تاجر الأوهام (6): قصة كلب ليبي هاجر إلى سويسرا 3/4


ffd

” فيلا دي دار بوك عميرة، المصدر على تويتر: History of Libya  

(7)

أنا؟ قتلتُ أخي!! نعم قتلته، غرست سكيني في رقبته، دمه خرج كمخاط ماعز كنتُ أعتقد أنه سيملأ الأرض غباراً بعد أن أذبحه لكنه همد جثةً لا تتحرك، حاولتُ مراراً لفعلها لكنني فعلتها أخيراً…. المحاولة الثانية كانت عندما أثار اهتمامي طائر اللقلق يقف بجبروت فوق شجرة السرو بالمزرعة، كانت الشجرة تكساد تنحني جذوعها التي يقف عليها الطائر الضخم محدقاً في هدوء نحو الشمال، نحو البحر، نحو روما وباريس وأسماك القرش وجثث الزنوج حتى قذفته بحجارة، يدي الضعيفة لم تسمح للحجارة الغبية أن ترتفع عالياً أكثر من منتصف المسافة، أنا على الأرض…وهوو على بعد عامود كهرباء ونصف، كان عالياً وكانت أحجاري سافلة…. ألا أرميه بحجارة من سجيل؟! ألا أفعل؟ تذكرتُ فتىً كان يملك الآلة المناسبة…آه لو كانت تلك الآلة لي، كنا نسميها ” الفليتشا” عبارة عن مثلث من الخشب مفتوح من أعلى ويلتقي الضلعيْن في ما تبقى من خشب بضلع خارجي يصنع قبضة لليد تمسك بها، بضلعي المثلث مجموعة من الحبال المطاطية ملفوفة بإحكام، في كل جانب مجموعة منفصلة من الحبال تلتف في جانبها الآخر بقطعة من مطاط دواليب سيارة مقطوعة بحجم طابع بريد، كانت عبارة عن حدقة لرميْ الحجارة تُرمى بها الطيور، الرامي المتمرس فقط هو من يعرف أين السر؛ السر ليس في ضربِ الجناح…إنّه في البطن لا تحاول أن تفكر حتى في ضربِ الرأس إنّ إحتمالية إصابتك له ضعيفة، البطن…ترفع الفليتشة عالياً أعلى من مستوى رأسك قليلاً، تمكسها بيدك الضعيفة وبيدك القوية تجذب القطعة المطاطية حتى تصبح في محلٍ أقل من عينيك عن الأرض، تركز ناظرك بين المثلث الخشبي وتبحث عن بطنِ الطائر، عينك ميزانك في هذه اللحظة…. تجذب الحبال بأقصى لديك من قوة ومن ثم تطلق! كنتُ أتخيل نفسي أضرب الطائر الأبله، لكنه تركني في خيالاتي وأحلامي…ترك داخلي مشروع الفليتشة لصنعها، أمضيت وقتاً أجمع المواد المطلوبة، مجموعة من الياستيك، قطعة خشبية من فرعِ زيتونة متفرعٍ إلى فرعيْن أصغر منه لكن قويين كفاية؛ قطعة من المطاط أو الجلد أو أية مادة يمكنها التعامل مع الحجارة الصغيرة…. عرض عليْ الفتى أن يصنعها لي، لا لا تفعل…إن كنت تستطيع فعلها سأفعلها أنا أيضاً أيها الغبي، اختلست الدخول إلى المطبخ…كانت أمي تعد طعاماً لأبي، مكرونة امبكبكة….كان يُحبِّ المكرونة المكبكبة، يعشقها…يمكنه أن يفطر، يتغذى أو حتى يتعشى المعكرونة اللذيذة! أمسكتها حاضناً… لأنّ أمي كانت تحبي أخي أكثر، لم أكن أملك أية مشاعر إتجاهها، أتذكر أنني لم أفعل ذلك عندما كنت فتىً… بل إنني أيضاً أتذكر أنني لم أعرف اسم أمي إلا عند التاسعة من العمر، كنت أعتقد أن اسمها هكذا ” أمّي” فتحت أحد أدراج المطبخ المحرم علينا الوصول إليْها ألهيها بالحديث عن المدرسة وعن الفتيان الذين حاولوا أن يضربوا أخي حتى تصديتُ لهم أنا أدافع عنه، ” عليه أن يتعلم بعضاً من الضربات، قلتُ لها” كانت تسمعني أحكي لها كيف وجدته يبكِي والطفلان الذين يصغرانه بست سنوات يحاولان سلبه إفطاره، فأنجدته من إحراج نفسه… فتحت الدُرج بهدوء، بحثت بيدي عن السكين الملائم، هاهو! سرقته ومن ثم خرجت قبل أن تلاحظني أفعل أي شيء، كانت عندما تصنع الطعام لا تحاول الخروج من الموود الخاص بصنعها، تضع كامل تركيزها فيها، خرجتُ مسرعاً وقلبي يدق… جلستُ بعيداً في المزرعة أعمل على مشروعي تحت شجرة السرو ذاتها التي وقف عليها اللقلق الأبله، كنت مثل أمي…عندما أعمل على مشروع فإنني أنسى كل شيء حولي، أكون في أضعفِ حالاتي وأقواها ربما، أضعفها مع العالم المحيط….أقواها مع نفسي، فاجأتني أذايْ بأن سمعتا حركة أرجل قاب قوسين أو أدنى مني، نظرتُ إلى أعلى بسرعة أحاول تخبئة موادي، كنتُ أعتقد أنه والدي…. لكنه كان هناك، أمامي يقف ناظراً إليْ في العاشرة من العمر، ابتسم في وجهي وقال ببهجة دائماً ما كنتُ أعتقد أنه يفتعلها:

  • أوه ماذا تفعل قل لي؟!

