مجنون اغزالة


gazella

مرر الموسى على معصمه، كانت الشفرات المتآكلة بالكاد تشق طريقها نحو جلده، فلحمه، فأوردته تمزقها، ينفتح مجرى الدم فيسري متدفقاً ليكسب يده لوناً وردياً فأحمر،، الألم الذي يحمله قلبه أخفى عنه ألمه سرعان ما تخفيه رعدة، فخدر، فاختفاء.

شغفته حباً، كان يحلم بها كل ليلة، يرى نفسه في مكان الغزال، لطالما حسده، ظلت في مخيلته طيلة سنين حتى تمكن من العمل في المدينة، كان يعمل قريباً منها بمركز الشرطة بشارع البلدية، يفضل أن يلقي بدوامه اليومي محركاً يديه في السيارات والناس، يراقب المارة من حولها، يدرس شخصياتهم ونظراتهم فيها، كان في قلبه يدعو على كل واحدٍ منهم يغرس نظره في معشوقته طويلاً، في الليل في فراشه يقتلهم جميعاً في رأسه، السياح الروم الذين يتجرأون أن يحفظوا جسدها في صور لهم أمامها أو حولها مؤشرين بأصابعهم القذرة – دائماً ما كان يخمن أن أصابعهم قذرة- ناحيتها ويختفوا، قتلهم جميعاً في رأسه، أولئك الشباب الصيّع الذين يجلسون على المقاعد المقابلة قبل أن يطردهم مخزنين نهديها اليافعين في رؤوسهم، قتلهم، العجزة والمارة وكل من تسول له عيناه أن يفضح عريها في قلبه. عندما ينهي دوريته، يلقي بجدسه على أحد المقاعد، وينظر إليها بحنان، يخيل له أنه يخاطبها، ويحلم أنه يأخذها بيديه ليريها ما تبقى من أنحاء المدينة، كساها لحماً، كساها شعراً حريرياً، ونهدين ورديتين، كساها فستاناً ليقيها من العابرين، كساها ضحكة تشعره بالسكينة، حكى لها قصته معها، قال لها أن وحشاً غريباً كان يقطن داخله نائماً دون إزعاج، يعيش صحبة الأغنام، متقياً شر العصا التي تراقب حركة الأغنام ومأكلها ومشربها، يأتي إلى المدينة صحبة صاحب العصا مرة كل عام، يأخذه للسوق وعندما يتمكن من بيع أولى شياهه، يجزى بخمسةِ دنانير، يقضي بها يومه حولها وحيالها، يقص لها كل أحلامه التي زارته فيها، ثم يقول لها: لابد أنكِ تعرفين، فقد زرتني، سألتكِ أول مرة ما اسمكِ، قلتِ: اغزالة. كنتِ صحبة حارسكِ الغزال رمقني بنظرة مخيفة كأنه يحذرني أن أقترب، لكنكِ هدأتِ قرنيه المرتجفين، خبرتيه أنني لا أنوِ أذىً، أو هكذا فهمت، ثم قبلتني في فمي، طار عقلي، جننت وولهت، إنه حقي أن أوله بكِ، لا يمكن لأحد أن يسائلني في ذلك، لن يتمكن الغزال من حراستكِ من العابثين أو السيئين الذين يريدون إيذائك، أما أنا فأستطيع، أنا شرطي، أردت أن أكون كذلك لأتمكن من حمايتك، صنعت المستحيل حتى أتمكن من أن أكون بقربكِ، لقد تخليت عن أشياء لا تحصى لأنال هذا الشرف، لعلكِ ترضين به… أعلم أنكِ يا اغزالة ترينني، أعلم أنكِ تحسين بوجودي، ولكن لا تخافي…يوماً ما، تذكري، يوماً ما، سأحميك للأبد من كل هؤلاء.

حدقت فيه بابتسامة سخيفة، كان نهداها بارزان، في البدء استحى من التحديق فيهما، لكنه غالب حياءه ونظر نحوهما مباشرةً، ورديان يعبقان برائحة الحديقة التي تلفها، جسدها مبلولاً بالماء يناشده أن يغطيه، أن يقيه من البرد، خصلات شعرها تعكس الشمس سوادها الحريري المشبعة بقطرات الماء، عيناها التعبتين من التحديق بالغزال، أنفاسها يسمعها من على مقعده الذي يرتاح فيه من شقاء شمس الظهيرة، يختار مثل هذا الوقت للراحة لأنه أفنى وقتاً لمعرفة الوقت المناسب الذي تقل فيه الحركة بالحديقة ويختفي الناس مخليينه في عزلة تمتد نصف ساعة صحبة حبيبته، رآها تكسر المعدن النحاسي الذي يحبسها، كان يتشقق كبيضة، كان مذهولاً، لم تتحرك اغزالة أبداً، كان يلاحظ في السنين الماضية بعض التشققات التي تطرأ على جسدها، كان يظن أنها من آثار تقادم الدهر على جسدها المعدني، لكنها هاهي تفضح السر وراء تلك التشققات، إنها حية، نهضت من على الماء، استيقظ الغزال أيضاً، صاح صيحة لم يسمع مثلها قبل، أنكر ما شهده منه، ازداد معدل دقات قلبه، أمسك قبعته بين يديه واغتصب إنفاعلُه تشكيلها، العرق بدأ ينحدر من على رأسه، سأل نفسه:

