نقد العقل الليبي (4): البداوة باقية وتتمدد


bado1

على مد القرون الماضية بقي الليبي حبيساً لعقلية قديمة تضرب جذورها في صلب الإنسانية، هذه العقلية التي لازالت تتمسك بالبداوة، والتي ترتكز على التجارة كمدخل رئيسي – ويتعدى الأمر لكونها المدخل الوحيد- للإستمداد بمقومات الحياة، إلا أنّه على مرور الزمن قد جابهت هذه البداوة تحديات تهدد وجودها، وكان من اللازم على هذه التحديات تفتيتها وحلها كما كان لازماً على البداوة أن تتعايش معها وتجد طريقة مناسبة وإيجاد مناخ يجعلها تتكيف مع مقتضيات هذه التحديات، التحديات التي فرضها عليها العصر، ويمكننا القول بأن البداوة بوجهها الحديث بقيت كخلية سرطانية أمكنها أن تعيش في هذا العصر، وقد استبدل العقل الليبي تجارة الحلفاء والملح بتجارة النفط والغاز لتستمر بداوته.

إنني دائماً ما أسمع من دعاة المدنية والتحضر أنّ النفط هو لعنة هذه الأرض، وأنّه سبب فشل العقل الليبي في التقدم، إلى أن وصل بي إلى أن أسمع بعضهم يمد يديْه للسماء داعياً إياها أن ينضب النفط، حتى يمكن لليبي أن يجابه التحدي الأكبر له: تحدي خسران تجارته، إلا أن هؤلاء تنقصهم بعض المعلومات المهمة حول هذه الأرض التي ندعوها ليبيا، هذه الأرض التي ” بليت” ببدائل دائمة لأي مصدر قومي كالنفط، بدائل ستجعل من البداوة تعيش إلى النهاية، إن الأرض الليبية ” بليت” بـ ” نعم” أخرى، – حيث أن الطاقة هي الأمر الرئيسي الذي ترتكز عليه كامل نشاطات الإنسانية على مر التاريخ منذ البداية سواءً كانت حديداً، ذهباً، أو نفطاً-، هذه البدائل كلها موجودة في نفس المكان الذي يأتي منه النفط: الصحراء الليبية، الصحراء التي في جوفها الكنوز والثروات العديدة، في الصحراء الليبية يقع ثلث إحتياطي العالم للطاقة الشمسية والذي يمكنه أن يغذي قارة كأوروبا بالكهرباء إلى النهاية، وفي الصحراء الليبي مخزون من الغاز واليورانيوم والمعادن يكتشف كل يوم، هذا بعيداً عن أننا إذا أخذنا في الحسبان أن الإحصائيات التي تخبرنا بقرب نضوب الطاقة النفطية بعد 50 عام في كل عقد منذ ثمانينات القرن الماضي، هي مجرد إحصائيات خاطئة، وأن النفط الليبي وحده – والمستكشف منه فقط- يكفي لمئة عام أخرى، وأنّ الإعتماد عليه يزداد عقداً بعد عقد.

إذاً، فالنفط ليس لعنة الأرض، بل العقل الليبي لم تصبه أية لعنة، اللعنة نفسها مجرد مفردة ودعوة للتوقف عن البحث عن السبب لأن قوة علوية تتحكم بمجريات الأمور أصابتنا بالنفط، كل ما في الأمر أن العقل الليبي مصاب بأمراض…هذه الأمراض تحتاج لتظافر جهود عظيمة لإزالتها.

لأكرر قليلاً ما يقال عن البداوة والتي صارت كخلية سرطانية تعارض عصرها وتعيش داخله من ما يسبب في فشل العقل الليبي وتوهانه بين هويته البداوية وهويته العصرية، إن هذه البداوة لازالت تتمسك بخصائلها – رغم تغيير هذه الخصائل لملابسها كي تتوائم مع عصرها-: لازالت البداوة تتحلى بوأد البنات – فعلياً كان أم مجازياً-، ولازالت تتكئ على القبيلة في حربها وسلمها وتعاملاتها التجارية – سواء كانت القبيلة كواجهة، أو المدينة القبيلة-، ولازالت تنبذ المتمردين والمتميزين والمتفردين، ولازالت تخرج المحاربين لا الأبطال، ولازالت تخرج الزعامات والشيوخ لا القادة، ولازالت تخرج الشعراء – رغم تغير التعبير وشكله الفيزيائي-، إذاً فالديمقراطية والبداوة ضدان، الحرية الفردية والبداوة ضدان، التميز والبداوة ضدان، كلام مكرر…

” المزارع” البدوي نفسه ليس مزارعاً، لأنه لا يعتمد على محاصيله اعتماداً رئيسياً، بل يعتمد على تجارة الماشية والدواجن التي نقلها معه إلى الحقول الخضراء، وقد حوظيت بهذه الملاحظة كوني ابن لمزارع ومهندس زراعي تخلى عن زراعة المحاصيل كمصدر دخل أساسي له وتحول إلى تربية الماشية والدواجن والتجارة بها، هذه الماشية نفسها التي تنهي مساحته الخضراء التي يخصصها لمحاصيله، وقد حوظيت أيضاً بمعرفة العديد من ما يقال عنهم ” مزارعين” الذي ينتهجون الأمر نفسه، التجارة بالماشية والدواجن بدل الاعتماد على محصول زراعي ما.

