نقد العقل الليبي (3): مآساة السلطة الجمعية


brain-and-mind

إن الأخ الأكبر يراك، قال جورج أورويل ذات مرة.

كنت قد قررت أن أتوقف عن الحديث عن العقل الليبي بعد نشري لمقالتيْن عنه في صحيفة الكاف منذ عام، أحسست بشعور من الضعف والإذعان لأمر ما خفي لم استطتع تفسيره، قلت ” هاه، لازلت أحتاج للكثير من البحث، والقراءة وأمور كهذه تحتاج للوقت والجهد…ثم أنني لازلت صغيراً عن التفوه بهكذا كلام”، ولكن أمراً ما داخلي دائماً ما يحثني على عدم الالتفات على الإطلاع والقراءة، لأنه يراها آسرة للروح المفكرة وللعقل، هذا الأمر جعلني أنبذ كتب الفكر وأشعر بشيء من الحقد اتجاهها، قلت ” عليك عندما تريد أن تتحدث عن شيء ما، أن تعمل عقلك فيه…فقط لا غير”، وقد أبدو مخطئاً، ولكن هذا لا يهم كثيراً.

كفاني الحديث عن نفسي، إن طريقتي في تفسير توقفي عن نشر هكذا مقالات جعلتني أفكر في السبب الفعلي في ذلك، ما الذي جعلني بعد التعطش للحديث عن المجتمع الليبي الخاص أو العام أن أتوقف فجأة دون أي إحساس، ومن غير إرادة، وهاهو الأمر يتضح أمامي: إنني كنت أخاف من سلطة واضحة تبسط نفسها على عقلي وروحي ببأس شديد دون شفقة وتجبرني على الصمت، بل ونسيان هكذا أحاديث، إن هذه السلطة كانت متمثلة أمامي كإله يجبرني من غير تدخل مني أن أحرم عدة أمور على نفسي.

إنّ مآساة السلطة الجمعية على العقل الليبي واضحة والحديث فيه مجرد تكرار لما نشعر به فقط، إنّ الليبي منذ طفولته يرى هذه السلطة تبني نفسها حوله وتقيده وتنسخ روحه لتبدلها بالروح الجمعية التي تريدها دون أن يستطيع مقاومتها، تتمثل هذه السلطة في كل شيء حولك، يحتاج الأمر لقوة ملاحظة لفضحه، إنها توجد في كل مكان، في كل تجمع بشري يضم مجموعة من الليبيين، في الأهل والعائلة – أقول الأهل بمعنى الوالدين والأخوة ومن ماثلهم، والعائلة بمعنى الأعمام والأخوال وأبناء هؤلاء ومن ماثلهم- والشارع والمدينة والقبيلة والأصدقاء والزملاء والمعارف حتى، والسلطة الأعظم بينهم: الدين!، إن كل هؤلاء يؤثرون على مساحة الحرية في التنفس والتفكير وممارسة الحياة على الليبي بشكل كبير.

 أنت لا تدرس لأنك ترغب بالهندسة أو الطب، أنت تدرس لأن والديْك يريدان ذلك، وعندما تكتشف نفسك وتجد أنك تضيّع وقتك في تخصص دراسي لاتحبه – وأحياناً تمقته- لا يمكنك الانسحاب منه، لأنك ستبدو فاشلاً، وغبياً ومغفلاً وابناً/بنتاً يملؤ العقوق عقله، كنتُ قد مررتُ بهكذا تجربة وكان الأمر فظيع، كان عليْ أن أدرس الهندسة النفطية لأسباب عائلية، وجدتُ نفسي كارهاً لهذا التخصص ومتمعقاً في مقته رغم العلمات الممتازة به، إلا أنني كنت أرغب في دراسة الهندسة الكهربية، كانت رغبتي تقرضني كل يوم إلى أن قررت أن أفعل ذلك، وعندما علم والدي بالأمر كان يراني كنطفة فاسدة وفاشلة ولن تحقق أي شيء في الحياة، كان هناك جحيم يضطرم داخلي، ذلك الجحيم الذي يمارس على المخطئ بعد عصيانه لأوامر هكذا سلطة وقد فكرت أكثر من مرة بالعودة عن قراري، إلا أنني كنتُ دائماً ما أؤمن أن رغبتي في دراسة الهندسة الكهربية أعظم من أي شيء، لكن مضى عام كامل كنت أشعر فيه بالخذلان والفشل حتى رضيت هذه السلطة عن قراري، وكنتُ أعتقد بأن الحل يكمن في عصيان السلطة رغماً عن أنفها، إلا أنها كانت مخادعة، فقد كانت تستولي كل مرة عليْ.