  • الشمس قوية اليوم… ذوبتلي راسي؟!

أغمض عينيه، وحكهما جيداً، كان يأمل في داخله أن لا يكون ما يراه وهماً، إنها كما تصورها تماماً، وضعت قدميها الحافيتين على صفحة الماء، مررت بيدها على رأس الغزال، كأنها تطمئنه، واليد الأخرى تملأ الماء في جرة، كان كل ما فيها جميلاً، خجل، اعتراه خجلٌ مفرط كما اعترته رغبة جامحة، ارتشف بلعومه اللعاب المشبع بالسجائر والقهوة وحدق في الجسد المتحرك أمامه، كانت تقترب، يجب أن يغطيها، كيف لها أن تتحرك عارية في مثل هذا الوقت في طريق عام دون خجل، ألا يعتريها أي إحساس إنساني؟ ألا تقدر العادات والتقاليد؟ أهي مدركة بخطورة ما تفعله؟ لابد أنها لا تدرك شيئاً من ذلك، لابد أن الطلياني اللعين الذي حبسها داخل التمثال علمها أن لا تستحي؛ أو خبرها أنها ستكون لؤلؤة إيطالية تعبر عن الحرية، أنها ستعلم هؤلاء الأعراب حب جسد المرأة، هذا المخادع القذر!

خرجت من النافورة، وثب واقفاً لما كانت تنظر نحوه، تحركت نحوه وفي كل خطوة تخطوها كان يجهز مجموعة من الكلمات ليقولها، سيعرف بنفسه، أنا النعمي، الشرطي من المركز ثم يشير بإصبعه ناحية ميدان الجزائر ليؤكد لها أن المركز حقيقي، ليا نحرس فيك سنين، ليتأكد من أنها تعرفه تماماً، كلهم نعرفهم…نفر، نفر. اللي يسبوا فيك، اللي يسبوا في اللي بانيك واللي مخليك، ومن ثم سيحكي قصة عجوز تأتي كل صباح لتمتم بكلمات مثل يا مولاي، استرها كيف ما سترت نساء المسلمين يا رب، تنظر نحوها بامتعاض ثم تولي وجهها بعيداً عنها.

لا داعي لأن تعرف عن اسمها، إنه يعرفه من ذاك الحلم عندما جاءته والغزال ولكنها الآن تأتي بلحمها، بنهديها، بشعرها، بواديها المقدس يقطّر ماءً زلالاً، لم يفكر فيه يوماً، عندما ركز في المكان إلتهب ناراً، تشتت أفكاره، تاهت كل القصص، كل البشر، كل الكلمات… اقتربت منه مبتسمة بسخافة، البلل يلفها، أسرع ليغطيها بمعطفه، ابتسمت ثانية، أجلسها في المقعد، ونظر إلى الغزال، كان يحدق فيهما، قال لها:

  • أهلاً، أنا النِعمي…وأنتِ اغزالة. نظر إلى الغزال ثانية، وأضاف: وهذاك هوَ الحارس.
  • نعرفك، كنت نراقب فيك، حبيت غيرتك عليا… وما قدرتش نكلمك إلا لما استريح قلبي ليك ولنيتك، جيتك مرة في الحلم. ظنها قد قالت.

