند أحد مفارق الطريق كان يقف شرطي لا يفتأ من قول ” شكراً لك!”، كان كشريط كاسيت يعيد نفسه بكل الملامح والتعبيرات ونبرة الصوت يقول ” شكراً لك” ” شكراً لك” ” شكراً لك”، يهرب منه، يضيع في الطريق البيضاء، ومن ثم يعود للشرطي ينظر في ملامحه، فإذا به صديقه الإنكليزي، يسقط مغشياً عليه، يجد نفسه وقد تصلبت أعضاءه على سرير، يجاهد أن يفتح عينيه، كانت تحول حوله ممرضة، تبتسم في وجهه، ” لا تقلق، أنت في المستشفى بعد تعرضك لحادث!”، يحاول أن يفهم ما تعنيه كلماتها، أي حادث؟! ومتى حدث ذلك؟!، حدق في وجهها المبتسم، ثم التفت لينظر فوقه، تلتف حوله أكياس موضوعة على عصيْ حديدية، كيس مليء بسائل أحمر لزج، آخر مليء بسائل أصفر يقارب أن يكون شفافاً، كيس مليء بسائل شفاف، وتحته يتدلى كيس بسائل أصفر فاقع، قبيلة من الأكياس، يشعر بأن عظامه تتمرد عليه، وكأن ثقباً ينغرس داخل كل منها، يحول بصره نحو الممرضة التي بدت مشغولة بقياس الضغط في ذراعه، تضغط الكرة السوداء في يدها، يحاول أن ينتفض ضدها دون جدوى، لكنها كانت تمسك به كأضحية تلعب به كما تشاء، فجأة. تحولت إلى مجموعة من الأشكال الهندسية، تحول نصفها السفلي إلى مثلث غارق في الظلمة، ونصفها العلوي إلى كرتيْن حمراوتيْن كُتب على كل منهما ” 11″، ورأسها إلى صفراء بالرقم ” 9 “، أمسك بالعصا الحديدية التي بها السائل الأحمر اللزج وحاول أن يضربها بها، تلافت الضربة، واندلق السائل الأحمر إلى الغرفة كلها، وكأنه بحر كان محبوساً داخل كيس، غرق في الإحمرار، استيقظ مرة أخرى ليجد نفسه في حقل أخضر، كان يصيح بكامل قوته ” ما الذي يحدث؟ عليكم اللعنة!”، وقد تصبب العرق في كامل جسده حتى أنه صنع بركة صغيرة حول رجليْه، تهيأ له أنه سمع صوت قرقعة أو شيء ما كتدحرج كرة، حتى أصبحت تهيآته حقيقة، استمر في الإنصات، كان صوت التدحرج يقترب كل لحظة منه، حتى رأى في الأفق كرة صفراء يظهر فيها الرقم 9 ويختفي متجهة نحوه، حاول أن يتحرك لكن دون فائدة، كأنه مغروس بأرض الحقل الأخضر، نظر إلى جسده، بدا ككرة، نظر إلى يديْه الحمراوتيْن، ثم حدق في الأعلى كانت السماء مليئة بوجوه تبدو مألوفة،  النيقا ينظر نحوه ضاحكاً وهو يقول ” أنت تستحق ذلك!”، ووجه آخر لصديقه العكشة يقول ” فلتتعفن !”، ووجه الإنكليزي وهو يبتسم نحوه قائلاً” شكراً لك!”، يعتريه الخوف، بدت الكرة أقرب إليه، ولم يعد قادراً على الحركة، تسمر في مكانه بينما كانت الكرة تقترب إلى جسده الذي أصبح كرةً حمراء، التهمته.

  • سبوندا!. يوقظه الصوت النحاسي بعد أن ضربت الكرة البيضاء العارضة وارتدت إلى الرقم 8 التي رآها تدخل إلى الحفرة بسلاسة. آها! King of Games, mothafucka. يرطم النيقا بلكنة زنجية.
  • أشعر وكأنّ أحدهم يحفر داخل صدري حفرةً. قال.
  • ها ها ها، الخسارة مؤلمة. قال العكشة وهو يمسك منه العصا.

