تاجر الأوهام (5): نجيب العشرين ليلة


أنا؟! أنا قتلت أخي، لم يكن هنالك من سبيل آخر غير هذا السبيل

5db6c0c5227c8563d56deaa006847e1f

كان دائماً هدفي أن أتخلص من وجوده، وُلِدنا صحبة بعضنا البعض إلا أنه كان يتوفق عليْ بفارق دقائق قليلة، أحتُفِلَ به، صاحب العرش…الوريث الشرعي لليبية والدي، أخذ مني في دقائق كل شيء قبل حتى أن أخرج، وقبل أن أولد قتلني في نفسي، بطنت أن أنتقم وأن أدوّن انتقامي وأرويه دون وعيٍ مني، حاولت ذلك مراتٍ كثيرة، لازلتُ أذكرها كانت ثلاث عشرة مرة…حاولت أن أقتله ثلاث عشرة مرة، غرزت في لحمه السكين وأمعنت في رأسها المدبب ينحر عنقه، كان عنقه ساخناً جمر يشتعل في كانون، حركت يدي إلى اليمين لكي أتأكد من قطعي لمجرى الدم،تهاوى جسده على صدري، لطخ ردائي بدمه…أرخيته فسقط يقعقع الأرض.

كان كل شيء بالنسبة لأمي ينال الجرعة الأولى من الحليب، يأكل أولاً…تكلم ومشى ورقص قبلي، أردت دائماً أن أسبقه…لكنني كنتُ دائماً المقلد، مجرد ببغاء يحرك منقاره بما يملى عليه، أفكاري لم تكن ملكي بل كانت ملكه وحده، بحثت منذ صغري على شيء واحد لا يفلح هو فيه فوجدته، القدرة الجسمانية…كان ضعيفاً وهشاً وبه خوف كبير يملأ روحه فأدركت أن عليْ أن لا أخاف لأتفوق، لم أجد سبباً واحداً يجعلني أخاف على نفسي منذ البداية…أنا ميت فلما الخوف؟ أتذكر أولى مراتي، كنّا صحبة أبي تأخذنا البيجو 404 عقرب الريح في الطريق الترابي المعتاد للمزرعة، كان الدرب مكللاً بأشجار الصنوبر تملأ التربة بثمار الصنوبر وأوراقها التوأم تأكلها أشعة الشمس تملأ زوايا الطريق، تنقطع الأشجار المتتالية فجأة بشجرة توت كبيرة مبني تحتها بالخشب والزينقو كوخ صغير يلتصق بالشجرة الفارعة وتصطف أمامه منضدة بها علب بلاستيكية مليئة بالتوت…الطريق كان يرتفع عن أرض وادي ناضب مسافة عامود كهرباء، كان أبي دائماً ما يركن عقرب الريح بجانب الشجرة…ينزل فيخرج من الكوخ بائع التوت حاملاً كرسييْن خشبييْن مقعد كل منهما مصنوع من سعف النخيل المضغوط مطروقاً بالمسامير في خشب الكرسي، كان البائع يرتدي حلّة ليبية مصنوعة بلونِ السماء ملطخة بحبر التوت الأسود، به ندبة في يده اليمنى بين إصبعيْه السبابة والإبهام، أسنانه المصفوفة بإتقان كان يلطخ صفوفها قبلة صفراء صنعها الشايْ، كان أبي يجالسه لنصف ساعة أحياناً يغيبان في حديث الشايْ، يسكب البائع كل خمس دقائق السائل القطراني في كوب زجاجي بحجم ثمرة صنوبر في منتصف النمو، كنّا أنا وأخي نراقبهما قليلاً قليلاً من زجاج نافذة السيارة، فيخطر ببالي أن ننزل إلى الوادي حيث مزرعة التوت.

