عن سكارليت جوهانسون والإنسانية


scarlett-johansson-hd-5

الإنسان! كائن رائع أليس كذلك؟ نحن نصنع أشياء، نفكر، نمشي على قدمين، ونرتدي بدلاً مختلفة، إننا نبني ونصنع ونزرع ونحب ونكتب ونحكم قطعاً عظيمة من الأرض، إننا في أعلى الهرم الغذائي، إننا كائنات متطورة عن كل ما حولنا، نسبة كبيرة من الحيوانات والنباتات والعناصر تخضع لإرادتنا، إننا نسافر إلى أعماق البحار، في السحب، والجبال، ولست أكذب إذ قلت أننا نستعد أيضاً لغزو الفضاء، إن الإنسان هو أكثر كائن معقد ومليء بالألغاز عرفه الإنسان! يكفي أننا صنعنا البيتسا والباستا والبازين والبالونات والبيالا…أتعلم ما هو العامل المشترك لهذه الأشياء، حرف الباء، بالطبع مع تلك الأشياء المتفجرة التي يسمونها بالإنجليزية: بومبس! العامل المشترك الأكبر بالتأكيد هو نحن.

حقيقةً، فإنني معجب جداً بسكارليت جوهانسون، ورغم أنني لم أتابع كل الأفلام التي مثلتها كما يفعل المعجبين عادةً، ورغم أنني لا أعرف عنها سوى اسمها وبالطبع جمالها – هل كان صناعياً أو طبيعياً، لا يهمني كثيراً-، ومع إعجابي الشديد بها فإنني لا أتابع أخبارها، ولا جديدها، وربما يصل عدد الأفلام التي رأيتهم فيها ستة أفلام، ورغم ذلك فإنها الممثلة المفضلة بالنسبة لي، لا يهمني كثيراً من أين أتت، كما أنني لا أحب أن أتخيلها تمارس عملياتها البيولوجية اليومية، أنتم تعرفون تلك العمليات التي تتطلب السرية التامة في تنفيذها، وربما وصل بي الإيمان بها أنني لا أؤمن بحاجاتها لهذه العمليات التي تستدعيني أنا الإنسان العادي، لا أعرف الكثير عن مشاعرها ونوبات الغضب والكراهية والحقد وربما الشتائم التي تشتمها – خارج السينما بالطبع-، قد أكون معجباً سيئاً بسكارليت جوهانسون، ربما لأن ممثلاً آخراً قد حاز على إعجابي أكثر منها، هذا الممثل يعرفه كل واحد منا: الإنسان.

إنني معجب بالإنسان، لدرجة أنني أتابع سقطاته ووساخته وعملياته السرية ونوبات الحقد والكراهية والشتائم التي يشتمها – خارج السينما بالطبع-، أحب أن أتابع جميع تفاصيله، تاريخه بالكامل، ولا يهمني كثيراً من أين أتى، هذا الشيء الوحيد الذي لا يهمني فيه، فكل النظريات والقوانين التي تخبرنا عن مكان ولادته تزيد في إيماناً به. هناك أحجية علمية تقول: أن العقل البشري أسمى نفسه، أي أن العقل هو الذي سمى نفسه عقلاً. وبالطبع فهذه أحجية علمية، الأحاجي الدينية تختلف جميعها في من سمى العقل عقلاً، ومن سمى القهوة قهوةً؟! ومن سمى البيتسا بيتسا؟ ومن سمى الجريمة جريمةً والعقاب عقاباً؟ ومتى وكيف ولماذا؟ إننا نحن البشر، -ولا أعلم لماذا يجمع الناس نوع الإنسان ببشر، قيل لي أنّ الكائن البشري ليس هو الكائن الإنساني- ولا أرى فرقاً بين البشر والناس، إن كان داروين على حق، سوى كمية الشعر في كل نوع من أنواع البشر، هناك أغنية روك آن رول تقول: يا ابن الإنسان انظر للسماء، دع روحك تنطلق حرة. بالطبع سمعتها لأول مرة في كارتون طرزان، وبما أن طرزان هو إنسان يعيش بين حيوانات الغوريلّا، فإنه تطبع بطبائعهم، وتعلم لغتهم، وأكل ما يأكلونه، وأحب ما يحبونه، وخاف ما يخافونه، وقفز بين الأشجار. إن الإنسان يشبه الغوريلا والأسد والنمر والكلاب والقطط والذئاب، فإن عيناه تنظران للأمام، أنيابه حادّة، ولديه قوة جسدية خارقة، بالطبع فهو يفوقهم في ميزة الفكر، ولتتخيل أن الإنسان يفكر بعقل قطة، وأن القطط تفكر بعقل الإنسان، سترانا القطط كائنات كسولة تحب أن تجلس على فرائها لنأمرها بأن تمرر مخلابها على جلدنا، ولكن فلنقل أن القطط لا يمكنها فعل ذلك، على كل حال فهي بأربعة أرجل، لتكن الغوريلّا هي التي تفكر بتفكيرنا، ستتحقق عندها نبوءة فلم كوكب القردة.