انغرس بجسده في الكرسي يشاهد الأصدقاء يلعبون، كان الإنكليزي يحدثه عن أشياء يراها مهمة، قال له أنه قد شاهد اليوم فلم ”  Pulb Fiction ” وكأنه يشاهده للمرة الأولى، كان دائماً ما يحدثه عن هذا الفلم، ” أتعرف ماذا شاهدت اليوم؟! بولب فيكشن! إنّه رائع! الحبكة والنكت وكل شيء كان رائعاً،… دخل الإثنان إلى البيت ثم قال لهم: دعوني أسألكم سؤالاً، هل رأيتم sign  أمام منزلي تقول : مخزن للزنوج الميتين؟!”، كان أحياناً عندما يخبره أنه شاهد الفلم، يصنع سيناريو لما تبقى من المحادثة بينهما، ” اليوم شاهدت بولب فيكشن!”، ثم يقول له ” مخزن للزنوج الميتين” وينظر نحوه فإذا رأى أسوداً يقول له ” نو أوفينس!”، وقبل أن يشعل سيجارته ينظر حوله وكأنه يشاهد طيف والده أو شخص ما قد يعرف شخصاً ما يعرف والده فيقول له ” ابنك يدخن!”، ثم يمضي في حكاية نكتة عن الزنوج وعن الله، أصبح هو في الطرف المقابل يقابله بملامح غامضة لا مكترثة، كان يسمعه عن يمينه وعن شماله ومن وراءه ومن أمامه يتكلم، كأنه يتناسخ. ذات مرة، جلس في غرفته يتحدث إلى خيال صنعه كان الخيال يشبه صديقه البوروجوازي قال له ” يا رجل! كفى! دعني وشأني… fuck off ” وكان الخيال يريد على كل سبابه بشكراً ومن فضلك ولو سمحت، وعندما يرى أحداً يتحدث عن فلم بولب فيكشن كان يغلق قبضته بإحكام منتظراً اللحظة المناسبة للكمه، أشعل الإنكليزي سيجارته بريبة وظل ينظر حوله بين الفينة والأخرى، كانت له طريقة غريبة في التدخين، يمسك السيجارة مرتجفاً وعندما يتنشقها يبدو وكأن أحداً ما قد مصّ له قضيبه، ومن ثم يصرح بأن ” التدخين رائع!”، وهو يستمع لكلماته المكررة، محدقاً في وجهه الذي بدا عبارة عن شريط فوتوغرافي لبروتريه واحد فقط، إلا أن أمراً شده في صورته، كان يرتدي قبعة على غير عادته،شعر بوخز قاتل في صدره.

  • هناك وخز في صدري. قال بصوت سوداوي.
  • أنت تحب إذاً!. قال الإنكليزي.
  • يجب أن أعود للمنزل. قالها وقد نهض عن الكرسي.

كان ينظر إلى سحنته أمام المرآة، عارياً تماماً، يداه أصبحتا نحيلتيْن تشبهان جدوع شجرة ميتة بتفاصيل عروقه الواضحة، كان يمكن له أن يرى عظام الكتف وشكلهما، عظام الوركيْن التي لم يرها منذ طفولته بسبب الشحم الكثيف الذي كان يغطي جسده، خسره كله في أشهر، واستمر في خسرانه كله حتى أصبح كعود يمكن كسره، بدا هزيلاً، تحت كتفه بإنشات كانت هناك ندبة، لمسها بإصبعيه الأوسط والسبابة وكأنه يتساءل من أين جاءت وكيف، كانت شبه دائرية ملتف حولها خيوط جراحة، وداخل وجهه المليء بالشعر كان يستكشف الدائرة بعينين نصف مغمضتين وروح قلقة، تحرك نحو الدش، كان الماء الساخن يصب على جسده، وقد أمسك بعضوه يحاول أن يتخيل فتاة ما، لا يعلم لماذا أحب أن يتخيل صورة ممرضة في وضع جنسي ما، وراح يثير نفسه، ” اللعنة، أفلام البورن أصبحت تقليدية جداً” قال في نفسه، لكنه لم يفهم يوماً كيف يمكن لشخص أن يداعب عضوه بدون أن يرى وضعاً جنسياً أمامه، لم يفهم غريزة التخيل أو مجرد الاستماع لمحادثة سكسفون، ” ولكن أفلام البورن تقليدية، كل الحركات مكررة حتى أنك تعرف أين تكمن كل وضعية خلال الفلم!”، وبينما كان الماء يسقط كترتيلة سماوية على جسده كان يجاهد أن يجعل من ذكره ينتصب دون فائدة. ” آه، اللعنة لا يمكن لأحدهم أن ينام وكل هذا الكبت مسجون داخله، يجب أن تطلق ولو القليل”، قال لنفسه. إلا أنه استطاع أن ينام، كان النوم عنده أمر مقدس حاول في أكثر من مرة أن يتمرد عليه لكن لم ينتج عن محاولاته أي نجاح.

