قصة البلدة


البلدة

Abandoned-Town-stock359

“هيا، لا يتهاون أحد…علينا اليوم أن نقضي عليهم جميعاً”، جاءت الأومار من القائد الذي كان قلقاً جداً من الأخبار التي قد تكون أتت من الجبهة الشرقية، عشرة قتلى وعشرين جريحاً، كنا نحتسي الشاي، كانت الرغوة المصنوعة في حواف الأكواب كأنها طلاسم تحاول أن تخبرنا شيئاً ما، الشاي ينزلق بين الزجاج وتبقى الرغوة، الزبد، عالقة بالجدران… لقد بدى لي أننا كنا نحارب هؤلاء القوم منذ الأزل، وكل يوم يأز رصاصهم أذاننا، وقذائفهم تلقى كظروف بريد على معسكراتنا، كنا نحاول دخول البلدة منذ أشهر لكن دون جدوى، بدت مستعصية علينا… حاصرناها من جهتي الشرق والغرب، وأوثقنا عليها الحصار، ولم يفهم قوادنا حتى الآن، كيف أمكن لهؤلاء القوم أن يصمدوا كل هذا الوقت دون أية إمدادات، دون نقص في المعونة، دون تقهقهر أو استسلام، أو تواصل مع وحداتنا للتفاوض… كانوا كالجن.

اليوم، قرر قائد القوات أن نلج البلدة مهما تكبدنا من خسائر، كان عازماً على أن يفني الجنود كلهم في تحقيق هذا الهدف، وبطريقة مضحكة ما، كان الجنود أيضاً من حالات الإكتئاب واليأس التي أكلت أرواحهم مستعدين أن يفنوا لغرض إنهاء هذه الحرب العاتية، كانت الخطة كالآتي: قصف بصواريخ الجراد من الجبهتين تفزع المحاربين يصحبه تقدم للدبابات وجنود المشاة، لتشتيت انتباه المحاربين، كنا مستعدين، ألقينا بأكواب الشاي تعبيراً عن الوداع، ألقينا بأقدار المعكرونة على الأرض إحتفاءً بالموت، واستعد كل منا في أن ينهي ما قد يكون آخر سيجارة له في هذه الدنيا.

لا يعرف أحد أسباب هذه الحرب، ولا قائد القوات، استيقظ في أحد الصباحات على رنين هاتفه وصوت كبريتي من الناحية الأخرى يقول له ” البلدة…عليك دخولها، مهما كلف الثمن”، لم يسأل لماذا، أو كيف أو متى، كل ما فعله، أنه غسل أسنانه، ارتدى بزته العسكرية، رصعها بالنياشين التي كان يخبئها لهكذا مناسبات، بحث عن قبعته، لم يجدها، مضى يسب زوجته ويشتم هوسها غير المريح بإعدام سيرته العسكرية بعد تقاعده، لم أقل أن قائدنا هو عميد متقاعد؟ آه نسيت، لقد خمنت أنهم دائماً ما يختارون العجزة للزج بالأرواح الشابة في هكذا حروب، صمد قائدنا في سيرته الكاملة دون أية حرب، واستيقظ مع ألم في الركبة اليمنى جراء سقوطه من على ارتفاع درجة بسبب هشاشة العظام يحمل عاتق فتح هذه البلدة بمجموعة من البائسين. هكذا أحببت أن أصور القائد الذي لم يسبق لأحد الجنود رؤيته، لم يسبق لي رؤيته، وربما قلة من الضباط من رآه فعلاً.