وعندما يزرع البدوي فإنه لا يزرع إلا للتجارة، وعندما يصنع لا يصنع إلا للتجارة، إن تحصيل الماء شيء، والتجارة شيء آخر تماماً، التجارة لا تعتمد على التميز في المحصول أو جودته، إنه تعتمد فقط على قدرة التاجر على تسويق سلعته وبناء علاقاته، لذا فإن المزارع أو الصنايعي الليبي – على ندرتهما- لا يفكران في جودة سلعتهما أو تميزها، بل في بناء علاقتهما مع الزبون، وتحضير السوق لتلقي سلعتهما.

قد يتضح لأحدهم أنني هنا في صدد نقد التجارة وأنني أدعو لنبذها تامةً، أو أنني ألقي اللوم عليها، إلا أنّ الأمر ليس هكذا، إنني أنتقد الكيفية التي يتعامل بها البدوي مع التجارة على أنها مصدره الوحيد للحياة من ما يعطل إنشغاله بالتفرد والإبداع في أي مجال آخر… إنّ التجارة لا تريد عقلاً مبدعاً أو فنياً، وقد قال يوسف القويري مرة أنه لا تريد عقلاً مشغولاً بتاتاً، إنها تريد عقل يفرغ نفسه للتسويق وبناء العلاقات، لذا فإنّ تسويق السلع في الأرض الليبية لا يحتاج لكثير من الجهد، لأن الزبون – وهو بدوي أيضاً- يستهلك السلع نتيجة التسويق التقليدي لها، بنظام الإشاعة والصلات وأراء المعارف، وهذا أمر آخر سنتطرق إليه.

إن البدوي ترك الخيمة….وجلس على كنبة. لكنه لم يترك عقله في الخيمة، بل نقله معه على الكنبة.

كيف استطاعت البداوة أن تنجو حتى الآن؟، إنها استطاعت أن تنجو بنجاة مصدرها الرئيس، والذي وجد أفضل أرض يمكنه أن يعيش فيها، أرض صحراوية –وليست أية أرض صحراوية-  تقدم مناخاً متميزاً لإستمراره إلى قرون قادمة، وعندما وجد الليبيون أنفسهم أمام مأزق خسران التجارة في منتصف الأربعينات وخمسينات القرن الماضي نهضوا يتحركون قليلا للتخلص من اعتمادهم عليها، ولكن خروج النفط أراح عقلهم البدوي، وزاد في انغماسه، النفط نفسه الذي لن يكون له حاجة عندما يكتشف العقل الليبي الخيرات التي تقدمها له الأرض الليبية دون أن يتعب نفسه في البحث عنها أو خلقها، سيعرف كيف يتاجر بالشمس للشمال، ولن يكون عليه التفكير في بديل للتجارة….في بديل للبداوة.

إن ” المهندس” البدوي نفسه، ليس مهندساً، إذ أنه لا يهندس إلا ليستمر هذا المصدر في الحياة، ولا يعمل كقدرة فردية خلاقة يمكنها العمل في أمر آخر سوى مجال الدخل الرئيس، إن أكبر أحلام المهندسين الليبيين الشباب هو التوظيف في إحدى شركات النفط، الأمر نفسه الذي ينطبق على ” العالم” البدوي.

سيقول أحدهم: ماذا عن القدرات الليبية المتميزة في العالم؟، إن هذه القدرات والطفرات المتميزة في أفضل حالاتها لم تتلقى تعليمها في هذه الأرض، هذا عدا عن كون غالبيتها العظمى تتخذ من البلاد التي تميزت فيها وطناً للعيش فيه، والبقية القليلة جداً التي تعيش على هذه الأرض لا تتعدى كونها طفرات زائلة.

إنك لو أمعنت النظر في الحروب الحادثة على هذه الأرض سترى أنها حروب وثورات قبلية محضة، أياً كانت ” الايديولوجيا” التي يروج لها ” الشعراء”، فشل التجربة الديمقراطية واحتضارها وحده دليل على أن العقل الليبي أياً كانت ” الايديولوجيا” التي يظهرها للعلن لا يحب أن يتولى الزعامة عليه إلا هو.

إن البداوة استطاعت حقاً أن تنغرس في هذا العصر، وقد خدعته بأن تخلت عن الجمال والخيم والصحراء والقفار والقوافل ووأد البنات الفيزيائي، بل إنها لم تتخلى عن كل هذا، بل ألبسته لباسا جديدا يليق بثياب هذا العصر…. هذا التحدي الذي قهرته، وجلعت العقل الليبي يتوه بينها وبينه.

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s