” لا تنزلا إلى الوادي” كان أبي دائما ما يدعونا على فعل المحظور بنبرته الإستفزازية، أظل أسحب جسد أخي بالكلمات مشجعاً إياه ” هيا لننزل…هيا، لا تخف، أنت معي”، ” هيا لنقطف بعضاً من التوت”…دعوة كان يحاول أن يتفاداها إذ كان يخاف الوادي ويخاف شجر التوت، كانت الأشجار مرتفعة وواجبٌ عليك إذا أردت أن تملأ يديك بالثمار الصيفية أن تتسلق أصغر شجرة تعلوك خمس مرات مستخدماً درج السلم الخشبي الملقى على جذعها، نزلنا أخيراً بعد عناء…كنت أمسك بيده طيلة مرحلة النزول، أجعله يتفادى الأشواك الطبيعية التي تلتصق بلحمنا المفتوح لهواء الصيف الحار حتى الركبة أو تلتصق بأحذيتنا، صعبٌ كان نزعها تترك لسعة حارقة في الأصابع إلا أنّ الأشواك الحديدية التي كانت تختبئ بين الأحراش حاجزاً للكلاب الشارذة والمتطفلين أمثالنا هي التي دائماً ما أرقتنا، نركب السلم الخشبي ونسلم أجسادنا حاضنةً للشجرة، كانت الشجرة الأصغر بها تفرعات من الجذع الرئيس تجعلك تستطيع أن تجلس بين منابت الفروع…أخي كان يجلس هناك متشبثاً بارتجاف بالخشب الجاف وأكمل أنا باقي التسلق، لم يكن يستطيع التسلق…يصل حيث يمكنه السلوم من الوصول ويتوقف هناك ينتظر مني أن أمد يدي بالتوت ليأكل، ترتجف يداه متلقيةً الثمار الحبريّة ينظر بدهشة ناحية الأرض المليئة بالثمار المتعفنة والدود والنمل وأوراق الشجرة يتخيل مشهد سقوطه ربما، أتخيل أنا مشهد سقوطه… والجني خاطر وأنا أمد له الثمار التي جمعتها له وأنا أحدق في عينيه الخائفتيْن وأبتسم. دفعةً واحدة كان سيسقط على رأسه بين السلم والشجرة وينتهي الأمر، ترتمي جثته الضئيلة يخرج الدم من مؤخرة رأسه خاثراً ومتململاً ملوناً أوراق التوت… الكدمات التي ستملأ وجهه وكتفيْه وربما رجليْه كنت أراها زرقاء، يرتدي ما أرتديه… صوته كصوتي وكل شيء فيه فيْ إلا دقائق قليلة جعلته الأكبر، سأخبئ اسمي وآخذ اسمه… أقف أمام جثته شاخصاً متبولاً مرتجفاً وخائفاً كما كان سيفعل هو، سيتعين على أبي أن يقلق علينا عندما يلاحظ غيابنا عن السيارة، سيحدق في وجهي ووجهه باحثاً عنه ناجياً في جسدي…أعرف أنه سيتمنى أنني انا الجسد المحطم، سأحقق له رغبته، سأجعله يعتقد أنا الميت.

 أعود إليْه، أراه يمد يديه لإلتقاط الثمار من يدي…أبتسم في وجهه، سيعيش ليوم آخر.

” هاهاهاها هيه، هيه …أنت يا سيدي الكاتب، توقف قليلاً يا صاح، أين ذهبت يا رجل؟ كنا هنا نتحادث واختفيت تسرد قصتك هاهاهاها، يا رجل دعنا نشبع أنفسنا بما حدثته اليوم…قصة مثيرة الحقيقة، أنتظر بقيتها…إذاً فأنت قاتل أخيه، جميل جميل… مجموعة جميلة، لدينا جريمة شرف، جريمة عقيدة، جريمة خطف، جريمة تشتت والآن جريمة الحسد، يا سلااااام…دعني أجري معك لقاءً صحفياً:

  • أخوك، ما اسمه؟
  • لم أعد أتذكر…أحدنا سُميَ محمّداً، هذا كل ما أذكره.
  • تي كيف الزب هيا؟! ها ها ها
  • أنا محمد…هذا ما تقوله بطاقتي الشخصية.
  • هاهاهاها فاقد الذاكرة؟
  • شيء من هذا القبيل….
  • باهي كيف تبيني نصدق إن اللي قلته حقاني وصار مادامك فاقد الذاكرة؟
  • أحلم به…
  • الحلم وهم!
  • الوهم حلم.
  • هاهاهاها باهي كويس، كويس… خليني نهضم قصتك ونولي لقصة الفرعون:

ومضى يحرك يديه راسماً فرعون، كان جرمه هو يختفي…غبتُ صحبة كلمات التاجر، صوته داووديْ يأخذ بالألباب، كان فرعون يرتدي قميصاً أخضراً مزرق به صورة قرد يحمل على رأسه تاجاً ويجلس على عرشٍ، عادة الإنجذاب للقرود يمكن ملاحظتها بسهولة…يرى فيها أكثر الكائنات ألفةً، أقربها للإنسان شكلاً هي…لكنها حملت عنها نعمة العقل، رأيته ينظر إلى شاشة النقال يحدق في الصورة التي تظهر عليها،الإسم ” the monster” يحدد هويته وما يعنيه بالنسبة له، أيقظه الاتصال من حلم صفقة الأمريكي…ذاك الفتى الذي فقد عقله وحياته بسببه. لم يكن يشعر بالبرد لكن يده كانت ترتجف، مرات قليلة كان يرى فيها الاسم على شاشة الهاتف وينتابه قلق ما،هذه المرة مختلفة… هذه المرة قد تعدى بالأمس عند عودته على ملك خاص به…استعاد مؤخرة المدام، الساعة المختفية… ردّ على الهاتف.