فتش عن المواد، كان السكين في يدي قد وضعته تحت جسدي ممسكاً به، حاولت إلهاءه لكنه كان مصراً لمعرفة ما أفعل… ما أفعله؟ ما الذي يهمك فيما أفعله؟ اهتم فقط فيما تفعله أنت أيها النجم، هتف أحدهم في أنذيْ فأحسست أنني يجب أن أجعله يجرب ما أفعله، نظرتُ له بابتسامة خافتة، قلت له:

  • أصنع فليتشة؟! هل تريد أن تجرب؟
  • نعم نعم بالطبع…

وسلمتُ له السكين ورأسه موجه إليه ببساطة، دفعته له… رغبة جميلة في إيذاءه خطرت ببالي، أصبتُ جزءاً من يده، كنت قاب قوسين أو أدنى من صدره! زغرد قلبي إلا قليلاً، كان الدم يخرج من بين إصبعيه السبابة والإبهام في خطوط لزجة، السائل الأحمر رسم لوحةً تباع بألاف الدولارت على يده، وكل ما قمتُ به أنني ناولت له الفرشاة لصنع       ذلك…بل إنّ الفنان داخلي أراد أن يرسم اللوحة هو لا غيره، رأى الدم… رأيت الدم، ألقى السكين ونظر إلى الجرح، لم يكن يبكي… كان ينظر إليْه برهبة، بخوف، قلبه كان يدق كطبول الحضرة، قلبي؟ كان يدق كطبول الحفلة، بادلني النظر وقد بدأت الدموع تساقط من عينيه، ونظرت إلى الموسى باهتمام أشاهد الصبغة التي صُبِغت بها، امتد السائل إلى سرواله، قميصه وحذاءه…كان ينزل كأول قطرات المطر على الحذاء الراتا الجديد خاصته، الدم لذيذ حدثني الصوتُ داخلي….الدم رائع، الدم بهيج! كانت تلك المرة… هي مجرد تجربة للتعرف على دم أخيك فقط، هكذا حدثني الصوت، تأمل يا فتاي الصغير….تأمل لأنه عليك يوماً ما أن تتعامل مع الموقف بالطريقة المناسبة عندما يأتي الوقت المناسب!

” أوه يا سيدي الكاتب! جميلة هي أفكارك وأصواتك، بدأت أعجب بك…صدقني، أنت شخصية مثيرة للاهتمام وعليْ أن أعرف عنك الكثير، أتعلم ماذا؟ أرى فيك جميع الناس الذين عرفتهم حقيقةً… لكن بالطبع كل ماهو جيد فيهم، أنت لستَ منهم، أنت الخلاصة…أرى فيك الشخص الوحيد الذي سيفعلها من بينهم جميعاً، لهذا…لهذا أحكي لك ما أحكيه، أنت قدّيسي الذي أريد منه أن يخلدني معه… هذا ما أشعر به اتجاهك هاهاهاهاهاهاهاهاها، على العموم، ولكنني أشعر بشيء حنيني إتجاهك، ربما هذا ما يميزك عن البقية هاهاهاهاهاهاهاهاها…لنعود لقصتنا”

انتقل مسعود من حالة إلى حالة أخرى، توجهت ذاته إلى الإتساخ؛ حاولتُ معه كثيراً، كنت صادقاً في مساعدته لكن دون جدوى، وعندما عرفت أن لا جدوى في تعليمه أي شيء وأنه سيخيبني في كل مرة رضيت بالأمر الواقع؛ كنتُ أجهز الخطط ويفشل في تنفيذها؛ أخبره أن لا ضيْر فهو لايزال يتعلم، ثم أن الخطط لا تفشل لأنه فاشل بل لأن الحياة قحبة ولأن جده ابن قحبة وأن علينا أن نعمل سوياً لمعرفة الحلول؛ كنت أحاول أن أجعله يبدو ذكياً لكن بدون فائدة؛ حتى مظهر المتذاكي لم يكن يليق به.

أخبرني بالفتاة التي يريد أن يلفت إنتباهها، قلتُ له: يا بيلّو، ألا يمكنك أن تختار غير هذه الفتاة؟ قال: لا! إنّ هذه الفتاة لها معنى رمزي.

  • لا رمزي، لا منير يا صديقي… الفتاة التي تريد أعرفها جيداً، جيداً جداً. أليست ملاك الرائد، أخوها عبدالسلام الرائد؟
  • كيف عرفته؟
  • هاهاهاهاهاها، إنني أعرف الجميع هنا. ضحكت ثم تحدثت له بجدية
  • يمكنني أن أبحث لك عن فتيات القبيلة كلها، إذا كان غرضك الإنتقام.
  • قلتُ لك إن لهذه الفتاة معنى رمزي…سأدفعك لك ما تريده؛ ميللي، دبلو ميللي…أو حتى عشرة ميللي. بالأورو يا ميركاتّو.
  • هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها حسناً يا ميا موري… يا إيتاليانو هاهاهاههاهاهاهاهاها حسناً!

 قال الكلب، يريد أن يشتريني بالمال؛ قلت لنفسي، نعم فليشتري… لا أحد يمكنه أن يستغلني، أنا الذي أستغل الناس… هذه قاعدة وجب عليك معرفتها سيدي الكاتب، لا تستغلني! وإلا أطلقت الرصاصات في رأسك؛ بيني؟ هاهاهاهاهاها – أخرج التاجر المسدس خاصته، وضعه في رأسي….كنتُ أشعر برهبة الموت عندما كان يهددني؛ تحركت أصابعي في مقتل؛ ضغط على الزناد….لم أستطع أن أحرك أية عضلة، هل يعقل أن تكون حياتي رخيصة لهذه الدرجة أم أراد أن يرسل رسالة ما لي؟ كانت عيناه حمراون مليئتان بالغضب والحقد عندما كان يتحدث عن مسعود، دائماً ما يذكره كأن الرجل أهانه….لم يكن يحكي قصته بهدوء أو بابتسامة، كان واضحاً عليه الإنفعال في الكثير من اللحظات خصوصاً فيما يتعلق بتلويح مسعود بورقة المال؛ لابد أنّ الرجل لم يكن محبباً له؛ ضغط الزناد….توقف قلبي، ثم خرجت ضحكة سخيفة وقذرة هاهاهاهاهاها. كان يضحك بفمه المليء باللعاب ورائحة السجائر الممزوجة بالماء فقط، ربت على ظهري ثم قال: أنا لا أمزح، ثم لا تنسى أن هذا يساعد على الكتابة عن الموت هاهاهاهاهاهاها-، استجمعتُ أنفاسي المتقطعة، وضعت يدي على صدري لأبحث عن قلبي الذي قد توقف؛ ثم رفعت يدي إلى المكان الذي وضع فيه المسدس…كان بارداً كالحديد في ليلِ الشتاء، الحزّة التي صنعتها فوهة المسدس الدائرية حركت إصبعي عليها بهدوء أتتبعها، العرق، والمشهد أكرره في عقلي ومنظره وهو يضحك تلك الضحكة الساحرة.