ومضت تقص عليه انزعاجها، كان ينصت محولاً نظره من عينيها إلى فخذيها إلى رجليها، إلى شعرها ومن ثم جسدها الذي يغطيه المعطف، كان يحاول أن يركز في كلامها، أخبرته بأنها متعبة وأنها أدركت بعد كل هذه العقود أن عليها أن تتحرر من سلطة العيون المراقبة، العيون المندهشة والعيون اللاعنة، أخبرته بأنها اخترته لهذه المهمة وأن عليه أن يبقي الأمر سراً بينهما، أن لا يخبر أحداً عن نيتها للرحيل لأنها لا تعلم ما قد تفعل بها السلطة، قد تبحث عنها لتزجها في متحفٍ رمزاً وطنياً أو تحدف بها مجدداً للنافورة كي يزنيها المارة، العين تزني يقولون؛ عليه أن يستعد لليوم الذي سيتعين عليه أن يساعدها على الهرب لكنه عليه أن يحذر من المتشككين والمراقبين، عليه أن يتنصل من مسئولية حراستها أولاً، سألها كيف؟ قالت له أن عليه أن يترك الشرطة، أن يتطوع في ملابسه المدنية لمراقبة الناس الذين يمرون، أن يدقق في كل تفاصيل المكان، في العاهرات التي تتملئ بهن الحديقة، الشرطيين الذين تقع على عاتقهم مسؤولية حراستها أو تسيير حركة المرور، رواد المقاهي المجاورة، أن يجد الساعة الملائمة لينتزعها من النافورة، خاضت معه حديثاً طويلاً عن خطتها، طمأنته أن كل شيء سيكون على ما يرام ما لم يجذب لنفسه الاهتمام، التسكع في ملابس المجانين والفقراء هي أفضل طريقة لهذه المهمة، حركت يدها على رأسه، ارتجف فطمأنته قائلة: لا تخف، هذا ليعينك على أن تتصرف كالمجانين، جذبت يده ناحية نهدها الأيمن، تحسس الدفء داخله، أخبرته أنها ستصبح له وحده، أنها تنتظر ذلك اليوم الذي يصطحبها فيه في أزقة المدينة، تنام صحبته في هدوء وسكينة دون أن تخاف من عين زائغة قد تؤذيها، فرح، تحرك نحو شفتيها ليقبلها، امتنعت وقالت: كل اللي تبيه، نديروه… بس راجي العلامة، لما اطرابلس تولي ساهلة وظروفها خدّامة. تو استريح، قيّل، لين يجي الوقت اللي فيه نجيك ونقولك وتي روحك راني ليك. ثم غرق في النوم.

استيقظ، وجد نفسه نائماً في سريرٍ أبيض، فزع، انتابه فزع مرهق، كان العرق يتصبب كالنافورة من جسده، رأى فتاةً برداء أبيض تسير في غرفة تملأها رائحة الكحول، فزعت الفتاة من نهوضه المفاجئ، كادت تصرخ، حدق فيها بتعجب، استجمعت قواها، كان يسألها: وين اغزالة؟ اغزالة وين؟! خرجت من الغرفة مسرعة، أحس بحرارة قاتلة في جسده كله، أحس كأن الجحيم تسكن داخله، خارت قوته التي أمكنته من النهوض من السرير فجأة، وسقط نائماً من جديد.

ميدان الغزالة، طرابلس.

تغرق أشعة الشمس المكان المنفتح السقف بعد أن تنحدر البنايات والأشجار لتلقي حضارة روما بفتاة وغزالها بالقرب من البحر، الخلق الكثيرون ينتمون إلى نمط حياة الحديقة التي تلف النافورة، متسكعون، عجزة ينامون على حلم من جعة أويا، مقاهي تنتج أول أكسيد الكربون والأحاديث التي تنقل نفسها من فم إلى أذن إلى فم إلى أذن في كل مقهى تتشابه وتتكرر، يتوقف سائق مركبة أجرة بجانب النافورة، ينظر في الغزالات اللائي يتحركن في المكان ويصدح منادياً على وجهته، يغمز واحدة، يتحرش بأخرى، شرطي مرور يقف تحت الشمس ملوحاً للسيارات، مشيراً بالوقوف هنيهة، بالتحرك هنيهة أخرى، تسقط أشعة الشمس كحد سيف تشق رأسه. لابد أن موظفو الشرطة هم أغلب من يصابون بضربة الشمس، ولابد أن الشمس تصافح جلودهم لتضيف لمسة برونزية عليهم، كسراويل منسية على حبل الغسيل، تصفعهم الشمس، يصفعهم الدهر، ويصفعهم إنقلاب الموازين، منغمسين في دوارة دورياتهم.

