دفق – نص تجريبي في الوصف الدقيق


 

slider13

ارتدى قميصه، تمعن في تفاصيله، مرر يده اليمنى على منبت قبضة اليسرى، تحسس جلده ودوّر إصبعي الإبهام والسبابة حول الكم، بدا كحزاميمر بين ترسين، تفاعل إصبعاه مع خشونة مادة كم القميص،  ألقى بكفه الأيمن كاملاً على ساعده الأيسر يحاول أن يردعها عن أن لا تفلت، صارت يده تعتلي الساعد حتى وصلت للكتف، إختبأت تحت إبطيه، كان يحس بالبلل الذي يسببه مزيل العرق في بقعة كتلك التي يحدثها سكب كوب قهوة على ورقة، شبه بيضاوية، شبه كروية مع تعرجات وإنتهاء البقعة بزاوية أضيق في أحد جانبيها، تزحلقت بضغط على جذعه، كان يحس بضلوعه، وكأنه يطمئن على وجودها جميعاً في مكانها الصحيح، كان يشعر بأنه أخطأ العد، ربما يكون هناك ضلع ناقص، ربما هو ذاك الضلع الذي اختلسه الإله من آدم وهو نائم، تحرك حتى خصره لنهاية القميص من الأسفل. حرك يده اليسرى هي الأخرى نحو اليمنى وحيث منبت الكف، حيث خشونة القميص، حيث البقعة في إبطه، حيث أفلح في عد الضلوع هذه المرة، حيث نهاية القميص.

حدق في عينيه في المرآة، كان يمكن له أن يرى الأخاديد ذات التدرج الأعلى من لونهما، يبحر داخل هذه الأخاديد، يتذكر الأخاديد التي رآها في القمر والتي تظهر أكثر قتامة من باقي سطح القمر الرمادي، تذكر شيئاً ما مضحكاً، قصصاً نسجتها شعوب بكاملها حول القمر، ربما يكون القمر فتاة تتعرى لتغسل بشعاع الشمس، تذكر أنّ كل مافي هذه الحياة قد تم تقديسه، راح يعدد كل شيء قد قدِّس، اليد، المرأة، الرجل، القطط والكلاب والسلاحف، حتى من حبات المعكرونة والتمر، وعندما يعجز الإنسان عن تقديس المحسوسات الجامدة والمتنفسة منها يتخيل ألهةً في كل مكان ليقدسها، الأخاديد على القمر هي إحدى الآلهة التي قدست يوماً ما، ونسجت قصصاً عن أن كلمة ” الله” موجودة على سطح القمر. تبدو حدقتيْه كمجرتيْن يفصلهما جبل لا تلتقيان، إننا نبحث عن أسرار الكون في مسافات أبعد من ما نتصور، وإنه لمن السهل أن نكتشف الكواكب فقط، في أن ننظر في أعين بعضنا البعض، سنرى الكائنات الفضائية، والآلهة والاكتشافات العلمية، في دائرة لا يزيد قطرها عن سنتيمتريْن.

يتحول لعد نبضات قلبه، يضغط بإبهامه الأيمن على الشريان الذي تحت كفه الأيسر ناظراً نحو ساعته منتظراً بداية الدقيقة التالية، تتحرك شفافه بخجل متسارع وعيناه تتبعان مرور العقارب، إبهامه يقاوم ضغط النبضات. في الدقيقة التالية، يعد شهيقه وزفيره، ليتأكد أنه لم يصل إلى عشرين مرة في الدقيقة، لا أحد يعلم إلا هو لما يفعل ذلك، ربما كان يحب أن يطمئن على وجوده.