عاد التاجر يحكي:

ملاك الرائد، لن أخبرك الآن عن ماهية أخيها الرائد عبدالسلام الرائد، تلك قصة أخرى…. كانت الفتاة من بنات الأحياء الشعبية اللائي خرجن من رحمِ عائلة عادية جداً، بها بعض من الجرأة التي اكتسبتها من الأحياء التي تعيشها؛ كانت تحلم دائماً بأن تنبت جناحيْن جميليْن على ظهرها وتطير في السماء، كانت مشكلة مسعود معها أن ملاك الرائد لم تكن تنبهر بالمال كما تفعل الكثير من الفتيات؛ كان أخوها عبدالسلام الرائد أحد الأغنياء الجدد سخياً معها؛ كان مسعود يشاهدها تركب ” الانفينيتي” خاصتها ذاهبة إلى الكلية ويتعجب من جرأتها، ملاك رغم كونها ابنة الشعبيات إلا أن بها روح تواقة للحياة اكتسبتها مع السنين؛ تعشقُ التسوق، السفر، الترويح عن نفسها، كان أخوها يعاملها كملاكه الخاص، يقول لها دائماً: لا تجعلي الرجال يتحكمون بكِ أو يبهرونكِ، كلهم في الغالب سفلة! لم تكن من ذلك النوع من الإناث المهووسات بالرجال، لذا لم يكن صعباً عليها أن تظل تعيش في حياة وردية بعيداً عن العقد النفسية، طفلة ذاقت الفقر…ومن ثم ذاقت الغنى الفاحش، ولم يؤثر فيها ذلك شيئاً، إنني عندما أتحدث عنها…أشعر بتقدير شديد لها، ولكن أنت تعلم: Business is business

ولأن العمل هو العمل، كان لزاماً أن أجد طريقة لمسعود أن يلج فيها لأغوار ملاك.

لكن دون جدوى…

خطرت ببالي العديد من السيناريوهات؛ بحثتُ في ملفاتي عن خطة تمكنه منها، يتعرف عليها في إحدى المقاهي التي ترتادها،  نتحصل على الفيسبوك الخاص بها، نخرق عجلات سياراتها ويهب هو لمساعدتها؛ لكنني فكرت، إنها كانت ممتنعة، أتذكر أنني حاولت أكثر من مرة أن أتحصل عليها بكل الطرق السلمية ولم أتمكن، وعندما فكرت في كلمة السلمية ضحكت، نعم…. لن يكون لمسعود أي تأثير بشخصيته الضعيفة على الفتاة، أنا لم أتمكن من ذلك فكيف سيتمكن هو، ومن ثم جاءتني الفكرة الرائعة! ولماذا يتعين عليها أن تكون سلمية؟ إنني أعرف غرض مسعود، فهو يحقد على أبناء القبيلة الذين هاجموا مدينته، ويعتقد أنّ عبدالسلام الرائد كان أحد أولئك الأبناء، إنّه يريد أن ينتقم منه – لضعفٍ فيه- من خلال أخته، ها ها ها ها ها، إذاً ففكرت في الخطف والاغتصاب، لكن عبدالسلام…عبدالسلام خطير يا سيدي الكاتب، خطير جداً؛ إنّي أعرفه جيداً فهو من زبائني المفضلين… كان في ذات المكانة التي أضع فيها أشرف البوعا.

كان لملاك قصة شيقة سيدي الكاتب، قصة جعلتني أفكر جدية في جمال الاختطاف، في روعته وقدرته على جعل السيناريو أجمل وأكثر روعة، أحياناً تأتيني تلك الفكرة الرائعة في تحديد مسار زبائني، أن أتتبع الخطوات التي يتحركون بها، إنني أعشق التجارب، أضعهم في متاهة اختياراتهم، يسيرون في أزقتها ويواجهون مفترق الطرق، يأتون لي ناظرين وباحثين عن الجواب، لا أضعهم في أي مكانة، ولكني فقط…فقط أقول لهم: إن ما تبحثون عنه هو هناك، أشير بإصبعي إلى الهواء ومن ثم أعود لمشاهدتهم، بعضهم يحتاج لأن تجبره على أن يختار، ملاك! الممتنعة، تذكرت أيامي معها، ألاحقها في أزقة الكلية وأغازلها، تمشي واضعةً رأسها للأسفل حاملةً حقيبتها مرتديةً أرقى أنواع الجلاليب الخليجية، أقترب منها حتى نكون قاب القبلتيْن أو أدنى، وأسألها القُبل، تتابع طريقها محتشمة وصامتة، أصرخ في وجهها: يسلم عليك الضابط يا ملاك وأضحك بينما أشاهدها تضغط بأصابعها على حقيبتها، بينما ألاحظ ملامح وجهها تتغير، بينما أقف منتظراً لأجعلها تمر إلى الأمام منتظراً أيضاً لتلك النظرة الأخيرة التي ستلقيها عليْ عندما تنتهي بنا الطرق وتصل هي إلى مفترق الممر، كانت ملاك من الفتيات التي مارستُ عليهن بعضاً من وحشيتي، لم أكن مدركاً أنها أخت عبدالسلام الرائد، وعندما أدركت….توقفت، ليس لأنّي كنت أخافه، لا، بل لأنه كان زبوناً وشريكاً في بزنس ما.

عرفت ملاك السِجن، كانت تحفظ ملمس جدرانه ورائحة ممراته ومذاق طعامه ومرارة أيامه، سُجِنت بسبب أخيها الثائر، كان الضابط الذي يأخذ منها الإعترافات يعتقد إعتقاداً تاماً أنها تعرف مكانه، عبدالسلام لم يكن ثائراً عادياً لهذا فقد كان عناصر الأمن يبحثون عنه في كل مكان، داهموا منزله ولم يجدوا إلا أبيه وأمه وأخته، حملوا الفتاة معهم ورحلوا، كانوا يعتقدون أنه سيسلم نفسه، ولكنهم لم يعرفوا أنّه كان بعيداً عن أن يسلم نفسه، إن ما يهين الرجل هو السجن، لكن الأنثى هنا لا يهينها ذلك، أقصد لا يهينها نفسياً، يهينها جسدياً ربما لأنها في أغلب حالاتها سجينة المنزل، تعرف تماماً ماهو الشعور عندما تكون مجبراً لمعرفة الجدران، عندما لا تتمكن من الخروج متى ما أردت منها، إن إرادتك متوقفة على إرادة غيرك دائماً، تعرف تماماً مذاق الطعام المُجبَر عليك حتى وإن كان طعام أمك، وتعرف تماماً مرارة الأيام وهي تمضي متكررة، ثقيلة، ومرغمةً، ماكان جديداً عليها هي الأجواء، والقليل من التفاصيل التي يمكن بطريقة أو بأخرى أن تجد مشابهأً لها في المنزل….لذا لن يكون جيداً خطف فتاة تعرف مرارة السجنين، كان علينا أن نلعب قليلاً بأعصابها هاهاهاهاهاهاهاهاها.