” شمال… اضرب…لا شيء…جنوب”. كنت أعمل في غرفة الاتصال، كان الأمر سيئاً هناك، فبعيداً عن كون الغرفة ضيّقة وأن عامل القهوة لا يأتي بالقهوة أبداً، وبعيداً عن كون زميلي مدخن شره لا يتوقف عن تدخين سجائره وسجائري ساحقاً إياها داخل أسنانه الصفراء كأنه يأكلها، بعيداً عن كون أشعة الشمس تنبعث من حفرة مربعة فوق الجدار، كأننا محصورون داخل جدران زنزانة، بعيداً عن كل ذلك، فإن الأجهزة تعطب في اليوم مرات عديدة، ويحتاج الأمر لساعات لإعادتها للعمل مجدداً، أجهزة رثة قديمة ستكون مزاراً جيداً في المتحف، الجهاز الغامض – هكذا أحببت أن أسميه-، كان أكثرها تعقيداً، كلما حاولنا حل شفراته تواجهنا مشكلة في فهمها. والأجهزة الباقية كانت غير صالحة فعلاً للتواصل، هذا ما صعّب علينا التواصل مع الجبهة الشرقية، كانت دائماً هنالك مشكلة في التواصل، الأمر الذي جعل الحرب تطول، على الأقل في نظري. حتى أخبار الموتى في الجبهة الشرقية، كانت تأتي مشوهة لنا عبر الرسائل” استشهاد خمسة” ” موت ستة”…” قتيلان وجرحى” ، وكنا نأخذ متوسط العدد وننشره….لا أحد يدري كم قتل حتى الآن.

استيقظتُ في أحد الأيام في هذه الغرفة ولا أعرف السبب الذي وجدت من أجله، قيل لي عندما دخلتها أول مرة ” أنت ضابط اتصال… هذه أجهزتك، وهذا زميلك”، كان زميلي غارقاً في القذارة، أكمام قميصه كانت ملونة بالشحوم ودهن الطعام وشيء لونه يشبه الخراء، كانت وسيلة التواصل الوحيدة بيننا في مكتب الاتصال هي الورقة، يكتب ما يكون قد سمعه من الجهة الأخرى وأكتب ما أكون قد سمعته، ثم نقارن ما سمعناه ونحاول تخمين الرسالة، قد أسأل أحياناً: كيف يمكن أن يكون هناك نقص في الاتصال في جبهة ما؟! وكيف يمكن أن يكون الاتصال رديئاً؟، عن نفسي لا أعرف الإجابة، لم أجد الحافز لأن ألقي بالسؤال في أذنيْ أحد القادة، وضعت في المكتب دون أي تفصيل عن ماهية عملي أو عن المواد التي أملكها، كما أنني لم أرى طيلة هذه المدة أي جهاز لاسلكي، لم أجد لدى الضباط، لدى أمراء السرايا، ولا شيء، حتى الأجهزة المدمجة بالدبابات والعربات نُزعت، كأن أحدهم قد تعمد أن يقتلعها من جذورها ليجعل مهمتي أكثر قسوة، لم أتعلم لا أنا ولا زميلي أية لغة لفك الشفرات والرسائل، لم يقل لنا أحد أنه علينا أن نتعلم أي شيء من هذا القبيل، خمنّا أننا علينا فقط نقل ما نسمعه إلى الضابط المسؤول، كأننا جزء من الأجهزة.

كان الجهاز الغامض موضوعاً في زاوية لوحده، كان عظيم الحجم مليء بالأزرار التي لا تقول شيئاً، بشاشة كبيرة وواسعة يتحرك فيها من أسفل لأعلى نص من الأرقام، ضمّنت في اعتقادي أنها مجموعة من الشفرات الواجب حلها، كتبت الأرقام كلها في ورقتي، وكنت أعكف كل ليلة محاولاً حلها دون جدوى، تخرج من الجهاز مجموعة من الرادارات لاسلكية، ولا وجود لأي علامة أو ملاحظة عن نوع الموجات أو تردداتها التي يرسلها أو حتى يستقبلها الجهاز، كان عبارة عن قطعة نحاسية بطول قدميْن، بشاشة ضخمة ومجموعة من الأزرار.