كان النعمِي من أولئك الشرطة المصفوعين، بسحنة كسنابل القمح، تهف الريح على جسده النحيل فتهزه، يبدو داخل بدلته التي لسوء حظه كانت أصغر ما يوجد عند تسلمه لها، تسعه هو ونصفٌ آخر منه، يبدو سنبلة ألبِست منديلاً ثم ربطت بحزام لتتضح نحافتها المسرفة، عيناه الواسعتين يزوغ عنهما النظر على رأس الدقيقة، يشبه الضفدع في تشكيل وجهه، إلا أنه كان مهتماً بأناقة الشرطي داخله، يسحب موسى الحلاقة فوق جلد السحالي خاصته كل صباح بعد أن يغطس في دوش يفرغ فيه رغباته، يمشط شعره الإغريقي، ويمرر بفرط بعضاً من عطر الحلاقة على رقبته وذقنه، يمرر أعضاءه داخل البدلة المكوية بعنايته، ثم يركب سيارة أجرته، يحاول تشغيل محركها، يعقد سلكين كهربائيين مع بعضهما في مكان مفتاح التشغيل، ومن ثم يتحرك منطلقاً نحو عمله الصباحي تحمل سيارته التي يعتني بنظافتها ركابه اليوميين، يشاركهم الأحاديث، كانت قصصه المفضلة التي يسمعها منه جل ركابه هي تلك التي يحلل بها السياسة والاجتماع وأهواء الناس في البلاد عن طريق المشاهد التي يراها في حديقة الغزالة، عندما تقوم البلدية بإجراء صيانة على التمثال يقول أنه لازال هنالك أمل في البلاد وأن الحكومة تعمل بجد واجتهاد ثم يسرد قصة العمال النشطين الذين يراهم ينظفون أو يصينون ناحية النافورة، إلا أنه يعتب نظراتهم الشهوانية لتمثال الحسناء، يقول للراكب الذي بجانبه : هل تصدق، ما لقوش إلا يكحلوا فيها!! يضيع ساعتين في سيارة الأجرة بهكذا أحاديث ثم ينطلق إلى مركز الشرطة، يضيع بعضاً من الوقت ثم يسير لموقعه حيث النافورة القديمة، إنه يعرفهم جميعاً، يعرفهم من ملابسهم وطريقة كلامهم، تحركهم، النظرات التي يلقونها كل صباح، يقف بالقرب من النافورة يدير حركة المرور تارة، يتوقف لإشعال سيجارة أو يحدق في الحسناء وغزالها أو البشر، حركاته المحدودة تتيح له حفظ المكان وما يحمله من كائنات، يغيب في الزحام، والزحام يغيب فيه.

تحركت الحياة بالنِعمي بسهولة، كما تفعل مع العديدين، لم يكن ذلك الفتى المشاغب الذي يمكن للحياة أن تعاقبه أو تعرقله محاولةً إيقافه، عندما تريد إيقافه يقف، عندما تريد تحريكه يتحرك، فأر وضع في عجلة دوارة لا تتحرك إلا عندما يضغط زرٌ خارج العجلة، لا يمكن للفأر أن يصله، تملك الفأر طفلة تهوى اللعب، وجدته صغيراً، وضعته في حقل مليء بالأغنام والأشجار التي على الغنم أن لا يأكلها ووالد بمزاج سادي يهوى الضرب والتأنيب جزاءً لأتفه خطأ، الأغنام التي يرعاها الراعي صفيقة تحب بين الفينة والأخرى أن تتذوق أوراق الأشجار والجري في الأرجاء، كان الفتى النحيل ترهقه الشياه المشاغبة فينتهي اليوم بعصا تربت على ألامه، مسبات ولكمات وما يلزم من أدوات التأديب، ظل هذا حاله إلى أن أمكنت له الحياة الطفلة فرصة بيع الشياه لوحده في سوقٍ بالمدينة، كان يمر عليه الناس جميعاً، الموظفون، التجار ورجال الشرطة، يقدم الخدمات والأغنام بأسعار أقل لأولئك الذين يمكن أن يستفيد منهم، ومن ما استفاد منهم أحد الشرطة الذي قدم له فرصة في العمل، أهداه شاةً لزوم التسهيلات، كان يمكن للمرء أن يوظف حيث ما يشاء لو دفع شيئاً ذي قيمة أو عندما يحصل على الوساطة المناسبة، هكذا هي الأمور هنا، الأمر لا يحتاج تعقيدات المقابلات أو شهادات خبرة أو دراسة، كل ما يحتاجه الأمر هو وساطة أو عمولة. لكن النعمي كان يملك رهاباً ما، خوفاً امتلكه من عدد العصي التي كسرها والده على جسده يجعله غير واثق بعلاقاته مع الناس، تأتأة لزوم الحالة النفسية، يخاف أن تضيع منه الأشياء، وحلم بفتاة أحبها في أول يوم دخل فيه أسوار المدينة أو دخلت في قلبه تلك الأسوار.