  • ماذا حدث مع الفتاة؟ قال لي مسعود.
  • حسناً يا إيتاليانو يا صديقي، سأقول لك الحقيقة…إن الفتاة صعبة، وعليك أن تكون مالكاً لمالك كله قبل أن تفكر في أي شيء اتجاهها، علينا أولاً أن نتخلص من جدك، لنتمكن من تحرير مال العائلة من قبضة يده.
  • جدي؟! قال لي ممتعضاً… كأنه يريد أن يتخلى عن أمنيته، إنه يريد الفتاة.
  • آه بالطبع، لكني لا أجد طريقة مناسبة لفعل ذلك؛ إنّ الرجل العجوز لن يموت مبكراً وهذه المعضلة، ولن نتمكن من أن نأتيه بالسياسة – كنت قد فقدت الأمل في مسعود- لأنه يبدو متشككاً ويملك حسًا أمنياً عالياً، حقيقةً… لا أجد أي طريقة مسالمة لك في أن تنال منه!
  • كـ….كيف؟ ماذا سأفعل؟ انتابته ارتجافة.
  • سنقتله يا إيتاليانو… سنقتله.
  • لكن، لكن.. حاول الكلب أن يتنصل. إنّه كلب عربي حقاً.
  • يا إيتاليانو، يا إيتاليانو…هل تعتقد أن جدك رجل يستحق الحياة؟ إن الرجل لولم يكن واجباً أن يموت لأنه رجل عجوز مخرف قد تخطى عصره منذ زمن، فإنّه مجرم…أنت تعرف أنه كذلك، وما عقاب المجرمين، خصوصاً أولئك المجرمين من أيام الوصاية الإنجليزية؟ إن الجواب سهل يا صديقي… إن جدك هارب من العقاب، وأنت…أنت الوحيد الذي سيعيد هذا الحق، ليطمئن عمك، جدتك، أمك، أبوك يا مسعود ليستريح أبوك، وبالطبع….لتستريح أنت!
  • دعني أفكر.
  • فكر يا بيلو فكر….خذ راحتك. أشعلتُ سيجارتي واختفى مسعود.

(8)

زيورخ- سويسرا.

كان جالساً في مقهى للحيوانات الأليفة، حيث يصطحب مالكو القطط، الكلاب والطيور حيواناتهم معاً يمضون وقتاً ممتعاً صحبة الكائنات، كان المقهى مقسماً لأقسام؛ كان بالدقة بحيث تتعجب من قدر الوقت الذي أتيح لمصممه أن يتقن حتى التفاصيل الدقيقة الخاصة به، قسم الطيور كان عبارة عن كراسٍ وجلسات بها أقفاص واسعة يمكنك أن تضع طائرك فيها وإذا كنتَ لا تستريح إلا وهو بجانبك فيمكنك أن تضعه على غصنٍ من الأغصان التي تنحدر حتى مجلسك، للببغاوات كانت الجلسة به بعض من سحرِ الأدغال، والطعام؟ يقدمون كل شيء يلائم فصيلة الزبون إنسان أم حيوان؛ كانت هناك أطعمة مشتركة… المفضلة للزبائن، يأكلونها صحبة حيواناتهم ليشعروا بالحميمية معهم؛ جلس مسعود صحبة عككز في باحة قسم الكلاب ينظر بحيرة لايك زيورخ في أفق المكان كانت هناك مجموعة من السفن تنقل السيارات من مرفئٍ في البحيرة إلى القطاع الآخر لزيورخ، بدلاً من أن تدور المدينة كاملة لتصل إلى هناك كان يمكنك أن تأخذ الطريق المختصر، كان مسعود يستمتع بتفاصيل المدينة وروحها المتحررة، لا أشجار توت في المكان، لا نخيل، ولا حديث بالعربية وبالطبع لا يوجد ليبيون في الأرجاء وهذا ما كان يهمه، كان الطقس خريفياً يبصقُ أوراق الشجر، يعري حقيقتها التي حاولت خلال أشهرٍ أن تخفيها عن أعين الناظرين؛ حقيقة أنّها قبيحة بلا أوراقها، كان مسعود دائماً ما يمسك عقال الكلب في يده، جعله عقالاً طويلاً حتى لا يؤذيه ربما، الحقيقة أنّ زيورخ كانت أشبه بالجنة بالنسبة لمسعود….كان يعشق إيطاليا لكنه فكر مراراً أن زيورخ هي أفضل من روما؛ نعم روما سحريّة وكلام الناس فيها جزء من مقطوعة موسيقية لطالما استمتع بها، ولكن زيورخ بها التفاصيل الصغيرة جداً، كأن لا ترى أبداً شارعاً متسخاً، كأن ترى النظام في أدقِ الأمور، الهارموني كانت في النظام الذي تعيش فيه زيورخ موسيقاها الخاصة، لكن أيضاً روما هي الحُرية الحقيقية….. دمه كان يجري يحتفل في جسمه عندما وضعت قدماه موطأً عليها، وعندما خرج منها متجهاً إلى زيورخ شعر بألمٍ في صدره لوداعها، أنّه عليه أن يبقى هنا إذا تحصل على اللجوء مواطناً سويسرياً حتى يتمكين من أن يعيش حياة كريمة، لكن روما… روما، صقيلية، ميلانو، فلورانسا، البندقية وجبل تورينو…اوه، إنّها جذوره تنادي عليه، يمكنه أن يسمعها من بعيد، مضى يبحث في المكان عن شيء مألوف، شيء في زيورخ يمكنه أن يتشبث به كتشبث يده بعككز، كان عككز مستلقياً براحته على مقعدٍ خاص بالكلاب ينظرُ إلى سيده بعينين زائغتيْن، العيب في قدمه كان يكاد أن يختفي إنّه الآن يستمتع بعلاجٍ مجانيٍ في إحدى العيادات البيطرية في المدينة، يقوم بعلاجه مجاناً أحد الأطباء الذي تعرف على قصة مسعود وعككز من فابيان قبل نشر الخبر بأيام،  عرض عليهم بأن يبدأوا بجلسات علاج للكلب، إنّهم طيبون جداً هنا….طيبون إلى حدِ الحمق، هذا ما كان يفكر فيه مسعود.

