الانترنت الليبية: حقيقتنا


مسلحون-في-ليبيا

أنا مريض، أعلم ذلك عن ظهر قلب.

ولكن ما يثير دهشتي أنني لست الوحيد المريض هنا، ربما أكون الوحيد الذي يظهر مرضه على العلن، لكن إني على علم أنّ مرضي مستشري في الجميع.

ومن ما أعرفه عن مرضي أنني أمضي معظم وقتي على الانترنت في البحث عن كل ماهو ليبي، أبحث عن أرقام عاهرات ليبيات فيجبيبني العم جووجل على المنتديات وصفحات الفيسبوك واكاونتات تويتر برقم ليبيانا لأحداهنّ، إلا أنني لا أتجرأ عن الاتصال، فأنا ضعيف وذكي، ضعيف لأنني لا أستطيع أن أتحدث مع فتاة لا أعرفها على الهاتف، وذكي لأنني لا أريد صوتاً خشبياً أن يرد عليْ ” يا ولد النّبة…. قداش مرة نقولولكم يا بغولة هذا مش رقم مروة!”، وأبحث على اليوتيوب عن أشياء غريبة، أشاهد احبيْك وأضحك ملء شدقيْ، والبوشعة وأكاد أبكي من القهقهة، ولكنّي لم أشاهد عزّو المرجاوي مرة إلا وتعجبت بقدر ضحكي من قدرة طفل في العاشرة على أن يكون بهذه الروح المتنيْكة، أقصد… أعرف أنّ ما نسميه ” لغة الشارع” هو شيء يرضعه الليبي منذ الطفولة، فنبدأ بتعليم أطفالنا ” حيوان” وننتهي بتعليمهم ” ياعندين بوك”، ثم يدخلون المدرسة فيكتفي زملاؤهم بتعليمهم ما تبقى من حروف الجر والرفع والنصب، ولكن أن يكون ” طفل”- هل يمكن تلقيب عزو بطفل؟!- بهذه الروح المتشبعة بالردافة لم يسبق لي أن عرفت ذلك. أشاهد أيضاً ترجمات الليبيين لبعض المسلسلات الكرتونية وكيف يتحول نص ياباني خالٍ من الشتائم إلى نص ليبي متشبع بها، ولكن الشتائم ليست وحدها ما يثير فضولي. إنني لازلت أهوى مشاهدة الروح الليبية في الثورة الليبية، وأشاهد الثوار وهم يضعون أقدامهم وعصيهم في مؤخرة العقيد، وكيف يؤمرون شيخاً بالجلوس على قنينة مياه النبع، وكيف يعذب أحد أفراد كتائب العقيد رجلاً، وكيف تستشري الكراهية في روح ضارب مدفعية في وجه مدينة مصراتة، وآخر في وجه سرت، وكيف يترجى قائد القوات العامة الليبي بوسهمين هيثم التاجوري قائد إحدى المليشيات، أشاهد كل فيديو للقاعدة وبناتها منذ 2011، ولا أنكر أنني أشاهد فيديوهات العقيد وما يهرف به من حقيقة أو بطلان، وإنّ من ضمن ما أفعله في الانترنت أنني أتصفح الكثير من الحسابات والصفحات على فيسبوك فأرى كل الشرائح الليبية ممثلة تمثيلاً جيداً داخله، أحدهم يجري بالشباب تحت اسم ” حنان”، وعلماني شيوعي كان ينشر بوستات ” انشرها علّك تدخل الجنة!”، وإخواني يميني يعلق في صفحة ” بعيْصة وما يكلمني حد”، ودكتور محترم في الهندسة الكهربائية ينشر بوستات ” المتعة في تركيا!”.