أطلق عليه زملاؤه أسماءً عديدة: النعمي التأتأة، العيون الزائغة، الختشة، لكن أشهر أسماءه كان النِعمي اغزالة، ذلك الإسم الذي أطلقت شائعات حوله، قيل أنه أحب بنت عمه التي يصادف أن اسمها اغزالة، استغلت الفتاة التي ملت من الحياة داخل أسوار العائلة، اغزالة الطرابلسية التي يرغمها حب والدها لمدينته الأم أن يجعلها مرتبطة بواقع لا يعجبها، قيل أنها استغلت عشق ابن عمها لها، وجعلته يغرس شيؤه في شيئها، شغفته حباً واضطرمت نيرانه لكنه لم يكن يدري ما تخبئه له المقادير، في حظيرة الشياه استفردت به، همت به وهم بها، نزعت عنها ثوبها واستلقت تناديه تعال، لما رأى ما رآه لم يتمكن من التوقف، اندفع ناحيتها، كان المأوى مليء برائحة الشياه وثغائها، كانت تثغو في كل مرة ترى فيها إنسياً، إنها تدرك أن حاجتها عند هؤلاء أصحاب القدميْن، لم تتوقف الشياه اللعينة عن الثغاء، كان يتمنى لو استطاع أن يخنقها جميعاً لكن لا مكان آخر يمكنه من فعل ما يشاء، تأوهت الفتاة وأشرت على المكان المرغوب، كان قد نسيَ شيئاً واحداً فقط، لم يوصد الباب حيث لم يعتد أن يوصده أبداً عندما يدخل الحظيرة، كان ليتمكن منها ولج داخلها ونسيَ نفسه، تحركت به الرغبات حتى أوقفه صوت حركة الباب، التفت فرأى ظلاً يغيب في الضوء الذي ينفذ في المكان المظلم، أسرع في النهوض، قفز فزعاً، ومنذ تلك الحادثة هرب الفتى الذي أدرك حجم الفضيحة التي يمكن أن تطرأ، جمع ما تمكن له من مال وقصد المدينة ولم يعد، كره ذوات القرون، خافها، إمتلأ قلبه حقداً على الأغنام وما شابهها. قيل أيضاً أن اغزالة هذه ليس إلا تمثال الحسناء الذي يحرسه الفتى الريفي عشقه عندما كان بالمدينة أول مرة مع أبيه، عندما كان فتىً قد بدأت رغباته بالتفتق، كان صحبة والده الذي أخفى عينيه عنها استحياءً، أمره أن يغض البصر لكنه وجد عينيه مسحورتين بالجسد المتمثل أمامهما، لم يتمكن من أن ينسحب بهما اتجاه أية زاوية أخرى، ظلتا مسمرتيْن في تفاصيلها، إنه قد رأى جسداً كهذا مرة، استيقظ على كف والده تضرب رأسه قائلاً له ” حرام، معاش تشبحلها!”، لم يتجرأ أن يسأل لما هو حرام أن يمعن النظر فيها، وإن كان كذلك لما لا يتحرك أحدهم حيال الأمر، يكسيها من اللباس ما اعتاد أن يراه، رداء أبيض أو حتى تنورة وقميص كأولئك الفتيات اللاتي يراهن في المدينة، كانت هي تتعلق بغزالها خشية أن يتحرش بها أحدهم، تحديقها في الغزال كان يبدو كنداء نجدة، أو رغبة في اتخاذ حارس، حارسها الغزال ينظر في وجوه المحدقين بثبات، لم يفهم ما الذي تفعله أنثى مثلها عاريةً تماماً أمام أعين الناس دون أن تستحي، لا تحرك ساكناً، ولا تلقي بالاً للأعين المفترسة، الهاربة، أو تلك الحاسدة؛ ما أضاف الشرعية على هذه الإشاعات هو هذيان النِعمي في أحد أيام نومه بالمركز مع أحد الزملاء بالاسم في نومه، سُميَ النِعمي اغزالة.