لفت نظره مجموعة من الشباب كانوا يجلسون في طاولة قريبة صحبة كلاب بوذل، الراعي الألماني وتشياواوا؛ كانوا شابان وثلاث فتيات يتناولون الحديث عن رعاية الحيوانات بإنجليزية كانت تمر بعض كلماتها المألوفة على أذنيْه، أدار رأسه ناحيتهم….كانت إحدى الفتيات تنظر له بابتسامة لطيفة تبدي معرفةً به؛ ابتسم ناحيتها، فرك رأس كلبه، ونظر ساعته؛ كان يبدو كأنه ينتظر شخصاً ما، قدماه كانتا تهتزان،يده يمكنك أن تشعر برعدتها ما إن لمست العقال الواصل بين يد مسعود ورقبة عككز.

  • هاهما، أبطالنا! بلكنة عربية ممزوجة بأوروبية تكسر جلالة الحروف.

سمع صوتاً مألوفاً من بعيد، أدار رأسه ناحية الصوت، كان واقفاً هنالك فابيان صحبة فتاة رائعة الجمال ممسكةً كلبها الصغير كأنه طفل بين يديها، كانت لها سحنة الدم المختلط فلم يتمكن من معرفة كونها سويسرية أم لا، وقف، أرخى عقال الكلب وجعله موصولاً بقضيب مثبت في الطاولة المزروعة في الأرض، سلما عليه… قام الرجل صاحب الصوت المألوف قائلاً:

  • مسعود، فابيين….فابيين، مسعود. لفظ اسمه بصعوبة..

ثم جلسوا، جالت في رأس مسعود فكرة مدى تشابه اسم فابيان وفابيين، مسعود ومسعودة، شيء من هذا القبيل، كان مسعود يعرف ما الذي أتى بالفتاة إلى هنا فقد أخبره فابيان بذلك، كان فابيان صحفياً ضالعاً في العربية، عاش ثورات الربيع العربي في المنطقة وتمكن من إخراج تقارير إخبارية عن حالات إنسانية تقتل الروح، لم يكن مراسل حرب، بل كان مراسل إنساني يبحث في الحالات الإنسانية المتضررة من الثورات العربية، درس اللغة العربية في تسعينات القرن الماضي، أيام إضطرابات العراق وفلسطين ولبنان، في كل عشر سنين تسمع عن إضطرابات في المنطقة العربية وتجد الناس يستهجنون الأمر، أستهجنُ حقيقةً ما يستهجنونه، عرف الصحفي السويسري فابيين في المرة الأولى من والدها الذي كان أول المهاجرين الفلسطينيين إلى سويسرا، لذا قدم فابيين لمسعود وجعلها تتحدث وتحدثت فابيين وقالت بعربية فصحى زرعها فيها والدها منذ طفولتها، مشكلتها الوحيدة كانت حرف العيْن الذي أحس جزءها الأوروبي بصعوبته.

  • لقد زرتُ ليبيا مرة، لقد زرت كل البلاد العربية… إنني مغرمة ببلاد ألف ليلة وليلة، المتنبي، نجيب محفوظ، أم كلثوم، صبراتة، لبدة وغدامس، لقد كانت زيارتي إلى ليبيا سياحية محضة، ذهبت إلى المدن التراثية كلها، لبثت في طرابلس ليلتين، كان هناك مرشد سياحي؛ كان أصدقاءه يدعونه بالطاهر حسبما أتذكر، كان شبيهاً بعود القصب في سحنته برونصيْ اللون ويرتدي ملابس غريبة، قضينا معه أوقاتاً ممتعة في الصحراء الليبية، عرفني بكتب الروائي الليبي إبراهيم الكوني في ليل الصحراء؛ لم نتمكن جميعاً من النوم؛ Encre noire الحبر الأسود…هذا ما كان يسمي الليل في الصحراء، كان شاعراً… أتذكر إحدى قصائده التي قالها بإنجليزية – كانت إنجليزيته Perfectionné-  أذكر مقطعاً حميمياً منه في هجعة الليل قالها وقد كاد يبكي:

Hello, I am in your mind…

You saw me once,

Well, maybe twice!

You saw me laughing, don’t you remember why?

I saw you shivering,

When the leaves of your beloved,

Fell so gently, felt so nice…

Then maybe, as I record..

When the winds of change came passing by!

كان شاعرياً جداً، كان ذلك في خريف 2010، قبل أحداث 17 فبراير بشهور، لا أخفي عليك الحقيقة فقد سمعت قصصاً كثيرةً عن الليبيين، سمعت عن همجيتهم، جهلهم بالإضافة إلى طيبتهم وكرمهم، فأما القصص التي قرأت عنها في الصحف لم تكن تجعلك تطمئن لمعرفة ليبي، ولكني كلما تذكرت ذلك الشاعر، مرشدنا السياحي، شعرت بدفء يجري في عروقي، كان مثالاً على أن الليبي يملك روحاً رائعة متى ما أتيح له الأمر وأنه ليس فيه اختلاف عن بقية شعوب العالم المليئين بالطيبين والأشرار، الهمج والإنسانيين حد الثمالة، إنها النماذج البشرية مثل هذا الشاعر التي تكسر ” الستريوتايب” الذي نأخذه عن الناس؛ إن قصتك التي قرأتها جعلتني أتذكره بعدما كدت أن أتناساه…إن علاقتك ومغامرتك مع كلبك لهي من أعظم النماذج البشرية التي يمكنني أن ألتقي بها في حياتي هذه، أن يضحي إنسان بكامل حياته…فقط من أجل كلب.