استيقظ، كان يشعر بالدوران، وجد نفسه مكبلاً في سريره بواسطة قوة خفية ولا وجود لأيةِ حبال تكبله، كان مكبلاً بروحه، لم يستطع الحركة، كان كأنه قد سقط من علو وأصابه الشلل، حاول أن ينهض، أخذ منه الأمر ساعة ليتمكن من النهوض على قدميه شاعراً بالدوران، تحرك نحو الكومودينو حيث يضع هاتفه النقال الذي دائماً ما تعود على إطفاء المنبه فيه كل صباح سواء استيقظ قبله أم بعده، لم يسمع أي صوت للمنبه، لكنه أحس بتلك الحاجة لأن يمسك بالنقال، كان يبتعد عنه بعد كل خطوة، حتى سقط من الأغماء. استيقظ، كان يشعر بالدوران، وجد نفسه مكبلاً بروحه، لم يستطع الحركة، كان كأنه قد سقط من علو وأصابه الشلل، حاول أن ينهض، أخذ الأمر منه ساعة، تحرك نحو هاتفه النقال، أحس بتلك الحاجة الصباحية لأن يمسك بالنقال، سقط من الأغماء. استيقظ، كان يشعر بالدوران، لم يستطع النهوض من على السرير، حاول، ثم حاول، إلى أن استيقظ بعد ساعة، تحرك نحو الكوميدينو حيث هاتفه النقال، أحس بتلك الحاجة المريرة لأن يمسك بالنقال، سقط مغمىً عليه. استيقظ…

  • سبوندا!
  • أتعلم؟ اليوم قد حلمت حلماً غريباً. قال وظل يتحدث عن تفاصيل الحلم.
  • تستحق ذلك!
  • لماذ؟!
  • أنت ليبي، هذا أولاً سبب تستحق أن تحلم بالذي قلته، ثانياً، أنت تطيل الحلم في أشياء تافهة بدل أن تحلم في أشياء كالمثلثات بين أفخاذ الفتيات والمال. قال النيقا ثم أمسك عصاه ووجها نحوه كأنه يتهمه، ثالثاً، تأتي وتلقي بالقمامة هذه في وجهي.
  • ………..
  • النيقا على حق. قال العكشة وقد أمسك العصا منه معلناً على دوره. عليك أن تواظب على الحلم بالذي قاله لك، لأنك لن تحصل عليه في الحياة هنا، مادمت عاطلاً، وغير جذاب، وتقول أشياء فلسفية يصعب على الفتيات فهمها، احلم بأنك تضاجعهن لأنك لن تفعل، واحلم بالمال لأنك لن تحصل عليه، واحلم بكل ما تريد تحقيقه… لأنه لن يتحقق، على الأقل تكون قد حققته في الحلم. وبدا كأن العكشة قد أصبح فيلسوف عصره.
  • ولكن ماذا يعني كل هذا؟! قال وقد جلس يتجرع ما تبقى من كوب قهوته. ماذا يعني أن آتي كل مساء لألعلب البلياردي في هذا المكان القذر صحبتكم، وأحتسي القهوة التي إذا ما فحصني طبيب ما سيقول أنني أعاني من تليف في الماعدة بسببها، ماذا يعني أن يقيدني الخوف من الموت هنا وأن تتوقف ساعتي التي تعبت من تكرار نفس الأحداث يومياً؟!. ألقى بكل الأسئلة وكأنه يلوح بها في وجه الريح.
  • يعني أن تستمع بالنكاح وتصمت. قال النيقا وقد أدخل كرتيْن بضربة واحدة وبدا مزهواً بنفسه.
  • صحيح، أصمت…لو سمحت. قال الانكليزي معقباً.