أنني حقاً لا أؤمن بتطور العقل البشري، فلازال بيننا بشر يعيشون حياة آدم، لا يخجلون من العري، ويمسكون بالعصي المدببة، ولازال بيننا بشر يعيشون في القرون الوسطى ممسكين بالسكاكين والسيوف في رقبة الأعادي، وهناك بشر لازالوا يعيشون قبل هذه العصور، إن الطبيعة والجيوغرافيا هي التي تسمح لكل مجموعة بشرية بالتكيف مع متطلباتها، وتسمح له باكتشاف أشياء خفية داخله، أي أن العقل لازال كما هو، ولكن هناك من استطاع أن يحل بعضاً من ألغازه ومن ألغاز قدرة الكائن البشري، من ما يتيح له أن يصنع المكيفات والتلفونات الذكية والصعود للفضاء، وإن كانت بعض النظريات تقول أن حضارات سابقة كانت متطورة بحيث أنها استطاعت أن تصعد للفضاء، حقيقةً، لا أحتاج لنظريات علمية أو دينية تخبرني عن طبيعة العقل البشري، كل ما أحتاجه أن أضع فيزياء الكم بلغة البابليين وأعود بالزمن إلى الحضارة البابلية وألقيها في وجوههم وأنظر ما أراهم فاعلين، ربما سيولد آينشتاين قبل موعده بألفي سنة، لا أحد يدري.

كذلك كتب الله على بني إسرائيل أن من قتل نفساً بغير نفس كأنما قتل الناس جميعاً، ولكن يبدو أنّ الإنسان الحديث فعلاً قد تطور، فها نحن نرى بشراً يحرمون قتل أي نفس بشرية كانت أم حيوانية، ويتجهون لقتل الأعشاب والفواكه والخضار المسكينة، كأنها لا تحمل مشاعر مثل ما يحمل الحمل الوديع، نحن ذئاب إذاً، وبالطبع بقر، وقد نرى مجموعة من البشر تحرم أكل الأعشاب والفواكه والخضار المسكينة بعد ألف عام، ونتجه للبداية، لأكل بعضنا، أقصد إن أكل البشر شيء طبيعي تفعله مجموعة من القبائل البشرية، حضارة الإنكا مثلاً كانت تقيم احتفالاً سنوياً في مذابح الألهة لذبح البشر، وتقديمهم قرباناً لآلهتهم، ومن ثم يقدم هؤلاء الفلاحين والصيادين والفتيات العذارى على مائدة عشاء ملوك الإنكا، إننا حتى في أنواع الطعام مختلفون، الصينيون في بعضهم يحبون أكل الحشرات، والعرب في معظمهم يحبون لحم البعير، بالطبع فحب العرب للبعير يفوق أي حب لأي حيوان آخر، إني لا أرى عجباً من عربي كان يقدس الجمال والإبل قبل الإسلام ويصنع قوانيناً خاصة بهذه الكائنات أن يرى في بولها شفاءً، أقصد، إن الأمر عادي جداً، كما أن الأمر عادي أن تقطع بقرة السريع في الهند وتسبب في زحام هائل دون أن يتجرأ أحد أن يشتمها أو يحركها، خلوا سبيلها هذا ما قاله الرسول لأهل المدينة عندما كان راكباً ناقته، وإنك لسوف تحمل على نوق مجنحة يوم القيامة إلى الجنة. إن الأمر عادي جداً، ولا أرى أي سبب لأي كائن بشري يسخر من شرب بول البعير كونه شفاء أم لا.