مضى ذلك الزمن، أيام كانت المراكز للشرطة، والدوريات للشرطة، وما تبقى منها، حل نوع جديد من الأمن، مر على التمثال شرطة إيطاليون، ليبيون متطلينون، ليبيون مستعربون، ليبيون متأفرقون، وليبيون متلبينون، ومرت عليه سيارات التندرا، وحاملوا الهراوة كما حاملوا الكلاشنكوف والمدفعية، إنه مليء بالحكايات، بالمواقف المضحكة، بأناس يكتبون عنه وأناس يكتبون ضده، شيخ ما في مسجد ما نادى بتغطية التمثال بنقاب حتى يستر عورة الفتاة المسكينة، آخر نادى بتدمير الأصنام، رجل من نخبة المثقفين كتب في وصفها شعراً، آخر قصةً، وما إلى ذلك من المشاحنات التي تقودها العرب ضد بعضها البعض من أجل النساء، حاول البعض تخريبه مرة، ثقبوا ثقباً في جسد الفتاة ربما كي لا يسكنها الجن وتلعب بعقول الشباب، هل لعبت بعقل النعمي؟ لابد أن الجن الذي يسكنها من ما تبقى من أثر الحورية الحسناء التي عن طريقها حلت اللعنة على هذه الأرض بعد أن تحرش بها السلطان، أو ربما كان من أثر الحسناء الليبية ميدوسا التي غارت منها زوجة بوسايدون الذي عشقها فحولتها إلى وحش يخطف قلوب الرجال… قيل أن الصحراء كانت أرضاً خضراء على مد البصر، لم يعجب ذلك إناث الآلهة الإغريقية التي لاحظت أزواجها يشدون الرحال إليها، الآلهة تحب الأراضي الخضراء والأنهار، فقامت إحداهن بتصحيرها مخلفةً إياها للثورات أو الطغيان تميل بينهما موزعةً السلاح على كل من يملك قدميْن وعقل بين أفخاذه.

لا أحد يفهم أحد في هذه الأنحاء، ربما هذه هي اللعنة التي سلطتها الآلهة من كل عقيدة على أهل البلد، إنهم يسمعون بعضهم بعضاً لكنهم لا ينصتون، إنهم قادرون على رؤية الأضواء والأشكال والأجسام، قادرون على حاسة الشم كحاسة في ذاتها، لكنهم يملكون مشكلة في الاستمتاع والتركيز على هذه الحواس، لم يفهم زملاء النعمي عشقه الغريب لاغزالة وولهه بها، كما لم يفهموا سلوكه في الوقوف بجنب تمثال الغزالة طيلة النهار، حتى أن بعضهم استغل الأمر، يلقي بمسئولية حراسته لها للنعمي الذي كان ليعد ذلك شرفاً، لم يفهم الطلياني الذي وضع التمثال في وجوه سكان البلد كل صباح حساسيتهم الشديدة اتجاه المسألة حتى وإن كان مجرد تمثال، كان يعتقد أن دولته ستستمر ربما وستجعل حساسيتهم تتبخر مع الهواء، لم يفهم أهل البلد أي شيء حيال أي شيء، حملة الكلاشنكوف لم يفهموا لما حملوه في المرة الأولى ولما لازالوا يحملونه، لكن البعض فهم أن صحبة الكلاشنكوف خطرة إلا إذا تم ذلك بتحفيز ما، كل ما تحتاجه الرصاصة هو مجرد تحفيز… وكل ما احتاجه النِعمي هو مجرد تحفيز.

كان الضوء يزحف من ستائر النافذة العتيقة تتسلل جزيئات الضوء كفنان أمكنه أن يخترع لوناً جديداً بفرشاة غليظة، يمكنك إذا حدقت طويلاً أن ترى ذرات الغبار مشعة داخل خيط الضوء تلعب وتتحرك، تسمى العملية انكسار الضوء الذي يصبح أكثر تركيزاً عندما ما يمر في زجاج النافذة، تلعب الجزيئات على شرشاف أحد الأسرة، جسد نائم بإطمئنان رغم العرق، رغم الحمى التي تكاد تلتهم ما تبقى منه.