دمعت عينا فابيين، ارتبكت، خفف فابيين عنها كم المشاعر المتدفقة في صدرها، مسحت بمنديلها دمعها ثم قالت ومسعود ينظر مبتسماً محولاً نظره بين اللحظة والأخرى ناحية كلبه فاركاً فروه:

  • آسفة، لقد تدفقت مشاعري بدون قصدٍ مني.

أمسك فابيان بيدها وحاول أن يخفف عنها، كانت كلبتها عود جالسة على فخذيْها، قال مسعود وهو ينظر ناحيتها:

  • شكراً لكِ، ولا عليكِ….لا يجب عليكِ أن تعتذري، إنني فقط أريد الراحة لصديقي، أن ينعم بحياة كريمة ولو قليلاً.
  • ما رأيكما أن نقوم بحفل خيري من أجل عككز؟ في بيتي….إنني أقوم بهكذا حفلات من أجل قضايا إنسانية، أعرف بعض الأصدقاء الشباب الحقوقيين والناشطين في المجال السياسي، كما أنّ لي اتصالات بالحكومة يمكنها أن تسهل حصولك على اللجوء، إنني أعرف أنك قد تحصلت على حماية مؤقتة. وأنك قد قمت بمساعدة فابيان بتقديم ملفاتك أنت وعككز للحكومة من أجل اللجوء الإنساني. كان الحماس يتحكم بكلامها!
  • شكراً….شكراً جزيلاً، أشكركِ. قال مسعود ببهجة، نهض ليحضنها. التفت يداه على جذعها بقوة.
  • لا شكر على واجب. ابتسمت فابيين وشربت قهوتها بخفة الأنثى، وأضافات: علينا أن نتحرك الآن!
  • حسناً، سأقوم باتصالاتي. قال فابيان.

(9)

” السويسريون!! شعب معقد لم أفهمه؛ وحكومة أكثر تعقيداً إذا أردت رأيي يا سيدي الكاتب، لم تعد تهمهم حقوق الإنسان كثيراً، بل انتقلوا إلى حقوق الحيوان ! هاهاهاهاهاها تخيّل… لو تعلم تلك الكلاب التي تحوم في الجبانة كل ليلة لما بقيت في هذه البلاد لحظة، لقفزت في قوارب الموت بحثاً عن الجنة السويسرية هاهاهاها مئات القوانين تنظم العلاقات بين البشر والحيوانات المتعددة، العلاقات بين الحيوانات من ذات النوع الواحد والعلاقات بين الحيوانات المختلفة هاهاهاهاها حقوق وواجبات؛ على كلبك أن لا ينيك كلب شخص آخر إلا بإجراءات قانونية ! إنهم مصابون في عقولهم، صدقني… سيأتي علينا يوم ونراهم يهتمون بحقوق الكائنات وحيدة الخلية، سيفعلوها…انتظرهم، المهم… فابيين قامت بتنفيذ وعدها، كانت شغوفةً جداً بالتفاصيل الصغيرة جداً جداً، من تدوعهم للحفلة ولماذا، كيف ستقدم لكل شخص مسعود، أهلاً هذا مسعود البطل..وبالطبع لا أنسى البطل الأكبر عككز، انظر إليْه إليس جميلاً؟ حسناً يا كلير ما رأيكِ في عككز؟ ألا يستحق حقاً أن يكون مواطناً سويسرياً، إن حكومتنا سلمت لمسعود أوراق مؤقتة فقط حتى لا يدخل في ورطة مع رجال القانون، نحن نريد منها أكثر من ذلك؛ كنتَ تراها تمسك كأس النبيذ الأبيض خاصتها ويد مسعود وتجره لمقابلة جميع المدعويين؛ مسعود….هؤلاء الجميع، الجميع….هذا مسعود؛ عككز…هؤلاء الجميع، الجميع…هذا عككز. وكنتَ ستفكر؛ ماذا بحق الله يفعله الكلب؟ إنّ عككز – ولا أحد يعلم بواطن الحيوانات- لابد أنه كان مبتهجاً وسعيداً، لو كنتَ تستطيع أن تقرأ أفكاره كنت ستسمعه يقول: لابد أنني في الجنة، أنا ميْت ! كانت ليلة جميلة، مليئة بالفتيات الجميلات الساحرات، بالشراب، بالموسيقى، بالهواء البارد يمر بين نوافذ المنزل، برغبة مسعود في أن يكون وحيداً للحظات يحتضنُ فيها سعادته، استغل فرصة….كانت هناك مجموعة من الفتيات قد تجمعن على الكلب، تركه لهم يلعبون معه وخرج إلى البالكونة، نظر للكلب: هذا الكلب المحظوظ! قالها.. أشعل سيجارته وحدق في البحيرة، كانت أضواء الليل تكاد تقتل روحك؛ يمكنك أن تبكي من سحرها… رائحة المياه تنفذ في أنفك، إنها الجنة! قال مسعود، أنا ميت! كان وجهه قد أحمّر حد الثمالة، كان قد شرب زجاجة من النبيذ الأحمر لوحده، كان يدخن سيجارته عندما مرّت أيامه في عقله، المعاناة التي أوقفها، الوعود التي أخذها من المدعوين، طمأنه الجميع؛ آه…. لقد نجح!”

شعر بيد تلتف حول قميصه، كانت رقيقة جداً… شعر بقليل من الخجل، كانت فابيين بفستانها الذي يبدو أكثر بهجةً وهي تقف بجانبه إلى البالكونة، قالت له بإنجليزية: لا تقلق، كل شيء سيكون على ما يرام، انظر إليْه كيف يستمتع بالحياة وتوجهت بنظرها نحو الكلب، ظل الإثنان يحدقان في البحيرة صمتاً… كان مسعود أقل خفة، قال لها: لم أكن أعلم أنني أستطيع فعل كل ذلك! إنني قاسيتُ الأمريْن هناك في بلادي، كانوا ينظرون إليْ بسخرية عندما يعلمون أنني بصحبة كلب اصطحبته من الشارع وربيته منذ أن كان جرواً.

  • منذ طفولته؟! ألم تجده ملقىً في الطريق بعد أن اصطدم بسيارة مسرعة؟ نظرت محدقةً فيه.
  • آه نعم نعم…. لقد كان جرواً! حسناً عليْ أن أدخل..

