لاخضر


rumi 3

أوقفني، كنتُ أحترق لأن أغزل الطريق صحبة أحدهم، رأى حرقتي، كان الحرق قائظاً والشمس تنحدر إلى زوالها على رؤوسنا، قال لي: هل من قداحة؟ نظرت إليه، كان خالياً من أية ملامح، وجهه لا يبدي لك شيئاً، لا بالود أو ما دونه، لونه يشبه الكتب القديمة، صوته عقرب ساعة وتميمة ما على جيده من النحاس بها صورة سلحفاة، كنت دائماً ما أنجذب نحو السلاحف، انحدرت إلى عقلي ذكرى سلحفاة كنت أملكها، قال لي عندما أشعل سيجارته: ما رأيك أن نتسامر حتى نهاية هذا الطريق، حدجته بنصف عين أتفحص نواياه، لا يمكنك أن تثق بأحدهم هذه الأيام، لا أحد، لكني أضعت شيئاً ما في هذا الطريق، سمكٌ ربما، رفيق ربما، لم أعد أذكر.

قلت له: إلى أين؟

قال: اتبعني فقط. كان واثقاً، أخذتني صورة السلحفاة المتدلية على رقبته، كنت أريد أن أسأله عن الحانوت الذي ابتاعها منه، لابد أن للسلاحف حوانيت خاصة بها، كان رفيقي يحدثني عنها، حدثني مرة أن للسلاحف محافل تتجمع فيها، يتطلب الأمر مسيرة عقود حتى تصل إليه، لهذا فهي طويلة العمر، إن الوقت عندهم لا كما عندنا. وبها ثقة أنها ستصل في نهاية الطريق، كانت ثقة هذا الغريب كثقتها، تبعته، كان صامتاً لا يتحدث معك إلا عندما يريد أن يشعل سيجارة أهرى، مررنا بزقاق ضيق في المدينة، أنت تعرف أزقة المدينة الضيقة، المكان الملائم لإختباء السلاحف والمتسكعين، إمرأة تنشر ملابسها الداخلية على حبل غسيل يعلو الأرض النزقة بمسافة ثلاثة طوابق، وأطفال كثر، عجزة متذمرون يلقون بتذمرهم على الحيطان، أصوات تذمر سائقي السيارات تختفي ببطء، وقلبي بدأ يدق بسرعة، كان الزقاق ظليلاً، لا يمكنك أن ترى شعاع الشمس إلا إذا نظرت إلى الأعلى بعيداً عن المرأة وملابسها الداخلية، بعيداً عن الموسيقى التي تخرج من إحدى الشقق، لا تراه إلا منعكساً على الحيطان، أصفراً كالبول، رائحة طبيخ تأتي من نافذة يلعب تحتها طفل صغير، كانت ملابسه تدعو للرثاء، تطفح طبقة من القذارة على جلده النحاسي، كان يحاول أن يمسك بقط شارذ، يتصيده، ويحكم إغلاق المخارج حوله حيث أصبح القط محجوزاً في زاوية، مخرجه الوحيد من تحت قدمي الطفل.

حدج صاحبي الطفل بنظرة باردة، كان الجو يجلدنا بالصمت، قلت له محاولاً أن أفتتح محادثة ما لكسر الملل الذي بدأ يتلقفني بعد أن اختفى الإحساس الذي كنت أحس به عندما تبعته: آه… أطفال هذه الأيام، إنهم يفعلون أشياء!! لكنه نفخ ما تبقى من سيجارته وألقى بها في حركة خاطفة، تناثرت أجزاؤها على الأرض كأنها ألعاب نارية، تقدم نحو الفتى، ألقى به أرضاً، وأمسك بالقط قربه إلى وجه الفتى، كان القط المذعور يحاول الفرار مبرزاً مخلابه صارخاً بمواءه، صعق الفتى الذي أصبح الخوف يملأه عندما بدأت مخالب القط تمزق ملابسه، كان صاحبي يبتسم ممسكاً بالقط كأنه كيس قمامة مقرباً إياه إلى وجه الفتى، وقفت أنظر المشهد، ضحكت قليلاً لكنني انتابني قليل من الألم اتجاه الفتى والقط، حاولت أن أتحرك لكن حركة من صاحبي فاجأتني، أخرج سكيناً بيده، ممسكاً بالقط المسكين، واضعاً قدميه على الفتى، ثم ممراً السكين في بطن القط مبتسماً ابتسامة غريبة، مزق بطن الحيوان المسكين، انفلتت الدماء على ملابس الفتى، قال بضحكة سخيفة: هكذا تعذب قطاً! كان الفتى يصرخ، وضع صاحبي يده على فم الطفل، كانت يده الخشنة تحاول أن تمسك بالفم المجنون والعينين الشلالتيْن، ناديته: هيا! كفاك لهواً… لقد ارتعد المسكين، أنظر إلى سرواله قد تبلل، إنك قد علمته درساً لن ينساه! ولم أفهم لماذا قلت ذلك، فهو لم يلعمه شيء، كل ما قام به هو قتل القط المسكين. نظر نحوي مبتسماً…شيء في ابتسامته يجعلك تتجمد، حاولت أن أهرب، لكنه ناداني قائلاً: إياك أن ترغب عني، فالطريق أمامنا…ثم ذبح الفتى!