زحفت الذكريات داخل عقل النِعمي المحموم، كانت الأحلام تزوره تتلو بعضها البعض، رأى نفسه يصعد إلى جبل، رأى أن عليه أن يصل إلى القمة، إلى أعلى، الإرهاق يأكل جسده المتسلق ويدعوه للاستسلام لكنه ثابر إلى أن وصل، عندما وصل، ثار بركان داخله، أسرع النزول إلا أن الحمم كانت تلاحقه، رأى صخرة عالية فخمم أن الحمم لن تصله إذا صعدها، بقيَ فوق الصخرة حتى كادت تصله الحمم، ثم تحول الجبل أمامه إلى جسد، رجل عرفه منذ طفولته، عجوز بعصاً، تفور الحمم من أعلى رأسه، العصا من نار، صار العجوز يجلده بالعصا وهو دون فرار، الحمم تلفه من كل مكان والعجوز يضرب، كان يبكي، الجلد يخلف الحروق والعرق، استيقظ… وجد نفسه أمام فتاة تلبس الأبيض مفرطة في التبرج، صرخ في وجهها: اغزالة…اغزالة؟! ثم غاب، بقيَ أسبوعاً كاملاً لا يصحو إلا لينادي الاسم ثم يعود للنوم، أضيف على الأسبوع شهر، لم يعرفوا له عائلة تزوره، كل ما هنالك بعض الرفاق في العمل يزورونه. استيقظ في إحدى المرات على شبح من الطبيب الذي يشرف على حالته يتحدث مع أحد زملائه، قال له بأن المستشفى لن تتمكن من العناية به، عليهم أن يجدوا له من يتمكن من عنايته، حماه لن تبقي له سوى أيام قليلة على الفراش ومن ثم سينهار جسده كله وتخور قواه ويبرد حتى التجلد، سيتوقف قلبه عن النبض، وسيموت لا محالة، على فراشه في المنزل أو في الفراش الأبيض، استسلم للنوم، مل الطبيب الرجل الذي احتل حيّزاً من الأسرة، مل الشرطي المحموم الذي لا فائدة في إبقاءه، صرف له إذن بالخروج، قام زميله الشرطة بإيصاله إلى منزله لينهي ما تبقى من حماه فيه، كان كل ما فيه يذوب معها…يذوب ويختفي كالضوء المتسلل من النافذة عند الغروب، نسيَ العمل، نسيه العمل، طوته الأيام، وطوت صفحته في ذكريات الناس الذين كانوا يمرون أمامه كل يوم أمام النافورة، عندما صح جسده من الحمى التي وضعت بصمتها فيه، خرج حافياً بملابسه القذرة إلى حديقة الغزالة، ينامُ بارداً في المقاعد، يتفرج على التمثال، على الناس، يتحدث عن أمور تقلصت في ذكريات الناس، يقص شعراً عن حبيبته اغزالة، يصيح : ووين اغزالة؟ ومن يقدر يزيد علي دلالها دلاله؟ وين اللي العرب حاكية عن حبها مهزلة ورزالة؟ وين منايْ… والغزال يحرس صدرها بحدايْ… يقولي بتمسها نقوله لالا! ثم يضيف بيت لإمرئ القيس: أصاحبيْ قفا نبكي على ذكر حبيب ومنزلِ… بين سقط اللوى! ثم يتلعثم حتى يصل ” فحوملِ”.

عاش داخل الحديقة، صاحب قططها ومتشرديها، العاهرات والحشاشين، كان دائماً ما ينام في المقعد الذي يقابل الحسناء والغزال، يصحو على رأس كل ساعة ليحدق فيها، يتمتم، ثم يعود للنوم منتظراً الحلم الموعود، كانت تأتيه كل يوم، لكن لا لتعطي إشارة العمل على الخطة، ولكن لتقبله، ليغرس فيها رغباته ثم تودعه، يستيقظ على بلل في سرواله يغض البصر عنه، كانت رائحته تمكنه من أن لا يقلق حيال البلل، يبول في إحدى الشجيرات ويبدأ نهاره كما أنهاه بين الحديقة والمقاهي المجاورة، والتسكع في أزقة المدينة صائحاً تارة، ضاحكاً في أخرى.

درس كل تفاصيل المكان: سيارات رواد المقاهي وأيها يسع للتمثال، الأرجل المتأخرة التي تخط طريقها في ليالي المدينة، متى تنعدم حركة السيارات تماماً، أبقيَ في حقيبة رديئة يضعها على كتفه مطارق وعدة يبدو بها كعامل بناء، مفكات، تمكن من أن يتدرب على بعضِ معالم الحديقة، كان الناس يرونه يطرق حائطاً أو الأرض، يخرب مقعداً، يسرعون خائفين من الرجل الذي جن عقله، لا يلقي شرطيو المركز له بالاً، إنه النِعمي اغزالة، لا داعي للقلق حياله، هو زميلهم السابق، من العيب أن يلقوا به في الزنزانة ولن تفلح الطرق في طرده من المكان الذي يعشقه، لا بأس به طالما لم يؤذي أحداً.

4-11-2014، جاءته، أخبرته أن حان عليه أن يتحرك الليلة، سيتم لقاءه بها، عليه أن يجد طريقة بحيث يمكنه أن يضعها في مكان آمن، تذكر بيته المهترئ، لازالت مفاتيحه عنده، إنه مهجور؛ انتشرت إشاعة في حيه أن روحاً جعلت النِعمي اغزالة يجن تسكن البيت فصار ملاذاً للحشاشين، لازال عليه أن يجد طريقة ليتمكن من نقل التمثال إلى البيت.