انتهى الحفل، لم يتبقى في المنزل سوى مسعود، فابيان وفابيين، عند الباب…قالت له:

  • انتظر قليلاً يا مسعود، أعتقد أن الوقت متأخرٌ الآن على عودة عككز إلى البيت، إنني أقترح عليك أن تمضي الليلة هنا…لديْ سرير إضافي للضيوف.
  • أعتذر ولكن…
  • لكن، عود لم تتعرف على عككز بالطريقة المناسبة، لا تريد أن تكسر بخاطرها صحيح؟ ثم نظرت باتجاه فابيان.
  • حسناً، أدعكما لوحدكما…سأغادر الآن، أتواصل معكما لاحقاً، ليلتكما سعيدة. قال فابيان مودعاً إياهما.
  • ليلتك سعيدة فابيان. قالت فابيين جاذبةً مسعود بيدها الداخل.

عليك أن تدرك أنها كانت أجمل ليالي مسعود، لقد أمضى صحبة فابيين في حديث عاطفي مليء بالمشاعر حتى آخر الليل؛ كانا جالسان جنباً إلى جنب، هي واضعةً رأسها على كتفه وهو يتحدث عن ليبيا، طفولته، كان التواصل بينهما في أشده؛ المشاعر والذكريات والقصص والحياة وما يأمله مسعود من المستقبل وما تخبره هي عن عود، آه الكلبة الصغيرة كانت ملك أحد الأمراء العرب…. لقد أخذتها منه أيام كانت تقوم بمغامرات الليلة الواحدة الجنسية مع العديدين، وجدته في البار جالساً وتحدثت معه بعربيتها المميزة، اعتقد الأمير أنها سويسرية صادف أنها تعرف العربية أحبها حتى أهداها في ليلة واحدة عود وبعضاً من الوعود، كانت تتحدث عنها ومسعود يفكر فيما يفعله هنا، لم يعد يتذكر كم شرِبَ؟ أصبح رأسه أكثر خفةً، كانت إحدى النوافذ لازالت مفتوحة تتغلغل نسمات الليل منها، كانا يضحكان، حتى قبلته هي فجأة… قالت له بعد أن لثمت فمه:

  • انتظرتُ هذه اللحظة منذ أن علمت بقصتك، كنت أتخيلها.
  • …….

لثمت شفتيْه، انزلقتا بين شفتيْه؛ لم يكن بارعاً في التقبيل أبداً لكنها أخذت زمام القيادة وشغفته امتصت ما تبقى له من رمق، أشعلت رغبته؛ جعلته ينزل حتى جيدها؛ كانت عند كل لحظة تعطيه المزيد والمزيد؛ ولم يتمكن هو من كبح مشاعره؛ فجأة…أوقفته بلمسة من إصبعها على فمه؛ انتظر قليلاً قالت له، نهضت، كانت تبتعد عنه ضاحكةً وناظرةً بإغراء في وجهه؛ ” سأغيّر ملابسي وأعود إليْك” قالت له.

وعندما اختفت، عاد يطرح على نفسه ذات السؤال: ما الذي أفعله هنا؟ آه… لقد أتيتُ من شجرة التوت إلى سواحل إيطاليا إلى روما إلى جنوب سويسرا إلى زيورخ، ألتقيتُ بالكثيرين في طريقي، دفعتُ الكثير من المال، الكثير والكثير من المال دفعته حتى أصل إلى هنا، نعم هذا ما أتذكره… لكن ما الذي جعلني أن أصل إلى هذه الكنبة، تحت هذا الضوء الأحمر، صحة المغربية؟ ميسون البتشة؟ أم ملاك الرائد؟ من بالضبط؟

  • حسناً…. ليس لديك مانع من تدخين بعض الماريوانا صحيح؟

 عادت ممسكةً بسيجارة قد لفتها؛ كانت ترتدي قميصاً وقطعة لانجيري، كان فخذيْها يناديانه.

  • لا مانع لديْ إطلاقاً. قال رافعاً كأس النبيذ.
  • حسناً؛ عليْك أولاً أن تتخلص من الملابس الرسمية هذه.

خرجت من الخفاء متحركة نحو مسجلة في القاعة بالقرب من نافذة مفتوحة يرفرف منها هواء خريفي خفيف جداً؛ كانت المسجلة هناك لكن كان يمكنك أن تسمع الموسيقى تخرج من زوايا القاعة بنقاء تام، كانت أغنية غريبة…. أحدهم بصوتٍ أنوثي يغني ” حنّة يا حنّة….. يا عارية في الجنة، يا طالعة الشيفوني يا راضية بولدنا، حنّة يا كنّة… حنة توازي عبرتك تتتغنّى في رضاك لسيدك وليه المنّة…. حنّة يا حنّة” ويعزف الصوت أعواداً لقيثارة تتحرك بهدوء….بمقتل في الجسد، بغنجٍ وتأنّي؛ ثم يغنّي صوتٌ ذكوري به أيضاً بعض الأنوثة يبدو حنينياً ” حنّة يا منايْ… حنّة يا كامل وكمال وأوصافك دوايْ ودايْ… حنّة ” يبدو العزف مخلوطاً بين الليبية والمغاربية والإسبانية ولكن الصوت كان ليبياً هذا ما أخبرته حواسه؛ قال له :

  • من هو ذا؟ كأنه ليبيْ؟
  • هذا الطاهر الذي أخبرتك به، إنه الشاعر الليبي الرائع، أعطاني هذه السي دي قبل رحيلنا وظللت أسمع لها مراراً. اسمعه…

 وجلست بين فخذيه؛ عادت لتقبيله وأخذت يديه ليلفهما بين قضها تنزع عنه جاكتته وقميصه تتحسس بيدها زبه الذي كان منذ بدء الحفل هائجاً وأرخت عنه حدة الملابس الرسمية، أراد أن ينزل إلى نهديْها وينزع القميص، ضحكت….” ليس الآن يا عزيزي” أمسكت رأسه للأعلى، وضعت الماريوانا في فمه وأشعلتها، تغلغل المخدر في جسده، شعر كأنه سيموت من سحرها، إنها تفاجئه! كيف يمكن لفتاة مثلها أن تتمتلأ بهذا القدر من العنفوان، لم يكن واضحاً أبداً من ملابسها الرسمية أنها يمكنها أن تفعل كل هذا… إن المظاهر خدّاعة، قال في ذاته. نزعت عنه سرواله وهو جالس في الكنبة يدخن السيجارة، كانت جالسة على الأرض تنظر إليه مبتسماً ومبتهجاً، أخرجت زبه، مصته، لم يشعر بمثل هذه اللذة أبداً، كانت تمصه بإحترافية؛ نزعت عنها قميصها، كان يمكنه أن يرى النهديْن الرملييْن العربييْن يرمقانه، نزعت عن فمه السيجارة ووضعتها في فمها تدخنها، مصهما ولحسهما، جُنّ… كان يريد أن ينيكها بشدة الآن، لم تطل اللحظات العاطفية، أطفأت السيجارة، ركبته، وأدخلته فيها، كانت ترقص على موسيقى الطاهر تحت ألحان أغنية أخرى أكثر هدوءاً، أكثر حزناً، أكثر عمقاً وأكثر جفافاً…كان هو يشعر بكل شيء، باللذة، بالجمال فوق ألحانِ الصحراء الليبية والبحر الإيطالي والجنة السويسرية والهواء الفلسطيني.