كانت صورة أشرف تخرج من شاشة الهاتف ذي الخمس إنشات حاملاً البالطو الأبيض في مختبره بالصيدلية… أيقظه من فسحته، أخفض صوت الجاز الذي كان يراقص روحه، جاءته كلمات البوعا… الاستراحة يا دكتور، عليك أن تلم خذر عضلاتك وأن تلتقمك الاستراحة…ساعة ويراك أشرف… الاستراحة حيث صفقتك الضخمة الأولى، حيث الليالي الأولى من الألف ليلة وليلة….مرت في عقله حادثة ذلك اليوم. ولكن ذلك كان أيام زمان، عندما كنتَ يا دكتور في أيامِ العز…أيام الطغيان، ضحكت وأغريت إنساناً لم يقع تحت الإغراء أبداً…قمتَ بما لم يقم به تاجر التوتة ابن وطنه ذلك الذي جعل من الزمان يجتره اجتراراً، أن يجعله ينحني كمهندٍ أحنته النيران، أنتَ قمتَ بذلك…الغريب، ربما قد تكون الليبوفوبيا التي تكونت داخله هي المساعد لك في الولوج إليْه، لم تكن ليبياً…أرخى دفاعاته الأحمق، خشيَ أنك مصرياً…ولكن ما إن تحدثت لغته التي بُرمِج عليها جعلته يتهاوى ببساطة، هكذا…عقد صوفي سحبت الخرزة التي تجمع نهايتيْه فانفرطت التسعة وتسعين خرزةٍ الأخرى تشاهدها واحدة واحدة تسقط على الأرض مصدرةً قعقعة صغيرة، لم يكن إلا قعقعة صغيرة…كل الجمال الذي حمله داخله كان في الخرزة التي تجمعه، كانت معقدة وغريبة..أن تستعمل معه المقص أمر جيد كما كان يفعل البوعا، لكن أن تفكه ..فهذا هو الذكاء يا دكتور، نعم لا أحد من هؤلاء البدو يمكنه أن ينافسك…لقد تهشم، ظللتما تشاهدان جنونه داخل الحاوية لأيام قبل أن تتناسوا وجوده، ترونه يقف كل ظهيرة عند الباب المفتوح على مصرعيه يراقب المكان حاملاً شنطته الافتراضية ويعود للحاوية خائفاً أو حذراً من قطاع طرق يراهم تحت أشجار اللوز التي تحولت إلى عواميد كهرباء بالنسبة له.

 

  • آه يا حومة الحمد لله على السلامة يا فرعون!
  • أهلاً يا بوعا… يسلموا عليك الأفغانيات هاهاها
  • هاهاها….مليح يا برذر، تعال الاستراحة نهدرزوا… هيا عندي ليك موضوع كبير ويقحّب.
  • توّا؟!
  • ايه توا….قاعد نراجي فيك.

وأنهى المكالمة علامة على رفضه لمسألة النقاش حول تأجيل الموضوع، يفعل ذلك دائماً…حدث نجيب نفسه، تحرك، رفع جسده المخذر وحدق في تمثال القردة الثلاث، خرج من الشقة في الطريق….كان يقود سيارته الفايبر بين أشجار الصنوبر مشعلاً بافرة مستمتعاً بالموسيقى ومنظر الصنوبر في جانبي الطريق الوادي كان يظهر وحشياً إلى يمينه، مجموعة من المزارع تُنضج العنب واللوز بين غابات السرو التي بدأت تزحف للموت، مكومة جثتها في أكواخ لصناعة الفحم، توقف عند باب المزرعة…كانت قديمة ذات سور من الحجارة، باب أحمر يملأه الصدى، إتصل بأشرف ” أنا أمام المزرعة”…فُتِح الباب، رآه…كان أكثر ضخامة هذه المرة، أكثر توحشاً…اللعنة على هذا الجبل المتحرك، قال، رحب به…كان الوحش يضحك معتصراً إياه بقوة، ربت على كتفه قائلاً ” آه يا حومة…. منور يا فرعون والله، تي شن هذا الزب؟ معقولة هكي؟ شكلهم متعوك الأفغان يا مريض؟ sick mothafucka !! ها ها ها….تعال تعال، عندي ليك صنف يقحّب حتى في مزارع القاعدة ما تلقاشي هاهاهاها”.

جلسا، في مكانهما المعتاد…تحت شجرة اللوز أمام المدى الأخضر وشجرة السرو العظيمة في الأفق تحتها الحاوية كما ما تبقى من صف أشجار اللوز، بحث في المكان عن شيء جديد… لم يتغير أي شيء، آه الحاوية بابها مفتوح…إذاً لا زبائن، كان للصباح لسعة من برد الريف تختلف عن تلك بالمدينة، كان برد الريف كطفل في السادسة لا يفقه إلا اللعب مع العظام، مضى يتابع الوحش يتحدث عن صفقة جديدة، شيء جذبه منذ البداية…كان الهدف أحد الناس الذين يعرفهم، يراه كل صباح ينزل من الطابق الأخير لعمارة الصايع يتشبث بالقرقطون خذراً رائحته تفوح بالخمر…يمر أمام شقته، بدويٌ في ثياب اختارها لتكون شبيهة بأولئك المثقفين المصريين أبناء بلده.. ” ايه، هذاك هو اللي منظره مثقف يا فرعون”، قال له مستدركاً التشبيه الذي حاول فرعون أن يرسمه في رأسه، إذاً عليه الآن أن يكون حذراً جداً… أخرج البوعا من جيبه بافرة كان قد أعدها مسبقاً، أمسكها بين إصبعيه ودورها يعرضها أمامه، قال له ” هذي يا فرعون….ماعمرك في حياتك حتجرب زيها، خوذها مني أنا الزبدة، هذي خلاصة الحشيش اللي جربته في حياتك كلها…”، أشعلها…دخن منها قليلاً، سأله نجيب ” وليت للحشيش يا بوعا؟” …ضحك البوعا وقال ” هاهاهاها…مرة مرة بس” ثم تابع يسحب نفساً كبيراً من البافرة، كمدها داخل صدره ثم نفخها في وجهه… مدها له، كان نجيب شرهاً فيما يخص الحشيش….دخّن، واختفى.