في كارتون ” ساوث بارك” يقوم كارتمن برحلة إلى المستقبل، يجد هناك مجموعتيْن بشريْتين تتقاتلان، بالطبع فإنه وفي المستقبل ستختفي الديانات ويحل الإلحاد محلها، إن المجموعتان البشريتان محلدتيْن، ولا يعرف أحد لماذا يتقاتل الملحدون في بعضهم البعض منذ زمن، كانت كل مجموعة متمسكة برأيها حول إجابة السؤال الأعظم، لم يعرف كارتمن هذا السؤال الأعظم إلا في نهاية الحلقة، عندما اتضح له أن سبب الخلاف بين الملحدين هو: بماذا يفترض أن يسمي الملحدون أنفسهم؟! هذا السؤال العبقري الذي ولده كاتبا السلسلة يكشف عن شيء أكثر عبقرية، هو أنه مهما تشابه البشر، ومهما حلت أغلب خلافاتهم، فإنهم دائماً سيبحثون عن سبب للحرب وسبب للخلاف والسيطرة، إن الكائن البشري بعينيه الناظرتيْن للأمام وأنيابه الحادة وقدرته الجسدية المذهلة يتفوق عن الأسد في إيجاد سبب لأفعاله المفترسة، إن الأسد فكر ووقف لسبب واحد أقنعه ومضى به إلى ما تبقى من ما تبقى له من حياة على هذه الأرض: الطعام. ولكن الإنسان ولأنه صاحب العقل أكثر تفوقاً، قد مضى دائماً في البحث عن سبب لأن يقتل، وأن يدمر، وأن يصنع القنابل، وأن يفتح الدول، وأن يذبح، سبب يجعله يطمئن أخلاقياً إلى فعلته التي يراها في أعماقه مشينة، إنه لا يستطيع مجابهة نفسه كما فعل الأسد، لا يمكنه فعل ذلك، إن عقله المتفوق لا يسمح له بذلك، لا يسمح له بأن يقول: آه إني أقتل أخي الإنسان لأني أحب فعل ذلك. إن قصة قابيل التي تقولها الكتب الإبراهيمية نفسه لم يقل ، بل قال: آه أنا من أبناء الجنة وهابيل من أبناء الأرض، ثم أن أختي جميلة وأخته قبيحة، وأنا لي الأفضلية، ومضى يبرر لنفسه أموراً كثيرة ومن ثم قتله، هكذا فعل البشر من بعد قابيل مئات الألاف من ملايين المرات.

إن الباحث في المسار التاريخي لتطور مبدأ الجريمة والعقاب –والمسار الجيوغرافي والإثني والديني أيضاً- سيرى أموراً عجباً، منذ مئتي سنة لم تكن العبودية جريمةً، ولكنها الآن جريمة فظيعة، حقيقةً لا أرى أن العبودية جريمة، سواءً مورست من جديد على السود أو أي عرق إنساني آخر، وثق وتأكد لو سمح للسود بممارسة العبودية على البيض لفعلوا ذلك، ولتخرجنّ نظريات مضحكة – هل هي مضحكة فعلاً؟- تقول مثلاً: إن الرجل الأبيض قد مارس عبوديته على الجنس الأسود قرون، وهذه عدالة إلهية – منطق ديني- أو انتقام السود لأجدادهم المصفدين والمعذبين في حقول البيض واسطبلاتهم، إنّ الإنسان يبحث دائماً عن جريمة جديدة ليعاقبها كل ما خلت من بين يديه جريمة، ويبحث دائماً عن طريقة لتبرير أفعاله – التي ستكون جرائم بعد حين-، إنه يعيش في معضلة عنيفة جداً، معضلة عقله الذي أتعبه. منذ مدة لم يرى أحداً عيباً أو جريمة في إنشاء المصانع وإلقاء القمامة أين شاء، ولكن الآن ترى حقوقيين يقولون لك: آه إن الإنسان قد أهلك الأرض وأتعبها، إن هذه جريمة يجب أن يعاقب عليها، المناخيون في كل مكان يقومون بأشياء غريبة في نظري، إنهم رغم اعترافهم بأن الأرض متقلبة، فقد مرت بعصور جليدية ومائية – بحيث لم تغطي اليابسة سوى القليل من مساحة الأرض-، رغم اعترافهم بأن الأرض مرت بعصور وأشكال مختلفة من العذابات، إلا أنهم يلقون الجريمة الأعظم في تغيير جو الأرض على عاتق الإنسان، وتراهم يبررون لما يقولونه بأن الأرض الآن تتغير لأسباب غير طبيعية، هل الإنسان سبب غير طبيعي؟ وأفعاله أفعال غير طبيعية؟ إنه لم يأتِ بالبلاستيك من السماء، ولم يأتِ بالمصانع والمحرقات من السماء، إنه أتى بها من الأرض، ثم تراهم يقولون لك مثلاً: آه، فلنحمي الأرض، إنها وطننا الوحيد! نعم الأرض وطننا الوحيد، ولو تحصلنا على وطن آخر، لن نلقي لها بالاً، بل سنجعلها تتعفن وتقضي على نفسها. إن الأمر ببساطة، الأرض لم تعد ترغب في وجودنا على ظهرها، إنها تعبت من مشاكلنا وخلافاتنا ومصانعنا ومخلافتنا، وتريد أن تطردنا، هذه طريقة أخرى للنظر للأمور… إن المصلحة الإنسانية هي التي تجعل من الإنسان أن يستمر فيما يستمر فيه. والمصلحة تتغير، من ما يعني أنه من مصلحة الإنسان الأبيض أن لا تكون هناك عبودية على الإطلاق، كما من مصلحة الإنسان عامةً أن تكون الأرض مكاناً نظيفاً وجميلاً، من مصلحة الدول العظمى أن لا تنشأ حرباً عالمية ثالثة، فمن يدري يمكن أن تنقلب الأمور وتصبح دولاً صغرى بعدها، لكن ما يثير تعجبي وإعجابي في الوقت نفسه هو هذا النوع من التبرير: تبرير هذه المصلحة بكونها لا تمت للمصلحة بصلة. إنها ليست مصلحة، إنه العقل البشري فقط، قد تطور وأصبح أكثر تقدماً!!