هذه الحرب مليئة بالغرائب والشفرات التي أجد نفسي ضمنها، كل شيء هنا عبارة عن شفرة لم تفك، كان زميلي المتحذلق يقول أنه يستطيع فك أية شفرة، وعندما تأتي رسالة ما من أحد الأجهزة يقول لي بصوته الشبيه بقطعة حديدية يمررها طفل مشاغب على لوح من الزجاج ” أعرف فحوى هذه الرسالة، والذي سمعته أنا هو الصحيح” وعندما أقول له ” لكني سمعت شيئاً مخالفاً” يخبرني قائلاً” الذي سمعته خطأ… ولكني سأتعاون معك”، عندما ننتهي من العمل كان دائماً ما يطالبني بأن يسلمه هو، لم أكن واثقاً به، كنا نسلم نسختيْن من العمل، كان هناك شك يراودني أنه يسلم نسخته الخاصة من الأحاديث التي يسمعها عبر الأجهزة، إنه نذل ومتحذلق… هناك أمر آخر لم أفهمه، أننا لم نكن مكلّفون بإرسال أية رسالة للطرف الآخر، أمر آخر حاولت حل شفرته ولم أستطع، كانت وظيفتنا عبارة عن أذان فقط، لا أكثر من ذلك، يأتي رئيسنا المباشر على رأس كل خمسة عشر دقيقة مطالباً إيانا بأي جديد، أحياناً لا نكون قد سمعنا أي شيء، بسبب عطل في الاتصال أو ضعف الإشارة أو عطب الأجهزة نفسها، فنخترع أية كلمات نسلمها، قال زميلي لي بأن علينا فعل ذلك، لأن ضباط الاتصال السابقين قد أعدما لمجرد أنهما لم يقدما في أحد الأيام أية رسالة، قال لي بأن المعسكر استيقظ في يوم من الأيام على جتثيهما معلقتين في أحد الأعواد بالساحة، وأعيرة نارية في مقدمة رأس كل منهما، وآثار مدقّات على أيديهما، كأنهم شنقوا وصلبوا وأعدموا رمياً بالرصاص في الوقت نفسه، كان الدم قد صنع طريقاً له من جبهة أحدهما الممرغة بالتراب، ومندمجاً بخرائط كفيْه، متجمداً في عنقه بلون أزرق مخضر، كنت أجاهد في أن لا أصدق أي شيء من ما قاله، لكن الأمر يبدو منطقياً قليلاً… خصوصاً مع الغرابة التي تكتنف هذه الحرب.

البلدة كانت الشفرة الأعظم التي حاولت دائماً أن أحلها، كان الدخان يكتنفها كأنها بنيت من دخان، أزيز الرصاص وضوضاء القذائف تغطي أي صوت يخرج منها، تختفي في ظلام الليل حتى لا ترى منها أي شيء، كان الدليل الوحيد على وجودها هو نحن، كان الجنود يتسابقون في التعرف عليها من على البعد الذي يسمح لهم بالنظر إليها دون التعرض للنيران أو القذائف القادمة منها، يتسامرون في الليل بالأحاديث ونسج القصص عنها، كان هناك ذلك الفتى اللطيف الذي ينام في السرير أعلايْ يحب أن يحدثني عن الفتاة التي أحبها داخل البلدة، كان دائماً ما يكتب لها رسائل، ثم يمررها لي مستفسراً عن رأيي فيها، ثم يضمها في جيبه قائلاً لي ” سأرسلها لها غداً، مع رصاصة”، كنت أسأله ” هل تعرفها؟ هل تراها؟ ” محاولاً أن أجد أي شيء يدلني لحل شفرة البلدة، فيقول لي ” لا … لا أعرفها، ولم أرها حتى الآن، ولكني أتخيلها بشعر أحمر قانٍ، كأنّه قد صبغ من دم أحد أبطال القرية، وأتخيل جسدها سكري الملمس” ثم يضيف لي ” ولكني أعرفها”، فأحدق فيه بتعجب دون أن أخرج بأي شيء يفيدني، أقول له ” هل جربت ودخلت البلدة من قبل؟ أقصد حتى قبل الحرب؟!” يقول ” لا، هذه أقرب مسافة قد اقترتب فيها يوماً من البلدة ولم أعرف بوجودها قبل الحرب، ثم أنك تعرف بأن لا أحد يستطيع أن يتعدى الخط الفاصل الذي وضعه القادة كي لا يتأذى أحد دون فائدة، أقصد عدا الجنود الذين يحاولون الاقتحام يومياً”، سألته ” لم تكن يوماً ضمن أية فرق للاقتحام؟!”، ” لا”.