” يا عزيزي…خليني أنا نحكيلك القصة، القصة ومافيها إن أشرف لم يشبع من دمِ زوجته ودم الزيكو زكرياء ابن عمه من لحمه ودمه، لم يشبعه ذلك المشهد الذي أغراه على تتبع أثر الخطيّة…إن كان سهل على الزيكو أن يضاجع المدام حياة، فإذاً هنالك المزيد من أبناء حي التوت الأنذال والأنجاس الذين زاروا وسادته أو زارت المدام وسادتهم، على كل هؤلاء أن ينالوا العقاب المناسب…كان يحدثه عقله، no body fucks with a monsterيا برذر فهمتني والاه؟ أنا نفسي عندما سمعت عن الحادثة وقفت استعداداً…سيبحث الوحش عن بقية ضحاياه هذه واضحة، أنت تعرفني…لا أحب الكذب، أحب المراوغة ربما، لكن الكذب لا أحبه…لست كاذباً، الكاذب يذهب للنار ويحترق لسانه وفؤاده فوق حطبها كأنّه فقاعات شايْ جنازته التي سيحييها أشرف شرفاً لشرفه الذي ذبح، أنا نفسي…وقفت استعداداً ومتجهزاً لأن يأتي البوعا للشجرة مرة أخرى يمسك بخناقي ويوجه المسدس مرة أخرى أشعر بالفوهة الحديدية تخترق جمجمتي… وجاء، دخل الهامبورغا يحمل المسدس ذاته.. إذاً فقد فعل ما أمليته عليه كالعادة وجاء يحاسبني على الإملاء، صوبه بدقة…بفراغ وجنون مجرم يمكنه بسهولة أن يسلب قدرة قلبك على النبض، أن يقتلك…قال:

  • نكتها؟! أنت تعرفهم جميعاً هؤلاء الأنذال أبناء القحاب. قل لي عن ما سمعت أو خبرت…دعني أفجر قضبانهم كما فجرت زكها القحبة…وسأجعلك تحيى ربما.

ابتسمت، حدقت في الوحش، لم أكن غبياً لأغامر بحياتي، لم أكن أحمقاً لأجاري الوحش… كانت سني الذهبية تجذب انتباهه، قلتُ له:-

  • أنا لا أحب الساعات، إنها تذكرني بأشياء لا أحبها..لا أحب أن أجاري الوقت، دعه يمر ودعني أمر.. اتفقت أنا والوقت منذ البداية أن لا أحد منّا له دخل في شئون الآخر. ولهذا أتحداك إن فعلت مرة ورأيتني فيها أرتدي ساعة..لن تجد، أقولها لك: لا أحب الساعات يا حومة!
  • ماذا تقصد؟.

وغاب البوعا يفكر ويخبر اللغز ويحلل مسألة الكلمات ” اللعنة! أنا أعشق الساعات، أحب أن تذكرني بكم مضى من اللحظات على حياتي، العقارب وحركتها شيء خيالي ومذهل وجذاب، من آخر يحب الساعات؟ إن الزيكو كان يحب الساعات ابن العاهرة.. يراها شو وجميلة وبراقة ولا يعرف حتى أن يستنطق الوقت منها، من آخر؟ من ؟ من؟ آه…إنه المصري، نجيب الفرعون أيكون قد فعلها؟! ” ذاب في أفكاره في لحظة واحدة فقط استدرك كل شيء، أعاد مشاهد وقصص يرى فيها أناس بساعات، سواعد فقط يراها بساعات تشبه ساعاته العديدة التي كانت المدام تشتريها له، آه…البتشة، مخمورة الجنس هذه، ساعة الزيكو، الساعة الأخيرة التي أهدتها له زوجه، ساعة أخرى وجدها ليلة الحادثة…كان يرتديها الآن ظناً منه أنها تخص الزيكو على الكوميدينو.

كان التاجر يحدق في الساعة التي يرتديها أشرف، نظر إليها مبتسماً…عرف صاحبها. كان هو الذي خطط له على موعد مع المدام.

” إذاً ففرعون قد ناك المدام، آها ناكها السافل هاهاهاها يا عندين زبه المصري…قلت وأنا أرى خلاصي:

  • مبارك الساعة يا دكتور!
  • فرعون يحب الساعات.
  • اوه، عبقري يا أشرف… يبدو أن الحبوب لم تأكل دماغك بعد، حمداً لله.