إنّ ما يثير في الانترنت الليبية أنها مليئة بالجديد، فلم يكذب هيرودث عندما قال ” من ليبيا يأتي الجديد”، في الانترنت الليبية تحتل مواقع الأفلام الإباحية التراتيب الأولى – ليست معلومة جديدة، وليست معلومة جديدة أنها تحتل المراتب الأولى مع الحظر القائم عليها-، وفي الانترنت الليبية ترى أحدهم يعرض ” اربعطاش ونص” للبيع في السوق المفتوح، وآخر يعرض خدماته للتصفية والاغتيال فيه، وأخرى تريد تأجير قاتلٍ لقتل حبيبها السابق، وفي الانترنت الليبية…. في خاص الفيسبوك، أو في الكيك، الواتساب، نيمبز، ويشات سترى الليبيون والليبيات يفضحون عن رغباتهم الجنسية المخنوقة والمكبوحة بالكلمات، بفيديوهات السكايب – لا ننسى مديحة سكايب-، والصور والوعود والمواعيد، بل ستعلمك الانترنت الليبية بعدد اللادينيين – ملحدين أو ربانيين- أو الجهاديين والسلفيين ” المتطرفين” الليبيين المهول داخلها والذين ينكر الليبي العادي كثرتهم، وستعلمك بالكراهية المتشبعة داخلنا اتجاه بعضنا الآخر، وستعلمك بمدى اتساع الهوّة بين الوجوه والأصوات والروائح الليبية التي تقابلك في المقهى وبين ذات الوجوه التي تقابلك في الفيسبوك، إنّ تلك التي في الفيسبوك…مهما أوهمت نفسك هي الأكثر صدقاً وتعبيراً عن تلك بين الحواري والأزقة والتي تحشر نفسها في كراسي المقاهي.

هاهو العالم الحقيقي، وهاهي القوة الخفية لذواتنا تفضح ما نحاول أن نخفيه عن أنفسنا، أقول لك عندما أراك ” آه، نحن مجتمع محافظ!” وأعلم أنني كاذب ومخادع وتعلم ذلك أيضاً فتخبرني “آه، صحيح!”، وعندما أقولها لك على فيسبوك تجيبني ” محافظ الزَّب”.

أعلم أنني مريض، ومن أعراض مرضي أن هويّتي ” السايبر” تمضي وقتاً طويلاً داخل الانترنت باحثةً عن كل ماهو ليبي، عن مغني راب يحمل ” الآر بي تجي” والمسدسات والكلاشنكوف مهدداً مغني راب آخر، وعن فيديو لليبي ” يشرب حشيش” ضاحكاً وساخراً من أحدهم، وعن فتاة ليبية سكّيرة ترقص في شوارع العاصمة يهددها أحدهم ” يا قحبة!”، وأخرى تعمل في بيت دعارة تتحدث ” بفسق”، وعن ليبي يعذب فتاة، وقائد ثوري ليبي يتوعدهم أحدهم بالذبح، وآخر ينشر له تسريب وهو ” فاقد” فاضحاً محبوكات سياسية، وعن ابن العقيد يرقص في كابريهات ميلانو وليبية فقيرة لا تستطيع أن تمنع السقف أن يسقط على رأس أطفالها، وأخرى تستجدي العقيد الرحمة والشفقة مخبرةً إياه أنها ليبية، وعن شيخ يتحول من مفتي إلى ” مفتن” إلى داعياً بالتهدئة تارة وداعياً بالتظاهر من حرمته مرةً أخرى، وعن فتى ليبي يضيع دمه هذراً في مطامع قادته، وأستاذ سوداني يتعرض للإهانة والمذلة من قبل طلبة وطالبات ليبيين، وأستاذ ليبي يضرب فتىً كأنه قطعة من اللحم مهيناً إياه، إنني أعبث دائماً بالماوس خاصتي مقلباً الصفحات، قارئاً ومشاهداً ومنصتاً للانترنت الليبية، المجتمع الليبي الحقيقي.

لماذا يريد عزّو أن يسكر الليلة؟!

لماذا يبكي الشامية ؟!

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s