الليلة التالية، اختار شاحنة صغيرة مناسبة في الحديقة، دخل صاحبها إلى أحد المقاهي، قام بثقب العجلات الأربعة، كان يعرف أن صاحبها سيخرج من المقهى في وقت متأخر بحيث لن يتمكن من إضاعة وقته في تحريكها عندما يكتشف أنها مثقوبة العجلات، جرب ذلك معه مرة منذ زمن، ثقب له عجلتيْن، خرج الرجل صحبة رفاقه من المقهى، كان يراقبه من بعيد…كانت شاحنته في مكان يمكنه أن يرى عجلتيْه المثقوبتيْن بوضوح، لعن أولاد الحرام وتوعدهم بالقتل والتشريد، ركب سيارة أحد أصدقائه ومضى مخلياً شاحنته تبات وحيدة في المدينة.

انتظر حتى تخف حركة الأرجل بالمكان، كسر زجاج الشاحنة المتروكة لشوارع المدينة، خلع مكان المفتاح، وبخبرته في تشغيل سيارة الأجرة خاصته تمكن من تشغيلها، وضع عدته ثم تحرك ناحية الميدان، كان الظلام الذي تقبع داخله المدينة مطمئناً له، إنه يعلم أنه في مثل هذه الساعة لن يأتي أحد، قام بربط التمثال بخلفية الشاحنة، أحكم الرباط، ضرب قاعدته بمطرقته التي نجحت في الامتحان، كان هادئاً تماماً، مطمئناً تماماً، متيقناً من أن كل شيء يسير على ما يرام، تحرك بالشاحنة التي تصنع عجلاتها المثقوبة مع الأرض شرارات وأصوات صرير كريهة، انتزع التمثال بصعوبة من مكانه، وعندما فعل ذلك، تذكر أنه لن يتمكن من رفع التمثال فوق السيارة، لن يتمكن أيضاً من المرور في شوارع المدينة حراً، أدرك أنه في ورطة، وقف حائراً، لا يعلم ما يصنعه، أصبح يفكر في الهرب، في أن يترك المكان كما هو عليه، وأن ينفذ بجلده قبل أن يزداد الأمر سوءًا، بحث عن اغزالة داخل التمثال، لم يجدها ولم يجد غزالها.

رأى ضوءاً في الأفق، كان يقترب، أدركه الفزع، إذاً فإنهم قد علموا بفعلته لابد أن أحدهم رآه، أسرع يجري داخل الحديقة، اختبأ، ترك الشاحنة والتمثال، ترك مسرحه مجرجراً أذيال الرعب والفزع، اقترب مصدر الضوء، شاحنتين مليئتيْن بالأفراد، مجموعة مسلحة نزلت منهما، كانوا ملثمين، حاول أن يتبين وجوههم، كانوا يحملون بنادق الكلاشنكوف، انتشروا في المكان، أصابته حمىً أقوى من تلك التي ضربته ذات مرة، كان ينظر إلى التمثال، تبينه، رآه كما لم يره من قبل، تذكر أن اغزالة تختبئ داخله بالتأكيد، لم تسنح له الفرصة من التأكد، كان ضوء الشاحنة والشاحنتين الأخرتين يوضح ما في داخل التمثال، لم يرى شيئاً، مجرد فراغ، هل يمكن أنها هربت؟ أين ذهبت؟ وأين الغزال؟ لما لم تلحق به عندما رأته يهرب؟ هل خذلها؟ يبدو أنه كذلك، يبدو أنه كسر قلبها، يبدو أنه افتض بكارتها ولم يستطع أن يقف كرجل مواجها إياهم لحمايتها، لا يمكن أن يُعوّل عليه، تذكر اغزالة، افتض بكارتها، كانت تحبه، كان يحبها، إلا أنه لم يُعوّل عليه… هرب إلى المدينة، ولكن أين الهروب الآن؟! إلى الموت؟ لن يتمكن هؤلاء من ضربه بالعصيْ مجدداً، ولن يتمكن أحد من ملاحقته، مرر الموسى على معصمه، كانت الشفرات المتآكلة بالكاد تشق طريقها نحو جلده، فلحمه، فأوردته، الألم الذي يحمله قلبه أخفى عنه ألمه، وقبل أن يندثر ما تبقى منه، كان يحدق في التمثال الذي بدأ يغيب عن ناظريه، رآهم يحملونه إلى إحدى الشاحنتين، رأى أحدهم يركب شاحنته، كانوا ينتشرون داخل المكان متأكدين من أن لا أحد بالمكان، لم يلاحظوه، لم يلاحظه أحد، لا أحد يلاحظ المجانين، تحركت سياراتهم حاملةً التمثال، اختفوا في الأفق، تذكر شيئاً ما، ضحك، ثم غاب.

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s