قال التاجر، ذابت كلماته في أفكار أشرف كحبة أسبرين، أرخى الوحش خناقه وأعاد المسدس في قبضته تمعن في التاجر الذي غاب في إعادة ترتيب ملابسه..غاب في البحث عن شيء ما، أخرجها…كانت علبة تحت المقود، علبة خشبية نقشت عليها صورة لثمرة توت، فتحها…بها قفل نحاسي يرتسم شكل ورقة الشجرة الأسطورية التي تكلمت عنها الأديان تخبئ عورة آدم وتستره هو وزوجه، مجموعة من الحبوب كأنها الثمرة، الثمرة تفضح العورة والورقة تخبئها، قال التاجر:

  • هذي يا حومة سميتها البركة، الحبوب متاعك كلها اللي تاخذ فيها مش حتجي زيها…هذي خلطة نحس روحي قعمزلتها من صغري، شيء عجيب مش حتلقى خواتها، بنتها بنة توتة البركة اللي فوقنا هذي تشوف فيها، مخلطها مع مواد ثانية…وصفة مانبيش نقولك عليها، تخاف تنيك من الكار هاهاها تمشي مع كل شيء…تفتتها في سبسي وتولعه الأمور طيبة، اذخنها بالقلّوب، تشربها في كأس خمر، تاخذها هكي قرمشة وجو الحبيبات جاية عادي…قاعدة منيكة بجميع الأحوال، مشكلتها الوحيدة إنها مرات تنيكك، اضيعك، تفتتك…أنا قاعد ما جربتهاش الحق، لكن متأكد من قدرة الخلطة علي النيك هكي عندي احساس غريب إنها قويّة من المكونات اللي حطيتها فيها هاهاها المهم…عندي لتوا 13 الحبة، نعطيهملك هكي لله في الله، ونقولك الاسامي كلها اللي تبيها محبةً فيك يا أخي…لكن تقعد علي كلمتك وما تقربش جيهتي؟ وخيّك زي ما مخنس من الحبوب مخنس منك حتى أنت الحق، تعرفني…لا أحب أن أثق سوى في نفسي، تعرف أيضاً أنهم جميعاً يثقون بي، وأنت يا أشرف…لأقول لك الحقيقة لا يؤمن لفعالك، خذ الحبوب… أريد أن أعرف تأثيرها ولا أريد أن أخاطر بسمعتي الحقيقة عندما أجد لي أحد الزبائن ميتاً بسبب جرعة حبوب تناولها مني، أنت تستفيد المال..أقولها لك، ستحصل على زبائن جدد لك أكثر ثروةً، خذ الأسماء أيضاً…ستجد أسماء مثيرة للموت أكثر من مجرد تاجر الهامبورغا صديق الجميع.
  • حسناً، اتفقنا.
  • فرخ صايع اسمه كمال الصايع. قال التاجر عندما مدّ له الحبوب الثلاثة عشر.
  • عمارة الصايع اللي يسكن فيها فرعون ولد الشرموطة؟
  • ايه العمارة لبوه.
  • من ثاني؟
  • من ثاني غير فرعون؟
  • ايه…
  • هاهاهاها أنت غير اتصل بفرعون وبعدين ساهل.

 

دخن فرعون، سقط مغشياً على الكرسي…ذابت قدميه في العشب، كان ضوء الشمس يودعه بعيداً، أخذه حلم لذيذ… رأى الفرعون الصغير مرةً أخرى يصعد لعرشه، رآه يلتمس الكرسي…آه ما أروع كرسي الأب المغصوب، تحسست يداه الذهب الذي صُنع منه، كان كل شيء كما هو…نظر عن يمينه فوجد الحراس برؤوس القطط يحرسون، رأى صحبته زوجة ملك الليبو تتغزل بجسده، كانت تشبه المدام حياة…تحركت بيدها على كتفه تريد أن تقبله، فيسمح لها بذلك، قال له التاجر انتظر وستحصل على ما تريده…سأجعلك تضاجعها يا نجيب، هذه هديتي لفرعون الحشيش، وأوفى بعهده وضاجعها، هاهو الفرعون الصغير بعد ألفِ ليلة من العمل يحصل على ما يريده، أن تضاجع زوجة ملك يعني أنك الملك ذاته إذ لا أحد يضاجع زوجات الملوك.

  • استيقظ يا دكتور، معقولة هكي يا حومة؟! ما احسبتكش ضعيف هكي…تي استيقظ يا عزيزي، ألم ينتهي حلم الفرعون بعد؟ هل وصلت إلى المقطع الذي تنيك فيه زوجة ملك الليبو وفرعون مصر أم لازلت في الطريق؟!.

 استيقظ…. تحرك الجسد المكبل أمامه، استيقظ نجيب…آه اللعنة، ماهذه القيود…أين أنا؟! ماهذا البلاستيك الذي يلف المكان، الضوء النحاسي أعرفه، المكان وحجمه الهائل أعرفه…آه الحاوية؟ أين القمامة، ما هذا البلاستيك الذي يلفها، ما الذي يحصل؟ ما الذي يفعله المجنون البوعا أمامي..ولماذا يرتدي قناعاً أسوداً، إنه يشبه مكافحي الآفات. حاول أن يتحدث، كان يشعر بالكلمات تتحرك حتى تصل حنجرته لكنها لا تصل… تسقط في جوفه فتبقى في بطنه، بحث عن لسانه.. حاول أن يحرك العضلة، كان بالعضلة شيء غريب…ِشيء ناقص، إن جزؤها الأهم قد اختفى…سمع صوته، كان أبكماً. تجمد نظره في الوحش الذي تحرك جسده يفضح تمثاله العزيز، كان القرد الذي يحمل المايكرفون ساقطاً ومهشما رأسه، أين لسانه؟ أين المايكروفون؟ حدق في الوحش مرة أخرى، بزة خضراء كتلك التي اعتاده أن يرتديها في المستشفى في أول عملية يجريها دون إشراف، يمسك بقفازه بين يديه، بحث في عينه عن ابتسامة أو نبرة غضب، قدم الوحش له فاتحاً فمه حبوب الدواء، أمسك بشدقيه بقوة، قال وهو يسكب الحبوب ويسقيه الماء:

  • نجحت العملية يا دكتور، الحمد لله على السلامة يا حومة…تو تسمعني وأنا نتكلم مادام لازلت تقدر تسمعني هاهاهاها، آهو كنت تسمع وتتكلم وتشوف، وتوا تسمع وتشوف…وتوا تشوف هاهاهاها، لكن صدقني دورت علي كتب لغة إشارة ما حصلتلكش.

” أهلاً وسهلاً، هذا هو اليوم الأول…عليك يا دكتور أن تصغي ما دمت تستطيع الإصغاء ولو بخذر، لا تخف…نحن لا نلعب، مرحباً بك في مستفشى البوعا، خدماتنا راقية وغير مؤذية للمريض، أنت يا دكتور مريض…عليك أن تعرف ذلك، الإعتراف بالمرض هو البداية في العلاج، مرضك هو اللي وصلك لهني مش شيء آخر، خليني نشوف الأعراض: اعتقاد بأنّك تقدر تلعب مع البوعا، تشك. اعتقاد إنك تقدر تنيك زوجة البوعا، تشك. كان الوحش يحمل اللوح المثبت للأوراق ويصحح بقلم حبر مربوط به بجانب كل جملة. المسببات: لما يفكر الانسان بزبه، لما يصاب بشعور النقص، لما يحساب روحه فرعون. قد يصاحب المريض وهم بأنه يسمع ويتكلم ويشوف..وينيك أيضاً. العلاج: لابد من إجراء عملية جراحية للأعضاء. وفتح أشرف عينيه بوسعهما، كأنه يقر شيء جديد لنجيب.

  • ولكن قبل أن نجري العملية الأخيرة، وبما إنك ستفقد أذنيْك حسب الجدول هنا في اليوم السادس وعينيك في اليوم الثاني عشر…دعني أخبرك بما حدث معي بالفعل في العشرين يوم التي قضيتها طريح الفراش، اليوم الأول…اوه، هذا اليوم، كان خيالياً، كانت الجروح لازالت تحرق لحمي، الشظايا لازلت تأكله، الألم كان دب قطبي يغرس مخالبه فيك أنت السمكة المسكينة، كنت قد استيقظت هكذا مثلك تماماً مقيداً إلى السرير اللعين، قيل أن نوبة من الهيجان والتوحش أخترقتني وأنا أمسك بخناق الطبيب أطلب منه أن يعالجني الآن وحالاً، لم يفهم ابن العاهرة الهولندية ما كنت أهرف به. كان ينظر إلى البدوي الضخم الوحشي الذي يصرف قومه أصحاب الذهب والنعمة المفاجئة على مشفاه خزائن من المال،لا لم يفهم ابن القحبة ما كنت أقول له، هل تريد أن تعرف ما الذي كنت أقوله؟ كنت أقول ” يلعن زكمك؟ انيك نسلخك باش تحس باللي حاسس بيه؟” خذروني…وضعوني في غرفة صغيرة.

جلس أشرف على السرير يقبض على شدقيْ نجيب، كان نجيب يختنق رعباً…يستمع للكلمات التي يلقيها عليه المجنون، لقد جن بالفعل… سيفقد أذنيْه؟ سيفقد صوت الجاز حقاً؟ لما يخبره بما سيفعله به؟ ما هذه الوحشية؟ يجب عليك إذا أردت أن تأخذ من أحد شيء ما أن لا تخبره به…إنها سرقة، لكنها فعل إنساني بحث، يخاف السارق على مشاعر المسروق منه، لا يريد أن يجعله يفكر في أن يحتاط أو أن يستمتع بما لديْه، لكن كيف له أن يحتاط؟ كيف له أن يجد مخرجاً من الحاوية، قطع لسانه…إنه لا يريده أن يبادله الكلام، لا يريد أن يعرض عليه صفقة، يريده فقط أن يتعذب…هذا هو الواضح، تحرك أشرف ناحية طاولة قد أعدها مليئة بالمعدات والأدوية، أمسك بالإبرة، غرسها في علبة… طهرها، كان فعلاً يعمل باحترافية الأطباء الجراحين. قال وهو يعاين الإبرة..