خرج يستنشق بعض الهواء، كانت الطريق مظلمة إلا من مصباح النيون المصوب نحو واجهة المقهى، كان البرد القاسي يجعله يشكك في إذا ما كان البخار الذي يخرجه من السيجارة أم من أنفاسه، أمسك السيجارة بعيداً عن رأسه، وبدأ ينفخ أنفاسه في الهواء، ونظر إلى تحللها في المكان بابتهاج، حدق في ضوء النيون، اكتسحه شعور بأن يقذفه بحجر، هل تعلم أنّ السيجارة العادية تبقى مشتعلة من خمس عشرة دقيقة إلى عشرين دقيقة دون أن تلمس شفاهك ولا تنطفئ؟ أحب دائماً أن يقول هذه المعلومة لأصدقاءه، جعلها تحترق دون أن يكترث لها، وأمسك بحجر تحت قدميه وكأن القدر يقول له ” جرب أن تقذفها!”، صوت بداخله يحضه على إلقاء الحجر، كانت يده منقبضة على الحجر بشدة، بقي على هذا الحال يحدق في مصباح النيون وماسكاً الحجر حتى انطفأت سيجارته بكاملها، أحس بانطفائها، ألقاها وأشعل أخرى، وظل يحدق في المصباح، تشجع، كان سيلقي بها، أحس بيد تمسك بكتفه بشدة، ذعر، نظر إلى الخلف، كان النيقا يحدق فيه قائلاً بصوت به حشرجة ” ماذا تفعل؟!”، ” آه؟! لا شيء!” قال.  لم يكن ممهتماً في إطالة المحادثة أكثر من ذلك، سأله ” قداحة؟!”. أحس بغصة داخله، وكأنه يهينه، أعطاه القداحة ويداه ترتعشان.

