الجلوكوز والفروكتوز


sugar-spoon-pour

السكر، في البدء يتبين لك مجرد مكعّبات ملحٍ ما، المضحك أن الكثيرون يضعون السكر كمركب وحيد ليس له عائلة، هكذا وجد ” سكر” لا يمكن له أن يكون ملحاً، لأنه ببساطة حلو، إن المعادلة الكيميائية لسكر المائدة هي C12H22O11، ويتكون السكر من مكونيْن : الجلوكوز ( سكر) والفروكتوز ( سكر أكثر حلاوة)، ولكن هل يعد السكر ملحاً؟، أعني إنه يحمل نفس المكونات التي تحملها أملاح البيكربونات، هيدروجين، أكسجين وكربون، العناصر الثلاثة الأكثر وجوداً في الجسم البشري، تخيّل نفسك عبارة عن فقاعة كبيرة من الأكسجين والكربون والهيدروجين، الأمر مضحك قليلاً… هذا يعني أننا والسكر والملح والأشجار والهواء والأسمدة العضوية من عائلة واحدة.

كنت منجذباً طيلة حياتي للسكر، لست ذلك النوع من الناس الذي يجعل الشوكولاتة تنهار في يديه خجلاً من أن يقضمها دفعةً واحدة، كنت أحب أن أضعها كاملة في فمي مشتاقاً لجزء من جسدي أضعته في حانوت السويح، كانت البهرجة التي تصنعها في نفسي أعمق من أن أظل أحدق فيها لدقائق قبل أن أنهيها، يبحث لعابي عن السكر ليحتضنه ويعرفه عن بقية العائلة، كان السكر دائماً ما يدفعني لفعل كل شيء، للدراسة بجد، للعلب، لإنفاق الدنانير، لتذوق كل ما هو ” حلو” سواء عرفت مكوناته المصنوع منها أم لا، مذهبي هو: إن كان حلواً… فلا بأس به.

كنت في السابعة تقريباً، أو هذا ما أذكره… لم يكن بها أية علامة مميزة من الممكن أن تجعلني منجذباً إليها، كما أنها كانت الفتاة التي تكبرني في البيت المجاور، بنت الجيران كان شعرها أسود ترتدي فستاناً أسوداً يمكنك أن ترى منه إنشاً من فخذِها اللوزي اللون، كما أنّ أسنانها بدت وكأنّ أرنباً ما قد قبلها، ومن عمرها يمكن القول أنه لم يتسنى لها بعد أن تنبتَ أي تعرجات في جسدها، رطوبة جسدها كان كل ما يجعلها مثيرة لفتىً في عمري، أنا أيضاً، سيكون علي الانتظار سبع سنوات أخرى قبل أن أكتشف قدرة عضلتي على النمو، أمر إنساني اعتيادي…تصحو في أحد الأيام لترى أنك لم تعد ذاك الذي نام البارحة، آمنتُ عندها بأنّ أحداً ما قد اختطفني واستبدلني بذاك المراهق الذي يعاني من ألام في إحدى عضلات جسده، كيف يمكن أن يكون الألم لذة واللذة الألم؟! حقيقةً، لقد كنت بريئاً في السابعة لم أكن أفهم أي شيء من العالم الذي يدور حولي، لم أكن أفهم لما عليْ أن يكون لي أم ولا أب ولا أخوة، حدثتني إحدى أخواتي ذات مرة عن النبي إبراهيم، كانت تصفه لي كأني كنتُ أعرفه، وكأننا كنا أصدقاء يوماً ما، أتابع مغماراته ومقاومته للنار، الألم، وكيف جعل ” ربي” من النار لذةً له، ثم أسألها: ثم ماذا بعد؟! ماذا حدث لإبراهيم؟ تقول لي : مات! وأستشعر حزناً داخلي، إبراهيم مات، كيف يمكن ذلك؟ إذاً يجب أن نجهز أنفسنا لجنازته وأن نسرع لأن نودعه، ربما سنرى أثار النيران على جسده، أين يسكن إبراهيم؟! نعم لم أكن أفهم أي شيء من حولي، كان العالم عبارة عن لعبة سحرية، ولم أكن أريد فهم أي شيء فيه، أقصد لم أكن أريد أن أحظى بغير متعة الاستكشاف، لا أريد أن أفهم لماذا مات إبراهيم وكيف ومتى، ولا أريد أن أفهم لماذا كان السكر يدهش لساني ويشعرني بالسعادة، ولم أكن أريد أن أفهم أي شيء مادمتُ مستمتعاً باكتشافه.