أنا ليبي، وعندما أقوم بالحديث عن العقل الليبي أتحدث فيما ذلك عني، هذا مثال بسيط عن شيء يعاني منه العديد من الطلاب الذين درست معهم أو أعرفهم من تخصصات أخرى، إنهم لا يخترون تخصصهم، وبعضهم يمقته، والشيء الوحيد الذي ينقذهم منه هو فشلهم في دراسته وعدم قدرتهم الأكاديمية على الاستمرار فيه، غير أنّ ذلك لا يعفيهم من المسؤولية التي توقعها السلطة المجتمعية على عاتقهم.

إنّ السلطة الجمعية تتمادى حتى تسيطر على أفكارك، توجهك السياسي، أخلاقك، رغباتك الجنسية، طريقة حديثك، اختيارك لملابسك، اختيارك لأكلك وشربك وطريقة حياتك، تتمادى هذه السلطة وتبسط ذراعها كل ما حاولت التحرر منها، فالمرء إذا ما كان أهله مطلقين له السراح في أغلب أمور حياته، ستجد العائلة تقبض على خناقه، وإن صادف – وهذا فيما ندر- أن تكون العائلة غير مهتمة بتقييده – أياً كانت الظروف التي تجعلها تفعل ذلك- سيجد القبيلة، سيجد المدينة، سيجد أصدقاءه الذين رغم أنه يختارهم ويختارونه إلا أنه لن يتمكن من البوح بمعارضته لهم في معظم أمورهم، إنه ينساق إليهم كخروف إلى المذبحة، بل حتى إلى طبقته المجتمعية، مهما كانت دائرته الاجتماعية المفضلة ( قائمة المعارف والزملاء والأصدقاء) : مجتمعاً مدنياً، مجتمعاً مثقفاً – مع كرهي لهذه اللفظة-، مجتمعاً تقليدياً، مجتمعاً متديناً فإنه سيصبح موبوءاً بأفكارهم وأخلاقهم، وإن خالفهم فيما يفكرون أو فيما يتحدثون عنه سيبدو في نظرهم ” جمرة خبيثة” يجب التخلص منها وتركها تفسد وحدها لوحدها. إنّ لزميل العمل عليك سلطة لا تدركها.

إنّ لصديقك الماركسي عليك سلطة لا تدركها، ولصديقك الوطني عليك سلطة، ولصديقك السلفي،الإخواني، المتمدن، الليبرالي، التقليدي ( الغارق في عبادة المجتمع)، وكل أولئك عليك سلطة تسحق روحك وتمحي ملامحك الخاصة، وتنفي أفكارك الخاصة، ومبادئك، تنفي قدرتك على معرفتك لنفسك، إنّ لزوجكِ ولزوجتك أيضاً عليك سلطة تمحي مساحتك الخاصة في اتخاذ موقفك السياسي أو عدم اتخاذ أي موقف سياسي حتى، ومهما اعتبرت نفسك متحرراً من هذه سلطة من هذه السلطات الجمعية ستجد نفسك عبداً لسلطة جمعية أخرى.

لا أنتقد انجذاب المرء لمن يحب ومرآته له وتقليده، إنك مع الوقت، ستجد نفسك تنطق بالكلمات التي ينطقها أصدقاؤك، تتحدث بطريقتهم، تحب أن تفعل ما يفعلونه، ستجد نفسك تحب ما تحبه زوجتك، وأمك وأبوك، هذا أمر إنساني…طبيعي، نعم لا يمكن تفسيره بالمنطق، لكنه أمر إنساني لا يمكننا أن نعانده أو نقف ضده لأنه يتغلغل داخلنا في أرواحنا، ولكن ما قد يبدو مريباً، هو ذلك الغرق الحاصل جراء انقياد العقل الليبي للسلطة الجمعية لمن هم حوله.

إن الأمر يسري هكذا:

  • سلطة ثقافية: ورغم كرهي الدائم للحديث عن أحدهم أو مجموعة من البشر أنهم ( من الشريحة المثقفة)، إلا أنّك سترى السلطة الجمعية تؤخذ شكل الأفكار والنقاشات والأحاديث التي يلقيها هذا التجمع على مسامع بعضهم، وإنّك لو كنت فرداً من مجموعة ثقافية ما وخالفت ما يقولون ستجد نفسك مبنوذاً مع الوقت، إنّ هذا التشابه المريب في الأفكار والمعتقدات هو الذي يجمع ” المثقفون” الليبيون، الشباب والشيبان، لن تجد من بينهم واحد يخالفهم الرأي في مجموعة من القضايا والتصرفات إلا وتعرض للنبذ.
  • سلطة أهلية: إنك لا تعيش لنفسك، معنى الفردانية في العائلة متفسخ ومسحوق، إنك تدرس لوالديْك، وتعمل لزوجتك، وتحب فتاةً وتتزوجها لأمك وأبيك، إنك حتى لا يمكنك أن تملك وقتك اليومي، فوقتك وجهدك وكل ما تعرفه هو ملك العائلة، يسيرونك كالآلة حيث يريدون، وحيث يشاؤون، إنّ السلطة هنا تتحول إلى ملكية وتملك، وكل فرد يزيد في عائلتك، والمخرج الوحيد من هذه السلطة هو رفض أوامرها وما تمليه عليك، هذا أيضاً سينتج عنه شيء واحد : النبذ!، انظر في القصص العائلية في الحي الذي تسكنه، سترى أنّ المنبوذين من قبل العائلة كانوا خارجين عن سلطتها، السكارى، الذين تزوجوا من يحبون ورفضوا اختيارات عائلتهم، الذين يدينون بأفكار ومعتقدات لا تدين بها العائلة.
  • سلطة عائلية وقبلية: هنا حيث تصبح السلطة مسخاً ضخماً يحشر أنفه فيما لا يعنيه، إنّ بعض الفتيات (المتحررات) اللاتي عرفتهن أو أعرفهن لم تكن مشكلتهن في الأهل بل في العائلة أو القبيلة، العائلة أولئك المسوخ الذين يعرفون أنه ليس من حقهم إنشاء سلطة عليك، ولكنهم لازالوا يمارسونها، إن أمر البحث عن ما يرونه ” سقطات” لك لا يزعجهم ولا يتعبهم، يتناقلون أخبارك، بل إن بعضهم يحشرون أنفسهم في توجيه تصرفاتك ويفتحون معك تحقيقات ويملؤون رأسك بالعديد من التوجيهات.
  • سلطة دينية: إن الأمر هنا يتضخم، فسواء كنت ديني أو لاديني في هذا الوطن ومتبعاً لطائفة دينية ما، سيكون عليك مواجهة سدنة النصوص، والقطط الناسخة لأفكار الموتى، المؤمنون منهم واللامؤمنون، إن الجميع يمارس سلطته، لن يكون عليك أن تكون ” ملحد” جيد إن لم تقم بالممارسة الدينية في شتم الديانات والسخرية منها وتسفيهها، هذا واجبك وعليك فعله من أجل الجماعة، ولن يكون عليك أن تكون ” سلفي” جيد إن لم تذهب على خطى البخاري وابن تيمية وابن الجوزي ومحمد بن عبدالوهاب وأحفادهم من مشايخ السلفية دون سؤال أو شك، ولن تكون حتى ” صوفي” أو ” سني” أو ” إباظي” -أو أياً يكن الأمر- وفياً وجيداً ومطيعاً بل وغير مشكك في نص أو عادة أو عبادة أو أي شيء مثل هذا.

إن المآساة في السلطة الجمعية وتأثيرها على العقل الليبي هو أنها تجعلك لا تقبلها بل تهضمها غصباً عنك ذلك أو بطيب خاطر، وأنك عندما تتحلى ببعض من روح التمرد فلن تستطيع مخالفة ما تقوله وما تمليه عليك من أفكار وتصرفات وأسلوب حياة ومعتقدات بل سيكون عليك الصمت دون إبداء أية حركة أو فعل دفاعي، سيكون عليك أن تخسر النقاشات المملة والمكررة، وسيكون عليك الموافقة وهز رأسك في أمور تخالف ما تعتقده، حتى تنسى نفسك، وتصبح عبداً مطيعاً لها، وبهذا تنسحق الفردانية والقدرة على الإبداع والخروج بأفكار جديدة، ولهذا قلة نادرة من الليبيين الذين باستطاعتهم فعل شيء على هذه الأرض يفعلونه، والأمر يزداد سوءً… إنّ الليبيون المتميزون في العالم لم يتميزوا – رغم إن فعل التميز بين كل تلك البشرية جمعاء يحدث يومياً وكل لحظة لكل البشر من جميع الجنسيات، ليس الليبيون فقط- إلا أنهم وجدوا بيئة تقدر الفردانية، والحياة الفردية، بل إن أساسها مبنياً على ذلك…إنهم وجدوا بيئة حيث يمكنهم فعل أي شيء دون أن يقول لهم أحدهم: هاه! أنت غريب!!

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s