ظلا طيلة الوقت واقفين أمام المقهى يتحدثان، أخبره  النيقا أنّ أمامه خياران إما أن يصمت ويكمل حياته كما اعتاد عليها أو أن يفر بجلده، وعندما سأله كيف له أن يفر بجلده، أخبر أن الموت أيضاً يعد طريقة للفرار بجلدك من جحيم تعيشه، أن الموت أحياناً يكون حلاً لكل معضلاتك، على الأقل فإنه يعتبر حلاً أفضل من التذمر دون فعل أي شيء، أخبره نكتة قذرة عن إبليس والحمار، حيث اتفقا على أن يتضجاعا بشرط أن يتبادلا الأدوار، فدور لأبليس ودور للحمار، قال الحمار ” حسناً… ولكني أنا الأول!”، وبعد أن انتهى دوره قال إبليس في حماس ” الآن… جاء دوري”، قال له الحمار ” أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”، اختفى إبليس، ظل يحتنق ويشتم في إحدى بقاع الأرض، عاد للحمار بعد رحلة مرهقة وقال له ” أيعقل يا حمار؟! أتغدر بي؟!”، أخبره الحمار ” حسناً.. ما رأيك أن نعيد الكرة، بشرط أنا الأول هذه المرة؟!”، وافق إبليس على مضض وعندما انتهى الحمار من دوره، كرر فعلته، ظلا على ذلك المنوال مرات ومرات، ظل إبليس في كل مرة يتذمر ويشتم محتنقاً دون أن يقوم بشيء حيال الحمار، وفي يوم من الأيام خطرت بباله فكرة، جاء للحمار باسماً وقال له ” هاه! يا حماري العزيز… ما رأيك في دورة أخرى اليوم؟!”، تفاجأ الحمار من فعلة إبليس وقال له بارتياب ” ولكني أنا الأول، كالعادة!”، قال إبليس ضاحكاً” ها ها ها… بالطبع، بالطبع يا صديقي!”، وعندما انتهى الحمار وكرر فعلته، لم يختفِ إبليس، بل وقف أمامه ضاحكاً ساخراً منه، وقال له ” ها ها ها… إنه دوري أيها القذر، لقد رجعت إلى حظيرة الإيمان فقط لآخذ منك دوري!”، ضحكا، أشعل النيقا سيجارة وقال له : المغزى … أن تفعل أي شيء، لأن تغير من حالك، وإلا اصمت ودع هذا الحمار الكبير ينكحك طيلة حياتك. سكت، وبدت على وجهه ابتسامة حنين قال للنيقا: في أحد الأيام، دخلت للأول مرة حانةً في إحدى الدول أنا وصديق لي، كان صغيراً بالنسبة لحانة، ولكننا جلسنا على الكراسي العالية أمام البارمان، كان شاباً حسن المظهر يرتدي رداءاً مكتوباً عليه ” هاينكين” كان يمسك بكأس ما ويقوم بمسحه، دخلت فتاة كانت جميلة، جلست بالقرب منا، ظللت طيلة الوقت أحدق بها، كان الجو لطيفاً للغاية، ليس لأن أنفي سيكون أحمراً بفعل البيرّات بعد لحظات ولا من أحاديث صديقي التي يصب فيها كامل عاطفته ولكن جسدي وروحي البدويين لم يستطيعا أن يصدقا هكذا أجواء، عندما طلبت قنينة الهاينكين خاصتي كانت باردة، ظللت للحظات ممسكاً بها أتحسس برودتها، اندلقت في روحي عاطفة جياشة، نظرت نحو الفتاة مجدداً، والتي صادف أن نظرت نحوي، رفعت القنينة عالية مبتسماً في وجهها وفتحت المجال للدفء داخلي، لحظة كهذه، حركت شيئاً داخلي، شيئاً لم أرد أن يتحرك، وكنتُ أتمنى أنها تتكرر، ولكن الأمر سيكون مملاً، أن تتحول تجربة جديدة إلى أمر اعتاد عليه يومياً، أتذكر أنني كنت أستمتع كثيراً بالمرات الأولى التي كنت ألعب فيها البلياردي معك رغم أنني لم أكن أعرف شيئاً عن البلياردي، كانت تجربة جميلة أخرى، ولكن ما إن اعتدت عليها، بدأ ذلك الشيء يتحرك مجدداً. نظر إليه النيقا مبتسماً وقال له: إذاً …اصمت!

استيقظ، كان يشعر بالتحلل، كانت الحمى في جسده تجعله مخدراً، نظر عالياً، كان هناك كيس مليء بسائل أحمر لزج ينزل قطرةً قطرة من خلال أنبوب، كان يتابع مسار القطرات الحمراء داخل الأنبوب، كانت تشبه كرات البلياردي، كانت الرؤية ضبابية، وبالكاد كان يركز نظره نحو القطرات، تابع إحداها التي بدأت تقترب من يده، ألقى نظرةً نحو يده، كانت خائرة ملصقاً بها فتحة ينتهي بها مسار الأنبوب حيث كانت تدخل القطرات، ودّع القطرة التي طاردها داخل جسده، في وقت آخر كان سيتخيلها تدخل إلى أوردته وتصافح قطرات الدم الحمراء داخله التي ستنظر إليها بريبة لوهلة ثم ستعتقد – فقط لأنها تشبههم- أنها إحدى قطرات الدم الحمراء التي ظلت الطريق ومن ثم ترحب بها متمازجة، فيفقد تعقبه لها لأنه لن يعرف شكلها بين تلك الكريات الكثيرات التي شبهنها، ولكنه مشتت التفكير، جاهد أن يفتح عينيه أكثر فأكثر، استطاع أن يلحظ فتاة برداء أبيض مغطية وجهها بإيشارب أبيض، تعمل على تفقد ضغطه، لم يكن يحس بوجودها بجانبه تضغط على ذراعه بجهاز الضغط كأنها تحاول أن تخنقها، حدق فيها بضبابية محاولاً فهم ما الذي كان يحدث، ابتسمت نحوه بابتسامة صفراء، قالت له ” حمداً لله على سلامتك!”. قطب حاجبيْه، قالت له ” أنت هنا… بعد تعرضك لإطلاق ناري!”.

 

 

 

 

 

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s