كنت دائم التفكير في البلدة، شوارعها المرصوفة، وإشارات المرور داخلها، شكل الصباح وهو يلفها، حاناتها ومواخيرها، ورائحة الخبز التي تعبق من مخابزها، العرق الذي يتسلل داخل صدور نساءها، والغنج والحب والدموع والأفكار في أناسها، أفكر في شراسة مقاتليها، وإلى أي شيء حولتهم الحرب، إلى حيوانات ضارية أم أرواح مقتولة، وكنت دائماً ما أسأل دائرة الجنود التي عرفتها عن ما يدور في مخيلاتهم عنها، كانوا يجيبون ” لابد أن نساءها سمينات… سأتزوج إحداهن وأنتقل للعيش فيها” ” آه، لم أفكر يوماً فيها.. كل ما أفكر فيه هو العودة إلى حيث أعيش” ” إنني أتخيلها بلدة شرسة، ناسها يشبهون الحيوانات في سحناتهم، وإلا فكيف لهم أن يقاوموا مثل هذه الترسانة المسلحة طوال الوقت ويكبدوننا الهزائم والخسارات دون أن ندري كم مات منهم؟!”، وكنت أنسج شكلاً للقرية من كل رأي أسمعه، أنسج نساءها السمينات الشبيهات باللبوات وأيديهن الضخمة تعودت على ملمس السلاح، لم يعد يرعبهن صوت الرصاص أو سقوط القذائف، أمراً آخراً كان يثير الجدل داخلي هو أننا لم نجرب ولو مرة قبل اليوم الدخول إلى القرية بالجنود وخوض حرب الشوارع فيها، كان جنودنا يصطفون ببنادق الكلاشنكوف في أعلى الهضبة مطلقين ذخيرتهم اليوم ناحيتها آملين أن تصطدم رصاصاتهم بأدمغة أو قلوب مسلحيها، وفي العشاء يتسامرون وقد يقول واحد منهم ” لابد أنني قتلت ثلاثة منهم هذا اليوم!”، وفي مكتب الاتصال كنت أصنع لنفسي نسخة لكل رسالة أسمعها أو يسمعها زميلي عبر الأجهزة خفيةً، وأجلس قبل النوم أحاول مقارنة الرسائل وفك رموزها دون جدوى، أتمعن في السطور المعروضة على الجهاز الغامض حتى يدركني النوم.