أسرعت هارباً، خرجت من الزقاق دون أن أنظر خلفي أسأل ما هذا الجنون، توقفت في نهايته أنظر خلفي، فاجأني وجهه المنغرس خلفي، كان أسرع مني، حاولت أن أهرب إلا أنه أمسك بملابسي، صوبت باتجاهه لكمة تخطاها وردها بلكمة قوية، ألقاني أرضاً أنظر نحو يده القاتلة، كان السكين لازال في يده، بدأت أشعر بأن الموت يقترب، نزل ممراً السكين على رقبتي ثم قال: لا تجالدلني فيما لم يأتيك خبره. كان اللعاب يخرج من فمي ممزوجاً بدمٍ من أثر اللكمة، بصقت على وجهه، بدأت أشعر بالسكين ينغرس في نحري أكثر، قال : ستكلم معي الطريق! لازال بارد المشاعر، بلا ملامح، أدخل يده في جيبي، أخرج القداحة وأشعل سيجارة. تنفس كأنه يرتاح من مهمة أجهدته: لا تسألني عما أفعله وسأجيبك عندما ننتهي من الطريق، ما رأيك؟ لم أستطع أن أناقشه، كنت في مكانة حيث لا رأي لي يهم، فكرت أنه علي أن أبلغ عن هذا المعتوه، فكرت في أن أستدرجه إلى أقرب مركز للشرطة، فكرت أيضاً أنه علي الهرب قبل أن أنتهي كالفتى. ولكن الإحساس الذي كان يراودني منذ البداية ناحيته عاد، تعطشت لمعرفة هذا الكائن الصخري، ما الذي يجعله يقتل فتىً بدم بارد ثم يقول: دعني أفعل ما أريد وسأخبرك عن كل شيء، تذكرت الخضر وموسى، كيف جعل موسى يتبعه دون سؤال، كنت أقول: ربما هذا الفتى سيكبر ليصبح آمراً لكتيبة، ثوري متعطش للخراب أو إرهابي سيقتل ألفاً أو ألفين، فالمرء لا يعرف ما تفرخه هذه الأزقة، يكبر المرء على ذبح القطط وتخويفها، ثم سرقة الجيران، ويكبر الوحش داخله كلما تقدم في العمر، هذا الفتى قد يكون كفتى موسى الذي كان سيجعل من حياة والديه بائسة.

سألته: ما اسمك؟

لاخضر. قال ثم سحب سيجارة أخرى.