وقف أمام صورة وحيدة معلقة في حائط غرفته، غاب بعيداً حيث لا يدري إلا هو، كانت خيوط الضوء تضرب في زجاج الصورة بحيث تنشئ مرآة صغيرة ضعيفة الانعكاس يمكنه من خلالها أن يشاهد جرمه ذائباً كقطعة من الطباشير في عصير البرتقال، كان يبدو متحداً مع الصورة، يقف كتمثال لخمس عشرة دقيقة ومن ثم يرفع يده إلى مستوى صدره ليتأكد من أنه أمضى الدقائق الصحيحة لمتابعة الصورة، يخرج نفساً طويلاً، ويخرج بخطوات حثيثة نحو الشارع، لقد كان مستعداً لهذه اللحظات، التي يترك فيها الهدوء وقدسيته ويندمج في موسيقى الشارع، حيث تتراوح نبضات وأنفاس الكائنات حوله، قطط وجرذان الأزقة، العصافير واليمامات والحمامات والأشجار التي تقسو على حجارة الرصيف، الذباب وحشرات القمامة، مستعمرات النمل تحاول أسر قطعة حلوى، كل أولئك البشر الذين تتراوح أنفاسهم ونبضاتهم، أخاديد أعينهم وتفاصيل ملابسهم، وأشكال البقع في إبط كل منهم، اختلاف في كل إنش يراه، في كل ذرة يتنفسها، في كل إنش تطأه قدماه أو تمر يداه عليه، في الصوت الذي يصدر من كل جانب، كان يرهف حواسه جميعها محلقاً بتفكيره في الاختلاف، إننا لا نتشابه في أي شيء، إن الأمر مثير للشفقة عندما يخبرك أحدهم أننا كلنا متشابهون وأننا نعيش تحت نفس السماء وفوق نفس الأرض، إننا لسنا كذلك، إننا مختلفون في كل شيء، حتى في السماء والأرض، بطريقة ما، هذه الأرض تبدو ككون لم ترى منه ذبابة ما إلا زقاق، وبطريقة ما، لم ترى من السماء التي هي فوقها غير عمود الكهرباء العالي، فكر، أنه إذا أراد أن يكتب شيئاً ما فعليه، أن يكتب عن الاختلاف الشاسع في كل الحيوات التي عاشت على هذه الأرض، والتبدلات التي تطرأ على هذه الأرض كل دقيقة، الأرض غداً لن تكون نفسها اليوم، إن أوروبا تبتعد عن أمريكا الشمالية بمقدار إنش واحد كل عام، كيف يمكن لشخص ما أن يقول أننا نعيش على نفس الأرض، ربما أنا أعيش بعيداً عن بيتنا الذي كنت أعيش فيه من عشرين سنة بمقدار 20 إنشاً الآن، وسأنام العام القادم على بعد إنش من مكان سريري الحالي الذي إن بقى في نفس مكانه، كان يقول.

مضى يمشي بالنسق ذاته، قد يصدم أحدهم كتفه فيمرر يده حيث طبع ذاك الإنسان بعضاً منه فيه، قد تموء في وجهه قطة، فيلمس وجهه ليشعر بالإحساس الذي خلفته على ملامحه، قد تطأ قدمه بركة ضحلة من المياه المتواطئة مع الرصيف، فيغيب في إحساس البلل محاولاً معرفة مكونات الماء ومتى تشكلت، ومتى أضيف كل مكونٍ فيها وكيف، طفلة ما أسقطت مثلجاتها عليها، ألقى رجل ما على عجلة سيجارته فتحلل التبغ داخل البركة، بصاق أحدهم ربما، بول قطة، كل ذلك وأكثر اندمج في بركة ضحلة من المياه، أمعن النظر في حركات الأفواه والأعين حوله، في حركة يد أحدهم ممسكاً بكوب قهوة نحول فتحة فمه، اللذة التي تخلفها على لسانه المليء بأعصاب التذوق، بمرورها في جهازه الهضمي، وتحول الكافيين في دورة الدم إلى دماغه، تتفاعل خلايا الدماغ لتطلق هرمون النشاط بدفقة في زمن قياسي، يدخل في عالم لا يعلمه أحد إلا هو، هل يتلذذ بما يفعله؟ هل يزعجه؟

رأي واحد حول “دفق – نص تجريبي في الوصف الدقيق

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s