يعنّ لي أن أتخيّل الجبهة الشرقية للبلدة وجنودها، ربما يوجد جنرال هناك لم يره أحد، وربما يوجد ضابط اتصال مثلي تماماً يحاول أن يفك الشفرات والرسائل التي تتلوها الأجهزة على أذنيه كل يوم، يعن لي أن أفكر في وجود فتىً لطيف هناك يفاتح ضابط الاتصال غير المتمرس بحبه لفتاة في البلدة وربما تكون ذات الفتاة التي يحبها فتاي اللطيف، يغرس رأسه في وسادته منتظراً دوره في إرسال رسائله صحبة رصاصته آملاً أن تقع في غرفة الفتاة دون أن تؤذيها، يعن لي أن أفكر في وجود ضباط اتصال مشنوقين تفرز جثتهم روائح الموت في المعسكر دون أن يتجرأ أحد على إنزالهم، كما أفكر في أولئك الجنود الانتحاريين الذين يحاولون الدخول للبلدة كل يوم وتلقي بهم الرصاصات والقذائف قتلى على أبوابها، ولا يتجرأ أحد أيضاً على تكريمهم بإلقاء التراب على وجوههم، تتغلغل الديدان يوماً بعد يوم على الجثث الملقى فوق بعضها وتنغرس داخل اللحم البارد، تحتفل الديدان والغربان والذباب بالوجبات اليومية لتلقى هي أيضاً على الأرض ميتة من فرط التخمة، لم أعرف أحداً من الجنود قد كان في الجبهة الشرقية أو يعرف إنسان منها، لم يذكر أحدهم أنه كان زميلاً لأحد الجنود فيها، إذ تفصلنا عنها الجبال في الجنوب والمياه في الشمال، البلدة من أمامنا ولا شيء خلفنا، لم يخرج أحد من أسوار المعسكرين منذ بدء الحرب إلا إلى الموت داخل البلدة، عدا شاحنات الذخيرة والمؤونة التي تأتي مرة كل أسبوع، ثم ترحل في اليوم التالي، أقسم أن لا أحد من الجنود يعرف عن هذه الحرب أي شيء جدي سوى أنه عليه أن يكون فيها، وأقسم أن الضباط والقادة لا يعرفون إلا القليل عن هذه الحرب، يضع الضباط لأنفسهم حاجزاً كبيراً بينهم وبين الجنود، إذ أنهم لا يتواصلون معهم إلا عن طريق الأوامر، ” فلتتقدم السرية السابعة إلى البوابة اليوم”، و” هيه… أطلقوا الرصاص من أعلى تلك الهضبة”، وأشياء كهذه، المثير للتساؤل أيضاً، أن محاربي البلدة لم يتجرؤوا يوماً على إظهار أنفسهم في قتال حقيقي، يبدو أنهم يعرفون جيداً طبيعة جيشنا وطبيعة البلدة ويفضلون أن يفنوا في حرب الشوارع على أن يتقدموا ليظهروا أنفسهم لنا، يعرفون بطريقة ما أن قادتنا لن يخاطروا بالزج بكامل الجيش في يوم واحد إلى أسوار المدينة، وربما يعرفون، أنا لست عارفاً بأمور الجيوش وآلية سيرها والتدريب ومخططاتهم، بل لأكون صريحاً… لم أتلقى من قبل أي تدريب عسكري، كنت مجرد عامل قهوة، نعم، عامل قهوة في المدينة أبحث عن عمل بمرتب جيد، كنت طيلة النهار أمام آلة صنع القهوة، ألتقي بالعديد من الوجوه كل يوم، كان من زبائن المقهى الجنود ورجال الأمن والمخبرين وكل أولئك البشر الذين كانوا عبارة عن شفرات بالنسبة لي، دائماً ما استهواني أن أعرف عن الزبون كل شيء في الدقائق الخمس التي يتعين علي فيها أن أجهز له قهوته، في البدء أحاول حفظ القهوة التي يشربها خصوصاً عندما يشدني شعور ما أنه من الممكن له ان يتحصل لي عن عمل، عندما أراه مرة أخرى أسمي له قهوته ليبادلني بالابتسام والتأكيد، هنا… أكون قد فتحت قلبه للحديث، أخبره بصعوبة الحياة وأن معاش عامل القهوة ليس كافياً، فإما يبتسم ابتسامة خجولة أو يتحدث، استبعد ذاك صاحب الابتسامة الخجولة، وأفتح العديد من الأحاديث مع المتحدث، كانت لدي استراتيجية أتبعها مع كل زبون، واحد فقط… كان من مظهر ملابسه وخشونة يديه يقول لك ” أنا ضابط في الجيش”، قال لي ذات مرة ” لما لا تتصل بي، ربما تحصلت لك على عمل أفضل”، وهكذا وجدت نفسي أستمع للرسائل بدل أن أستمع لطلبيات القهوة. وأظن أن الجميع في الجيش لديهم قصة وراء كل ذلك، ربما حتى القائد الذي أظن أنه عقيد عجوز قد يكون بعد كل ذلك مجرد شاب لم يجد له عملاً فألقاه القدر قائداً للقوات في هذه الحرب، ربما قد يفسر هذا كيفية عمل جيشنا، وتلك السرية والغموض التي تكتنفه وتكتنف هذه الحرب. وربما قد يكون عامل القهوة في جبهتنا مجرد فتى قد ترك دراسته وتجول في الشوارع دون عمل، مما يفسر عدم رؤيتي له في مكتب الاتصال مصحوباً بالقهوة، التي قد لا يجيد حتى صنعها.

وربما، هذه مجرد ترهات عامل قهوة قد صادف أن أصبح ضابط اتصال.