  • خذروني، وضعوني في غرفة صغيرة، أنت حسن الحظ في الحاوية هنا. أنا كانت الغرفة ذات الجدار الأخضر كالقصب فاقع لونه، الجدار البلاستيكي الذي يمنع لون الجدار الحقيقي كانت لعنة، كنت مغلفاً كما ترى – وحرك يديه يريه الجدار البلاستيكي الذي يغطي جسد الحاوية- غرفة خاضعة لأكثر معايير الطهارة والنظافة صرامةً كما ترى في الحاوية النظيفة المعقمة المطهرة الآن هاهاهاها مساحيق استخدمتها لتنظيف المكان، لا تريد أن تعرف المال الذي صرفته حتى أجعلها ملائمة للمعايير الصارمة تلك. لا يريدون من عدوى ما قد تنتقل من الكائن القذر أمامك والملوث بالجروح والصحراء والتعفن والشظايا…كنت Toxic يا دكتور… ذلك اليوم استيقظت مخذراً ومكبلاً أمامي ممرض ضخم كالعفريت يرتدي بزة بلاستيكية، يتنفس من كمامة بها فلتر هواء بحجم قبضة اليد كالذي تراه يحميني من مرضك الآن. هل تراه؟ إنه يشبه القلب هاهاها أول عضو عرفنا حجمه، وقف أمامي…أقول وقف أمامي، اللعنة…ما بالك لا تهدأ يا دكتور؟! ما بالك لا تهدأ يا رجل؟ المخذر أيها الممرض…حاضر دكتور، الدكتور نعم.

كان جسد نجيب يحاول أن يفلت من القيود المكبلة، لم يستطع، كان يصرخ يحاول أن يتحدث دون جدوى، كان لا يريد أن يسمع القصة…إن المجنون سيخلع أذنيه وعينيه حتماً، غرس أشرف الإبرة في يديه..خذره. قال له وهو يشاهده يستسلم للخذر:

  • وقف أمامي يا دكتور، كان الوحيد الذي يقف أمامي طيلة الأيام العشرين لا أحد غيره… يعاين الأجهزة الموصلة بجسدي، يعاين حالتي ويكتب في تقريره، يعبئه ويبدل أكياس الدم والتغذية. – كان يمسك أشرف يوضح له أي الأكياس هو كيس الدم الموصل بجسد نجيب، وأي الأكياس هو كيس التغذية كأنه لا يعرف- ثم يغيب، هذا فقط ما كان يفعله عندما يأتي…لا شيء غير ذلك، لا شيء البتة، كل يوم نفس الروتين في المكان القذر…القذر؟! سامحني لقد خانني التعبير، أقصد الطاهر، النقي، النظيف درجة اعتباري القذارة الوحيدة فيه هاهاهاها والله جو منيك يا حومة اللي ناكوهولي وراس أمي…جو منيك، أرقد يا دكتور أرقد.

شاهده يختفي، اختفى صوته… كان آخر ما سمعه منه هو ” فيها شوية قلوب يا دكتور هاهاهاهاها”.

 

فعل ذلك كل يوم، طيلة الأيام الستة الأولى كان يراه أمامه واقفاً يكرر ذات المشهد، مرت حياته أمامه… ست أيام كان الخذر فيها يسيطر عليه، يسيطر على كل شيء فيه..لماذا يعتني به هذا الاعتناء؟ أين العذاب؟ أين التوحش؟ كان يقوم بكل شيء حسب التدابير الطبية، الأدوية، نظافة المكان وتعقيمه، لم يخطئ في أي شيء نظري قد درسه، العملية الأولى كانت دون أن يشعر بها، استيقظ وجد لسانه مختفياً من جسده…لا يملك إلا الأفكار الآن والأحلام تعبر عنه، كان جسده ينال المقدار من الدم والتغذية من الأكياس التي ترتفع في الشماعة على رأسه، تطبيب أشرف للجرح الذي خلفه، الأدوية ومواعيدها، يحسب تماماً لإبر التخذير…يقف أمامه في الموعد المحدد له أن يستيقظ فيه، كان لا يشعر بأرق الأيام ولا أرق الوقت، أرق الأحلام والأفكار فقط…في اليوم السادس، فقد حاسة أخرى… قطع له أذنه وثقب الطبلة، كان لايزال يراه يقف أمامه لا يسمع ما يقوله…كان في المشهد المتكرر يدرك أنه لايزال يحكي قصته المتكررة، كل يوم…كما يفعل به الآن، لكن أين أذانه؟ أين الجاز؟ أين صوت احتراق سيجارة الحشيش؟ لماذا لا يشعر بفقدانهم؟ ماهذا الصمت؟ الصمت رهيب…الصمت مرعب، الصمت قاتل وسفاح، إنه سيجن… لم يعد يسمع سوى أفكاره، سوى نفسه، في اليوم الثاني عشر…لم يشعر بأنه استيقظ، كان كأنه يحلم، يحس فقط بيدين ضخمتين تطبقان على فمه تارة…تزرع إبرة التخذير تارة أخرى، في اليوم العشرين…آه في اليوم العشرين. لم يعد يشعر بشيء يكبل جسده، أحس باليدين الضخمتين تلفان كتفه، أحس أنّه قد يكون جالساً…يا تُرى ما الذي يحصل؟ أين الإبر أين الدواء؟ أين…أين؟! الآن…أين؟!

