أهل الكهف


قصة_اهل_الكهف

يوم الجمعة من نهاية كل أسبوع، يجلس المسلم، يمسك المصحف وهو يرتجف ويفتح صفحاته على سورة الكهف التي عادة ما يكون قد ثنى الورقة التي تحمل بدايتها كيْ لا يرهق نفسه ويمضي في قراءة السورة مأخوذاً باللغة الساحرة والقصص الإلهي العجيب للعديد من الأحداث، يمر على الفتية الذين آمنوا بربهم، فيفكر هل كانوا ثلاثة أم أربعة يصحبهم كلبهم؟ وهل لبثوا ثلاث مئاتٍ من السنين؟ ويشتعل مخياله في التفكير في بنيتهم ووجوههم ولحاهم بعد ذلك، ويمر في مخياله مشهد السوق، وكيف أراد القوم أن يبنوا عليهم بنياناً. ثم يجد نفسه يلتهم الصفحات ناسياً قصة أهل الكهف نظراً لرعبه الشديد من أولئك القوم الأشداء ” يأجوج ومأجوج”، متخيلاً مشهده ولحمه يتمزق بين أسنان هؤلاء في القيامة.

ما إن تضع عقلك داخل القصة وأحداثها فستخرج بشيئين رئيسيين: هؤلاء الفتية كانوا مضطهدين من سلطة ومجتمع ما نتيجة لفكرة ومعتقد يخالفونهما وعندما اشتدت عليهم قبضة السلطة فروا بجلودهم وفكرتهم لينتهوا نائمين في الكهف، الكهف ليس إلا المكان الذي تضيع فيه العديد من الأفكار والرغبات في التغيير التي لم تستطع أن تقاوم الزمان الذي تعيش فيه، الكهف هو حيث تلبث الكثير من المعتقدات والأفكار التي حاولت أن تقاوم زمنها الذي قد يكون بائساً وكالحاً، نامت فيه، وإنه لينتابك عندما تطالع التاريخ الذعر والإعجاب من كل تلك الحركات التي باءت بالفشل، وقد ترى أن تلك الحركات كانت صالحة لعصرها، كأن يقوم أرسطو بالحديث عن أشكال المواطنين مقسماً إياهم إلى أحرار، نبلاء وفلاسفة ومن دونهم من إناث وعبيد كانوا أقل ما يقال عنهم ” مواطنين” من درجة ثالثة، هذا الأمر كان أمراً عادياً في عصر أرسطو ( عادياً حتى القرن الثامن عشر)، ولا بأس به، بل إن أرسطو لازال يعتد به كفيلسوف وصاحب أفكار عظيمة وذات شأن في عصره، ولكنك لا تجد الآن من يطالب بعودة أفكار أرسطو وتطبيقها – رغم أن بعضها كان أساساً للعديد من السياسات وأنماط الحياة في هذا العصر-، أهل الكهف كأرسطو وغيره في نظر القرآن، أناس كانت لهم قضية يدافعون عنها في عصرهم، وعصرهم فقط، ومن ثم تمر الآيات القرآنية متعجبة من أولئك الذين يهتمون بالأرقام، هل كانوأ أربعة أم خمسة أم ستة؟! كم لبثوا؟ ماذا كانوا يرتدون؟ ما اسم الملك الذي كان يطاردهم؟ ترى ما أسماءهم؟ وأين كانت هذه المملكة التي طاردت هؤلاء الفتية؟ كل هذه الأمور، أشياء ليس لها علاقة بمحور القصة الأصلي الذي يأتي قبل نهايتها بآية، حيث يستيقظ أهل الكهف ويجدون أنفسهم في عصر بعيد عن عصرهم، يحاولون العودة له بأن يبعثوا أحدهم إلى المدينة، ومن ثم يعود ومعه قوم آخرين غير الذين فروا منهم، لكن أهل الكهف الذين عادوا للحياة بعد ثلاث مئات من السنين أو أياً كان العدد يموتون، فتنشأ أراء بعد موتهم، بعدهم يريد أن يبني عليهم مسجداً لتقديسهم، البعض الآخر، يقول أن ذروهم وما هم عليهم لأن ربهم أعلم بهم وإن أعظم ما يمكن أن تقوموا به هو حفر قبور لهم، بمعنى آخر هذه دعوة قرآنية لأن يوارى كل ما هو ليس في عصره التراب وأن لا يكون سوى عبرة تأريخية يعتضد بها، هذه النهاية توحي بأي شيء، أن عودة أهل الكهف للحياة لم يكن إلا كتأريخ للقصة، وكيف انتهى بهؤلاء الفتية أن يفروا إلى الكهف – ثم تعود الفكرة مجدداً كدرس تاريخي فقط- خوفاً من بطش أهل المدينة وملكها، وعندما يعودوا كشاهد تأريخي لأهل المدينة الجدد يقرر هؤلاء أن يقدسوهم، هنا محور القصة، تقديس القديم والعتيق على أنه خطأ ومنافٍ للحياة، بحيث تخبر الآية أنه من الخطأ أن تقدس أفكار في عصر ليس هو بعصرها، إذ أن حياة الناس تتطور وتتغير، وكأنك لا تجد من ينادي بالعودة للخيول- في الواقع هناك من يفعل ذلك- قبل السيارات، ولا تجد من ينادي بعودة العبودية – هناك من يفعل هذا أيضاً- ولا تجد من ينادي بالسؤال الذي طرأ على رؤوس اليونانيين في عصرهم والذي يتعجب منه الكثيرون ” هل المرأة إنسان؟!”، فإنه من المنطقي أن لا تجد أفكار قديمة قد بلاها الزمان تحاول الخروج من كفنها والدخول في زمن لا يمكنها العيش وسطه، ومن الخطأ تقديسها، بل إن الصواب في نظر الآية أن ” ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبّهمْ أَعْلَم بِهِمْ” بمعنى آخر، ضعوا عليهم شواهد قبور وواروهم التراب.