أمضيت الأيام قبل هذا اليوم في فك الرسائل وشفرات الجهاز الغامض، وأعتقد أنني وصلت إلى حل، استخدمت قدرتي كعامل للقهوة في تحليل الناس لتحليل هذه الرسائل والشفرات، في البدء حاولت أن أحفظ الكلمات المتكررة في الرسائل، كانت كلمات ” قتلى” و ” لا أحد” و” لا شيء” تختبئ داخل كل رسالة، ” جنوب…شمال، 5 قتلى، لا شيء، لا تضرب، لا أحد….”، حاولت معرفة المقصود من كل كلمة، قد يكون السيناريو كالتالي: تسلل إحدى الوحدات من الشمال والجنوب، ودخولهم في معركة وسقوط 5 قتلى من العدو أو منا، دون أن يستجد أي شيء في حال المعركة، وقد يكون التالي: لا شيء في الشمال حيث البحر، ولا في الجنوب حيث الجبال، وأن الأمر تطلب خمسة قتلى لمعرفته، عدة سيناريوهات عكفت أكتبها ومن مجرد معرفة كلمات الرسالة، ولكن أكثر كلمة أعجزتني هي ” لا أحد”، تجدها في كل رسالة تقريباً، لا أحد قد قتل؟ لم ينجو أحد؟ لا أحد ماذا؟ وما كل تلك الأرقام التي تخرج من الجهاز الغامض ؟ ولماذا سميَ هكذا؟ إن الأمر مؤلم أن أكون عامل قهوة لم يعرف يوماً الشفرات المستخدمة في إرسال الرسائل والأحداثيات والأوامر السرية، وقد لا يوجد أحد في الجيش حتى القائد نفسه من الممكن له أن يحل هذه الشفرات، لهذا كان دائماً ما ينتابني ذلك الشعور أن الجيش بأكلمه كان عبارة عن ممجموعة من العاطلين عن العمل، حيث لا أحد منهم كان متمرساً ومتدرباً تحت أعراف الجيوش، أنا لا أعرف ما هي أعراف الجيوش، ولكنني أعرف أن جيشنا غير متدرب عليها، قبل اليوم الأخير لبدء المعركة الأخيرة… قد قررت أن أعترف بعدم قدرتي على فعل أي شيء حيال كل هذه الشفرات والرسائل، وعندما سمعت بأوامر القائد بالهجوم النهائي على البلدة قررت أن أتطوع.

” هيا … لا يتهاون أحد، علينا أن نقضي عليهم جميعاً” جاءت الأوامر من القائد، وكان علي أن أجهز نفسي بسلاح ما، تحصلت على كلاشنكوف، كانت رغبتي في الدخول للبلدة أكثر من ذي قبل، ربما مفتاح حل الشفرات هو الهجوم على هذه البلدة، عندها، وكما أعتقد سيتضح كل شيء أمامي، وحتى وإن تلقيت رصاصة أو قذيفة. استعدت جميع الوحدات للهجوم، ودقت ساعة الصفر. إلا أن أمراً مفاجئاً قد حدث، بدى عند تقدمنا نحو البلدة أن سكانها قد أذعنوا أخيراً، لم نتلقى أية رصاصة، أية قذيفة، أية مقاومة… كنا فرحين بذلك، كان الجنود كجيوش النمل يسرعون فاتحين، وعندما يصل المشاة والآليات إلى بنياتها تختفي داخل خيط الدخان الذي ألم بها، دون رجوع صدىً لأي اشتباك، كنت في مقدمة الصفوف، وعند تقدم وحدتنا للقرية كانت تلفحني خيالاتي، سنرى رجالها الأشداء راكعين وأيديهم خلف رؤوسهم، أسلحتهم التي قاوموا بها ستكون موضوعة أمامهم، وستكون النوافذ والأسطح التي يطلقون منها النيران خالية منهم لأول مرة منذ أشهر، سنرى جثث مقاتلينا في بواباتها، وسيتقطع قلبي على كل أولئك الذين سقطوا في شراك هؤلاء القوم الأشداء، سيبحث الفتى اللطيف عن فتاته وقد يقبلها عندما تعرف أنه هو الذي كان يرسل رسائل الحب، سنرى النساء السيمنات الشديدات واللاتي قاومننا أيضاً.