مررنا بموقف للسيارات، كانت مجموعة منها مصطفة بطريقة عشوائية، هذا الشعب لا يتعلم، فكرت. ثم شدني صاحبي الذي تحرك نحو سيارة من ذلك النوع الذي يمكنك أن تموت رمياً بالرصاص وأنت تقودها فقط ليتكون ملكاً لقاتلك، وأقسم أنني شممت رائحة فكرة ما تفوح في رأسه، أشعل سيجارة ثم شمر عن ساعديه، كانت يداه كيدي الله تحمل البطش لقوم يكفرون، كانتا غاضبتين، متأصلتين في الوعيد، أمسك السكين المضمخ بدماء الفتى والقط تشق طريقها نحو العجلات تثقبها، برك صغيرة من الدم الأحمر المسود تلوث إصبعه الخنصر، وفي حافة القوس الذي يفصله عن السباب، راح يطعن العجلات الأربع ثم يكسر زجاج السيارة، كانت ضرباته خفيفة حتى لا تشعر بأنه يفعل أي شيء سوى تصليح الإطارات أو إيجاد مشكلة في الزجاج، نظرت مشدوهاً ناحيته، لم أستطع أن أجادله، أصبحت أحملق في المكان بحثاً عن أي إنسيْ يمكن أن يرى هذا المشهد التخريبي، لحسن الحظ لم يكن هناك أحد بالموقف، قال عندما انتهى ببرودة أعصاب: هيا لننطلق! أمامنا محطة أخيرة نتوقف عندها ثم أخبرك بما بدى مني، ولم أشعر بيدي تلاصق وجهه. لكمته، فسقط أرضاً، ارتميتُ عليه ثم رحت أملأه ضرباً. لكنه بحركة ماكرة، انقلب علي، أخرج سكينه، شعرت ببرودتها، قلت له موجهاً الشتائم نحوه وهو يمسك بي كفرخ دجاج: لا أريد أن أتبعك، أنت في طريق وأنا في الأخرى. قال لي بسخرية: ومن أين سأحصل على قداحة؟. حاولت أن أصل إلى جيبي، أخرجت القداحة وحدفتها، قلت له: هذه هي…دعني. نظر إلي متفرساً، بانت في وجهه علامات استهزاء، قال: أنا لست بمغتصب حق أحدقهم! ولكنك قاتل ومخرب. قلت. نهض عني وجلس على الاسفلت وراح ينفث ما تبقى من سيجارته، أشعلت سيجارة وغبنا في صمت.

ثم إننا مررنا بأحد أزقة المدينة، كان هنالك رجال جالسون، تحرك ناحيتهم لاخضر وسألهم: هل من قداحة؟ لمحتُ أحدهم كان يشعل سيجارته، دار في ذهني أنه مخادع وماكر، إذ لما سألهم عن قداحة وأنا أحمل واحدة؟ رفض الرجال أن يضيفوه، قال له أحدهم وهو يشعل سيجارة: لا ليس عندنا من قداحة. كنت أنتظر ردة فعلة، دعوت الله أن لا يقوم بأية حماقة. شكراً، قال ثم تابعنا طريقنا حتى نهاية الزقاق، وجدنا حائطاً عتيقاً يبدو كأنه يتكئ على بيت آيل للسقوط، قفز منقضاً عليه فأسقطه، ألم تسول لك نفسك إلا أن تنقض على هؤلاء الفقراء؟ صرخت فيه، كنت قد بدأت أتأفف من صحبته، وددت لو كان لي سكينه لغرسته في قلبه وهربت… وددت لو سرقت منه صورة السلحفاة التي سحرني بها، مزقت أحشاءه كما مزق العجلات وكسرت له أسنانه ثم هدمت عظامه. ثم تابعت في هذري قائلاً: أتحسب نفسك الخضر صاحب موسى؟ تقتل ذاك الفتى، ثم تخرق السفينة ثم تنقض على حائط ليتيمين كان أبوهما صالحاً؟ ماذا ستقول لي مثلاً؟ أن الطفل سيكبر لينضم إلى تنظيم الدولة الإسلامية ليذبح الناس؟ هل ستقول أن السيارة لفتىً ستوقفه بوابة وهمية وتؤخذ منه السيارة غصباً؟ لابد أن تحت هذا السور مال وفير سيغني هؤلاء المساكين…بالطبع! كنت أنتظر حركة منه أو علامة، لكنه لم يحرك ساكناً، كل ما فعله أنه انفجر ضاحكاً بسهتيريا…كان ضحكه جنونياً كمن اكتشف النكتة التي ستجعل الناس جميعاً يضحكون، حاول أن يلتقط أنفاسه أخيراً بعد مضي دقائق ثم قال: لا شيء من ذلك أيها الأحمق، بل فعلت ما فعلت لتجزية الوقت واللعب.

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s