في الحاوية، كان جسدان جالسان على السرير الطبي…أحدهما يلف بضخامته الآخر، كان الجسد الضخم يتحدث بصوت عالٍ:

  • استيقظ يا فرعون، اصحى يا نايم وحد الدايم….هيا يا حبيبي استيقظ، هيا نأخذ الدواء ونسرحك بإذن الله…نجحت العملية يا حبيبي، افتح فمك…نعم هكذا صحيح – وأمسك بشدقيه- ايوه هكي…هيا أمسك بهذه القنينة جيداً – ومرر بين أصابعه قنينة مياه وضغط على يده، مرر إصبعه الإبهام يضغط على الإبهام- أمسكها حتى تستطيع أن تبلع الحبوب، اقبض عليها جيداً، إياك وأن ترخيها…إياك أن تكظم غيظك وتقبض عليها أكثر من اللازم، أنت تعلم أن الأمر لم يعد بمهم…أخرج وانظر للنور جيداً واسمع زقزقة العصافير وصفر صحبتها …آه آسف يا دكتور، دعني أصف لك المشهد وأنا أرشدك بيدي، هناك يقع الباب… – حرك يده إلى يد نجيب وأشار بهما إلى الباب-، إنه مفتوح، هيا أتذكر الأمريكي؟ هاهاهاها كان الباب مفتوح أمامه لما خرجت لآخرة مرة من هنا، ضحكنا عليه كثيراً…كان يقف أمام الباب ينظر للشمس، لشجر السرو واللوزات، كنا نجلس في طاولتنا المفضلة نراه يفعل ذلك بالظبط عند الظهيرة، تراه كأنه يحمل حقيبة جلدية يراقب يمنة ويسرى، إنني أعتقد أنه كان يتخيل وجوده داخل عتبات مصرف ما هاهاهاها، شارع مليء بالسراق والبدو وقطاع الطرق، أتراه يا فرعون؟ ألا يمكنك وصف المشهد الظهيري المحتم عليه خوضه كل نهار يقف أمام الباب، يراقب المكان الأخضر الذي رسمه سيارات معتمة وبرك مياه عكرة ونساء ورجال ولصوص يتحيزون لحظة خروجه وهو يلاحظ سحناتهم البدوية الشرسة بتمعن، كان يتقن المشهد بعظمة الحقيقة…بقدرة عظيمة على إعادته ألف ليلة وليلة هاهاهاها، بذات الشعور، بذات الحركات، بذات الوجوه….بذات الحقيبة، ألا ترى معي أنه كان عظيماً مثلك الآن يا فرعون؟ هاهاهاها وأنا اللي كنت بنقتله الزّاااااب؟ ياعندين دماغي وخلاص، والله منور يا حومة، يا صاحبي…أنت اللي وريتني الحقيقة، أنت اللي خليتني ندرك إنك تنيك عقل بنادم خير من إنك تنيك حياته…حياته ساهلة يا حومة، رصاصة وينتهي كل شيء، وقت منيك يا حومة…وقت منيّك.

واحضتن الجسد المهشم، الجسد منطفئ يبحث عن إحساس ما بالأسفل مابين الفخذين العاريين، يبحث عن عضو لم يعد يشعر بوجوده…أين هو؟ كان الفخذين السيناويين ينتهيان بقضيبه الغافي دون وسادتيه، دون المنبه…دون الكرتين الورديتين اللتين تنتجان رجولته حاملتين عبء إيقاظ العضو الخامل وعبء إثارة شهوته وإشباعها، كان قضيباً وحيداً…لا فائدة ترجى منه، قضيب مهزوز ومذلول دون خصيتيه هكذا صار، إذاً الآن…فهي اللحظة الحاسمة، لم يخطر ببالك يا نجيب ناجي؟! الآن، هذه اللحظة بالذات…هنا يجب أن تحدق داخلك جيداً، هذا ما تبقى لك فعله…هنا يجب أن تحدق في الخيط الأخير، الآن، تراه ينشد ببطء…ببطء تنسل الأنسجة، ببطء تنسحب الذكرى…ببطء تبكي الجروح والأيام ورجولتك وأحلامك، الآن…ستودع آخر ذرة في الخيط الأبيض أمامك أختها في الناحية الأخرى، الآن…سيحل كل شيء، الآن تريد أن تبكي لأن الآن ستضحك، الآن تريد أن تتألم لأن الآن لن يكون للألم جلسة أخرى معك، الآن تريد أن تذكر…لأن الآن لن ترى ذكرى، الآن تريد أن تموت، لأن الآن لن تحيى مرة أخرى…الآن الجنون، الآن الحرية، الآن موعد مع عالم آخر، الآن لن تعقل…ما الحاجة للعقل؟ إنه حمل كبير يا دكتور، إنه عضو مرهق يا نجيب يا ابن بلدنا يا حبيبنا، يا ليبي وإن لم تكن ليبي الولادة، رحب بالتوهان في مهزلة، رحب بأجمل وألذ شعور لن تحس به، لن يهمك إن لم تفعل أو فعلت، الآن ستغيب في اللحظة، المرض؟! هاهاها لن يعود  لك يا صديقي…صدقني، فليذهب للجحيم، الآن…الآن فقط، أنت مجنون هاهاهاهاهاها…..لا تنسى، عليك أن تجد قنينة الماء، حفرة الحمام، الجبنة والبسكويت.

طبطب عليه، أنهضه…خرج الجسد الضخم من الحاوية، أغلق باب الحاوية عليه، انتهى!

 

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s