واختفت وحدتنا تحت دخان البلدة، تذكرت الرسائل والشفرات ” لا أحد، شمال، جنوب، لا تضرب”… كان جنودنا مرتبكين، لم يكن هناك أحد في البلدة، لا في البنايات ولا المنازل، كأن شيئاً ما ابتلع أناس البلدة، ربما يكونوا قد ارتكبوا في حق أنفسهم انتحاراً جماعياً، ولكن لا، أطلقت رصاصة حفت أذنيْ، هرع الجميع لأن يأخذوا مواقعهم وبدأ أزيز المعركة يشتعل، خرج من الدخان جنود لم يسبق لأحد أن رآهم في المعسكر، كانت ظلالهم التي يخبئها الدخان تؤكد خيالاتي حول أولئك القوم الأشداء الذين ظلوا يقاوموننا طيلة هذه الأشهر، أصابني الذعر… ركضت هارباً من المعركة، وجدت نفسي مقتحماً إحدى البنايات.

” يبدو أنهم وحوش، يجب علي أن أبتعد عن النوافذ كي لا تلقي رصاصة ما بتحتفي”، كانت المعركة تستعر في الخارج عندما كنت أتجول مذعوراً داخل ردهات البناية، لا أحد هنا، يبدو أنها هُجِّرت من سكانها، كان الخوف يتخبطني دون أي ردة فعل مني، لكن فضولي لمعرفة هؤلاء القوم لم يغادرني رغم الخوف الشديد، كانت هناك شقة مفتوحة، ألقيت بنفسي داخلها دون أن أفكر. كانت خالية، لا أحد هنا، لا أثاث، لا أثر لحياة كانت هنا تعيث فيها أنفاساً، يبدو أنها إحدى البنايات غير المكتملة العمران، خرجت منها، أسمع أزيز الرصاص وزمجرة القذائف في الخارج، ربما سيفنى جيشنا، على أيةِ حال، لابد من وجود سلاح فتاك يستعملونه لكي يبقوا على قيد الحياة حتى الآن، بهذا القدر من المقاومة، لكن كيف يمكن لهم أن يقاتلوا في جبهتين، شرقيية وغربية؟ فضّلت أن أبقى مختبئاً حتى نهاية المعركة، ألقيت بسلاحي جانبي، وجلست القرقصاء أنتظر انتهاء المعركة.

الليل، كم هو هادئ وكم هو مخيف هدوءه، كانت المعركة في الخارج يبدو عليها أنها انتهت، سأتشجع للخروج ولو أمام البناية، أمسكت سلاحي، ولامس هواء الكبريت شعيرات أنفي، كانت الجثث ملقاة في كل زاوية، كان العديد من جنودنا ملقىً بهم في الأزقة، إما جريحاً، إما قتيلاً، كنت أريد أن أرى أولئك الأشباح الذين كانوا يهاجموننا، بحثت عن جثة لا أعرفها، في إحدى الزاويا كان أحد الجرحى يئن من سقوط قذيفة أصابت قدمه، هرعت إليه، لم أتبين وجهه، كأني أراه لأول مرة، أستعددت لإطلاق النار في أية لحظة، كان هناك، دون حراك، ببدلة تشبه لباس جنودنا، عندما اقتربت منه ارتابه الذعر مني، كما ارتابني الذعر منه، قال لي ” لا تطلق… أرجوك”، ” أنت من؟!” سألته، ” أنا… أنا… مجرد جندي، إنها الأوامر، أرجوك، يمكنك أن تحتفظ بي أسيراً”. ” إنها الأوامر؟! أوامر من؟!”، ” القائد” ولفظ اسم قائدنا، حدقت فيه ملياً، إنه واحد منا، لم أره يوماً، لكنه واحد منا، قلت له ” من أي جبهة أنت؟!”، ” من الجبهة الشرقية”.

إذاً، فنحن لم ندخل في معركة ضد العدو، بل دخلنا في معركة ضد جيشنا، ضد جنودنا من الجبهة الشرقية، إن الأمر مثير للسخرية، جلست أضحك بسهتيريا بجانبه، قلت له ” أنا من الجبهة الغربية”، وعندها مرت تلك الرسائل عبر رأسي ” لا أحد”، لا أحد هنا، إننا كنا نحارب السراب طيلة هذا الوقت، وكل تلك القذائف والمعارك كانت عبارة عن حرب بين جبهتنا الغربية والجبهة الشرقية… على الأقل، استطعت أن أحل الشفرة في نهاية الحرب.

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s