هذي المدينة


maxresdefault

يمكن لهذي المدينةِ أن تفرح

كما يمكن أن ينتشي المرء من قذارة أزقتها،

أو يُنسى في حيطانها عبر الزمن…

يمكن أن يخدشها الحياء،

يمكن أن يُخدشَ…

يمكن أن يبيعها تاجرٌ بلا ثمن..

يمكن أن تحيى شاعراً،

يمكنُ… أن ينتحر خوفاً من أن يلطخه العفَن..

أرضيتي زيتٌ زيتون ترجل شاحنةٍ لفلاحٍ يحلم بفتياتِ غريان،

سمائي ضوءٌ يكسي حلةً خضراء لقومٍ عراةٍ،

لن تعرف بينهم عريان..

يمكن للحكايات في هذي المدينة أن تكتب،

ولا شاعرٌ يأبه بالورق الذي يمشي في حافة طرقاتها..

لا شاعرَ يأبه بالعرق الذي يسكبُ على عتباتِ حاناتِها..

حاناتُها؟

لا حانات في هذي المدينة تخبئُ في قرع كؤوسها حكاياتها…

ولا كسٌ يريح هذا البدَن..

أو ذاكَ البدَن..

أنا صعلوكٌ لا أنتمي لحرارةِ الصحراء،

لا أنتمي للشبق الذي قد يخطف من عينيْ حبيبتي وحش الجفاء…

لا أنتمي للسيءٍ فيها ولا الحسن..

ليس لك أن تخطو مثل خطوتي،

ولا أن تدفق فيك مثل ما تدفق في صدري الحياة…

فلا تجزع إن لم أكن كما كنت تريد،

لا تجزع،

فإما أن تصيب أو تخطئ بالسهمِ الفتاة..

يمكن لهذه المدينة أن تتجشأ في الصدرِ الرصاص…

يمكن أن يقبل فمك نهداً من إجاص…

يمكن للخلاص أن يكون سجناً…لا مناص!

يمكن أيضاً أن تُجَن…

يمكن أن تحب عصفورةٍ لا تحبُ أن تحب..

تسألها:

هل تبقى من ما يجاد على الفتى من عذابٍ عندكِ؟

هل تبقى، أم كنتِ تُسقيْن من بئر قد نضب؟

هل تبقى؟

ألم تنظري أنني، قد سبقتكِ إلى السماءِ،

فأنا الآن أمامكِ،

بعيدٌ،

هناك في الجنانِ فوقكِ..

وأنا الآن أروّض الأيام:

مجفلة،

فرسٌ غرورٌ تركل الأحلام خلفكِ،

أطوعها..

أقيد عنقها، أحركها، أوجهها،

إنّ كبوتِي لا في العيشِ الضُنَّكِ..

إنّ كبوتي أن أراكِ ثانية،

يراود فؤادي هواكِ وحبكِ..

إن كبوتي أنّ إليك فؤادي يوماً يحن..

أطعمتُ الزهر الذي ابتعته،

من أجل عينيكِ للقذارة،

تتنفس هواها عنّي وعنّكِ..

سلِي الكنائس والمساجد،

هل صليتِ مثلي لربٍ غير ربكِ..

أشربتِ من مرارةِ هذي المدينة:

النظام القهقهريٌ…

أو العبث المتكي..

أذقتِ من لفحِ كربها

ما قد يسكتُ:

روحي التي كانت تشتكي.

أتعثرين في الكتب التي تقرأين:

ما يميتُ من البِكي؟!

كيف الهوا عندكِ،

كيف الحكي… لساتوا حكي؟

ألازلتِ تحلمين بفارسٍ،

يأخذ اسمكِ مدبريْن عن مضاربِ أهلكِ؟

أم هل تنتظرين موظفاً،

يقبل ما بين أفخاذ الملوكِ

وفخذكِ..؟!

يمكن لهذي المدينة أن تُجَن..

لا الحياة فيها كالحياة،

لكن الموت هنا فنٌ كأي فن..

يمكن لهذي المدينة أن تبصق

في وجوه العابثين

لكن بصاقها يلطخ يوماً بعد يومٍ قلوب الطيبين..

لكن سبابها لا يسمع القوم الكافرين..

لكن فخذها لا يمسه إلا السافلين..

أمر على حواري الله فيها منادياً…

روحاً تسطر عنِي خيبتي،

أن تتجلى وحدها،

أراها…

في تشكيل الأنثى،

أراها في السوق تبيع العطر للمتسكعين..

تبيع غمزاتها للشبابِ الممتهن..

أراها: غانج تبيع الجمال للمهزومين على عتباتها،

أراها تسوق لله سلعةٌ للقديسين..

رافعين رؤوسهم مؤمنين بجمالها وجلالها..

أوشك أن أطبع رائحة جلدها،

أوزعها على أهل هذي المدينة…

ربما يغسل أدرانهم الشجن..

أوشك أن أحرض الغرباءِ من الشعراءِ ليسمحوا لقصيدةٍ

أن تهدج بآهاتها…

أوشك أن أحفر أنفاسها في شفتيْ..

أخرج الكلمات وفق لسان قومها..

أن أسلم دمعها خديْ…

وكأني متُ،

فأعادت خلقي أو صبغي..

رتبت مسيرة عمري، والأيام التي سأقضيها في عبادة روحها..

ألقت على جسدي الرقص على ترنم صوتها،

أو إنحاءُ ردفها..

أو ذاكَ الحسَن!

يمكن لهذي المدينة أن ترتب أغراضك

وتحض قلبك على الرحيل..

يمكن أن الخروج من أسوارها شيءٌ مستحيل..

يمكن أن تحال فيها أو تحيل…

يمكن،

أليس الجحيم فيها يحبس آدمَ عن عدن؟!

راقصت الأيام فيها،

أحببت تكون الصباح بين أفخاذِ حواريها..

وارتويت من حسن شرابها،

ومن الأسَن!

تكلمت في خضمِ صمتها،

وسكتَ لما حلفتك أن تحكي عن لوحة في حائط يواري حورية،

للحورية جسد يبكي الصدر المنحوتِ في قلب عاشقٍ يواريها..

إفتقدنا الكأس المؤتمن..

أنا من أنا؟!

أنا نورس العربية،

تبللني الأيام بحثاً عن كلمات..

فبطني مليءٌ بالكلم..

لا نهاية لقصيدتي..

قصيدتي غذاء يومٍ

أصطادها في غفلةِ تراود عين الزمن..

أنا حيرة يونس..

في بطن قصيدةٍ تبحر بلا رجاء

شجرةُ اليقطين تنتج،

ولا أملك اليوم غذاء..

ولدت لأموت بلا كفن..

أنا وهذي المدينة وبيني وبين أسوارها دركٌ وجبال من عطن..

بيني وبينها بنادق ممشوقة،

ومنابر تنادي: يا حسرتاه على الحسين وعلى الحسَن..

وشيطان ينادي:

حي للسائلين..

حيّ… تشترون مني بضاعتي،

على أن أشتري منكمُ الشيء الثمين،

لا ترغبوا عني…

فمثلي،

تاجر أتى هذي المدينة يوماً..

أجمع التجار أن يحرقوا حانوته..

قبل أن يحصد رزقه،

فتكبر دعواه،

فيؤتمَن..

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s