وإنك لتعجب عندما تجد العديد من أهالي الكهف في هذا الزمان يطالبون بالحكم بقوانين عفى عليها الزمان، تلك القوانين والدساتير والحقوق كانت مناسبة لعصرها لأنها جاءت لتغيير شيء ما، جاءت لتنافي الطبيعة الإنسانية في التطور والارتقاء، ولأن تدعو البشرية لمعايشة أحداث عصرها، الطبيعة البشرية أنه في كل عصر تجد مجموعة من القوانين والحقوق تطالب بأن يتم إتخاذها، لن تجد أحدهم في سنة 1991 يطالب بأن يكون الولوج لشبكة الانترنت حق طبيعي لكل إنسان، ولن تجد أحدهم في سنة 1400 م يطالب بتحرير كامل العبيد بدون قيود أو شروط، هي هكذا الطبيعة البشرية، تأتي الحضارات تكمل المشوار التي توقفت عنده بقية الحضارات، ولحضارة ما أن تأخذ بيد عصرها عليها أولاً أن تكون موافقة له في كامل متطلباته مضيفةً أفكاراً ومعتقدات ودساتير وقوانين جديدة، وإن أهالي الكهف محكوم عليهم بالموت لعدم قدرتهم في التوآم مع عصرهم، والموت هنا يعني الجهل والتخلف أكثر من أن يعني الموت، لأنه وفي مقياس العصور، فإن الأقوام الميتة هي الأقوام التي ليس بمقدورها التعايش مع عصرها، فتحبس نفسها في حقبة زمنية ما تعيش فيها  منحصرة على نفسها ومنكمشة مصحوبة بالخوف الشديد من أن كل العالم يحيك مؤامرة ضدها، وأنه سيدمرها بكاملها ما أن يمكنه فعل ذلك، فتنصب المساجد لتمجيد أهالي كهوفها.

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s