إن مشهد رجل عجوز جالس على مقعد يحرك قطع الشطرنج على الرقعة بيده المرتجفة التي غزتها بقع الشيخوخة، ينظر للحياة ببطء لهو إنسانية بحثة، كما هو منظر أم ترضع طفلها، كما هو منظر جندي يغرس حربته في قلب جندي آخر يرى وجه قاتله كآخر ما يراه في الحياة لهو إنسانية بحثة، إن القنابل التي نزلت على هيروشيما ونكازاكي لهي قنابل إنسانية تعبر عن مكنون الإنسانية، كما هو منظر المشانق والمحارق التي صنعها اليابانيون أنفسهم في الحرب العالمية الثانية للصينيين لهو أمر إنساني، إنه لا وجود لفعل غير إنساني، هذه هي الإنسانية بكامل ما تحمل من متناقضات، بالعاطفة واللطف والتوحش والقتل، بالحياة والعفونة والمدن الصناعية الكريهة التي تأتي لنا بأجهزة الآيفون، والمزارع الخضراء النظيفة التي لا تأتي لنا بأجهزة الآيفون، إن الإنسانية هي عاشقان في مقهى بباريس أو في زاوية من زاويا جامعة طرابلس، وهي منظر مرتد على المذبح في السعودية ومشهده بعد أن نفذ بجلده في سويسرا، كل هذا وأكثر إنسانية بحثة، إن القتل والعنف والاغتصاب والإرهاب – وحتى مسماياتهم- هو إنتاج إنساني بحث لم يأتِ لنا من مصادر غير إنسانية، كما أن إعطاء الحياة لطفل يعاني من السرطان وإنشاء جمعيات مناصرة حقوق المرأة وما إلى ذلك من أفعال تراها الإنسانية إنسانية هي إنتاج إنساني بحث، تبرير أمريكا لفظائعها – هل يمكن أن تسمى فظائعاً؟!- التي ارتكبتها هي إنسانية، كما تبرير داعش للمذابح – هل يمكن أن تسمى مذابحاً- التي ارتكبتها هي إنسانية، إن أفضل عبارة يمكنها أن تختصر هذه الحياة هي تلك التي قالها شيكسبير: إن الأرض مسرح… ونحن الممثلون، كما هي سكارليت جوهانسون، ممثلة!

رأيان حول “عن سكارليت جوهانسون والإنسانية

  1. أنا أحبها أيضا ولكن فضلا حاول أن تنضم أفكارك قبل الكتابة بعدين اكتب إطالتك مملة جدا جدا جدا مقالة محشوة بعدة مواضيع وأفكار غير مرتبة

    إعجاب

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s