كانت بنت الجيران، ولأسميها ” سكر” قد عرفتني باستكشاف عظيم، لم أستوعبه إلا بعد سبع سنوات، ولا أعرف حتى اليوم لما لا يمكنني أن أتذكر أي شيء قبل تلك الحادثة، لا أرتب التواريخ، يبدو لي أن كل شيء حدث بعدها، حتى حملي وفصامي كان بعدها، كنا نلعب ككل يوم اعتيادي، الاختباء، ألعاب البنات التي كانت تحرضني عليها دون أن يكون لي أي رأي في ذلك، الجري واللحاق بها، ” النقيزة”، وكنت مبتهجاً بتضييع بعض الوقت معها، حتى سحبتني إليها وقالت بصوت خفيض ” ما رأيك أن نلعب زوج وزوجة؟!”، لم يرق لي الأمر في البداية، ماذا يعني زوج وزوجة؟ سيكون عليْ أن أكون كأبي أخرج الصباح ولا أعود حتى القيلولة، وأعطي الأوامر للجميع، ثم ألقي بنفسي للنوم، وسيتعين عليها هي أن تحضر لي الإفطار والغذاء والعشاء، ما فائدة كل ذلك؟ وعندما قبعت صامتاً، سحبتني إليها وراحت تركض ممسكةً بيدي، كنت أركض خلفها محاولاً أن أسحب يدي منها، إلا أن يدها الرطبة كانت أكثر قوة مني، استسلمت للأمر وسبحت معها، كنا أنا وهي في الشارع الترابي، شمس الصيف تحرق أقدامنا الحافية، كان في الحي العديد من الأبنية التي لازالت تحت الإنشاء، كانت تبدو متوترة قليلاً، ألقت نظرة متفحصة حول الحي، الوقت : القيلولة تقريباً. من ما يعني أن الحي سيكون خالياً من المارة والناس وحتى الحيوانات السائبة، لازلت أشعر بيدها تضغط على يدي كأني جائزة فازت بها ولا تريد أن تتركها.

في البناية، رحنا نتجول بين المسامير والألواح والحجارة، ندخل الغرف الفارغة وننظر من نوافذها لزوايا الحي باندهاش، بعنفوان الطفولة ودهشتها، كنا نمشي بهدوء وحذر خوفاً من المسامير الملقاة في الأرضية، كانت ممسكة بي من يدي، وبفستانها الأسود رافعةً إياه قليلاً بيد أخرى، كانت تسمي الغرف المتشابهة: هذا المطبخ!، تلك غرفة المعيشة! هناك حيث أصنع لك الشاي، وهنا غرفة النوم، دخلنا غرفة النوم، كانت كأي غرفة أخرى، إلا أنها قد رأتها بكامل أناقتها، هناك في الوسط فراشنا الكبير الواسع الذي يحمل كليْنا، هناك قبالة النافذة الدولاب حيث تضع ملابسها وملابسي، وأمام الباب توجد مرآة كبيرة وكومدينو تضع عليه مكياجها وعالمها وقنينة العطر خاصتي. افترشنا على الأرض، حيث تخيلت الفراش الكبير، ثم نظرت إليْ نظرة كانت اكتشافاً بالنسبة لي، حدقاتها كانتا واسعتان جداً كأنهما غزت العينين بكاملهما، شفتاها تخبئان سراً داخلهما، وحركة أصابعها حول يدي، كنت أنظر إليها بين المتعجب والمرتاب، حتى ما قالت لي ” هيا… لنلعب! ملابسك!”.

كان جسدانا يحاولان التلاحم دون أيةِ جدوى، كنا كوردتين تحتكان ببعضهما، حلمتاها كحلمتيْ، جسدها كجسدي، لوزي ورطب، الاختلاف الوحيد، واكتشافي العظيم كان، أنني أملك عضلة وهي لا تملك مثلي، كان ما بين فخذيها وكأن أحداً قام بسرقة عضلتها، وترك لها هذا الشرخ الصغير بينهما ليعاقبها، كنا نتلاحم أنا وهي، كانت كالسكر، كنت الجلوكوز وكانت الفروكتوز، أنا الماء وهي الكربون، أمضينا الدقائق يمس جسدها جسدي، لم أكن أعرف أن الأزواج يلعبون هذه اللعبة الممتعة، كنت مبتهجاً وفرحاً، طفل وجد اللعبة التي يفضلها والتي لن يمل منها أبداً، اعتبرتها هي لعبتي الجديدة، هكذا…حلو.

أمضيت بعد ذلك، كامل اليوم أفكر في حلاوة اللعبة، منتظراً الغد لألعبها معهاً مجدداً، أنتظر أن أكشف لعبتي الجديدة للجميع، لأمي وأبي وأخي وأصدقائي الأطفال، وأحدثهم عن المتعة التي من الممكن أن يتحصلها أحدهم منها. في اليوم التالي، كنت أنا وصديقي ” ميم” نلعب الكرة في باحة المنزل، عندما رأيتها تطرق بابنا، كنت قد حدثت ” ميم” عن لعبتي الجديدة، وأنني سأريها له اليوم، كيف يلعبها، وربما سنلعب أنا و”سكر” وهو اللعبة ذاتها مع بعض، سنكون أنا وهو الزوج، وهي الزوجة، سررت عندما رأيتها، لكنها كانت مقطبة، أقصد، لم يكن منظرها ذلك المنظر البشوش الذي اعتدت على رؤيتها به كل يوم، كانت كأن أمراً ما ألم بها، ركضت أنا وميم نحوها وقلت لها ” هيا نلعب زوج وزوجة”، كان ميم قد أمسك بها، إلا أنها دفعته نحو الأرض، سقط وألم في رأسه، حدقت في وجهها، حدقاتها كانتا صغيرتان جداً، كأن نار ما بداخلهما، قلت لها ” هيا نلعب”، دفعتني أنا الآخر نحو الأرض، سكر… حلوةً أحياناً، مالحةً أحياناً أخرى، هذا ما فكرت فيه.

5 رأي حول “الجلوكوز والفروكتوز

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s