 جلست بجانبه وضمته؛ التصقت به قائلة:

  • ما رأيك أن تحكي لي قصتك يا مسعود، كيف وصلت هنا؟
  • إنك قرأتيها في الجريدة؟
  • نعم…لقد فعلت، لكنني أريد أن أسمعها عنك أنت…أريد أن أشعر بالكلمات التي نطقتها فيها.

توقف… لم يكن يعلم ما الذي يقوله، تذكر كل شيء…جده، الأيام القذرة، كيف أوقع بصحة المغربية، كيف أوقعت به ميسون البتشة،  ملاك والتاجر، البحر والقارب والكلب وكل شيء؛ كان يحاول أن يعاود الكلمات التي قالها في الجريدة كما هي، بحث عنها في ذاكرته، لم يجدها، كانت صور جده وملاك تحاربه أن يخبر القصة، قصة الكلب الليبي الذي هاجر إلى سويسرا، لم يستطع أن يجد أي شيء، وضع رأسه بين يديه بينما راقبته فابيين تنتظر منه أن يتحدث، فجأة…إنفجر بالبكاء، كان يبكي…قال لها:

حسناً!

(10)

– حسناً يا سيدي الكاتب، خذ عني الأوراق والقلم عني قليلاً، أريد أن آخذك جولةً في المدينة….لا تقلق، ستكتب! كل ما أحكيه لك، ستحكيه كما حكيته ولا تزيد عنّي حرفاً، أرسم الصورة كما أراها؛ كما أتخيلها، أكتب بذات اللهجة التي أقص لك بها؛ لا أريد أن يظهر صوتِي كأنّني شخصٌ آخر….أنت زابط يا برذر؟! أنا ما نحبش حد يغش عليا فهمتا كيف؟ المهم، هيا نطلعوا من هالخمر، شوية.

 شغل محرك السيارة، كانت كأنها وحشٌ ينهض من سباته…أدار المقود، ضغط على الفرسيوني، حرك المارشا للخلف قليلاً حيث حرف الراء مرسوماً بحدّة فيها بحواف موسى، وضع يده على كرسيي كرسيَ المسافر، أدار رأسه وجذعه قليلاً دون أن يضع الحزام، ضغط على البنزين وتحركنا للخلف….بدأت الشجرة وحيدة جداً، غامضة وقدسية أكثر، كان هناك آثار لأحجار بيضاء في الجذع الذي كانت السيارة تخفيه، كانت الأحجار كأنها لقبر مدفون تحت الشجرة، قبر أبيض يجذبك إلى حياة رجلٍ مبارك يحكون عنه المعجزات والخوارق، سيدي بركة الرجل كان صاحب علامات، جاء من الأندلس عائماً وحده! هكذا يقولون، كان حي التوت عبارة عن آثارٍ لآخر أنفاس الصحراء على العاصمة الليبية، كان ذلك الموسم يحكون عنه أنه مأساوي…حل القحط وجفت الحياة في المحروسة طرابلس غرب معشوقة مراد أغا الذي جاءها حامياً لديار الإسلام من أبناء الصليب، جاء الرجل عائماً ووصل المحروسة في المنطقة المدعوة الآن حيْ التوت فهبت مياه الخير تتساقط من المطر مع كلِ قطرة ماء تنزل من جسد بركة كانت ألف ألف قطرة من السماء تنزل على طرابلس، أشجار التوت بدأت تخرج من الحيْ كأنها بنات طلع، كان هناك زمان الحي كله كان سانية كبيرة من التوت، تلك البقعة التي سكنها بركة، وتلك التي عاش فيها، وتلك مات فيها بكامل كراماته…كرامات بركة الأندلسيِ الهاشميِ، كانت له زوجة يقال لها حوّاء من إحدى بنات طرابلس زوجها له أحد رجال المدينة الأثرياء، حوّاء هذه كانت فتاة المدينة بعضهم يقول أن أباها كان تركياً، بعضهم يقول أنه كان من أبناء طرابلس العرب الشرفاء أو البدوْ، بعضهم أيضاً يقول أنّه كان أمازيغياً، لكن الأمر ليس مهم كثيراً، المهم أنّ بركة حلت معه البركة، الجملة التي يقولونها في البلاد هنا والتي يضعونها في العديد من الجمل من أمثال ” البلاد ماشية بالبركة” و” هما البركة” التي يقولونها عن كبارِ السن دائماً هي ذاتها التي كان تقال عندما جاء بركة، حلت أعوام سمان على طرابلس بعد القحط في حياة بركة، الأرض أخرجت نباتها، أشجار النخيل، التوت، الزيتون، المحاصيل التي يحصدونها، كل شيء…كل شيء نمى وابتهج، كأنّ الأرض ترقص عروسة في حضرة بركة تحتفي به، وعندما مات…بدأت طرابلس تعود تدريجياً لخبوها واختفاءها وتتجرد من ملابس العُرس كالعروسة تماماً… في البدءِ تحتفي بعريسها، ثم يموت…فتظلُ عابسةً، ميتة شعورياً، إنها أصبحت أرملة، الأرامل…آه من الأرامل، أصبح الناس ينادون : لقد كانت تعيش ببركة…

المهم، تحرك بنا التاجر…. نظر إليْ وقال :

  • يا صديقي، أنا لا أخرج هذه الجميلة من تحت الشجرة التي تراها إلا في مراتٍ قليلة، عندما يكون الشخص الذي بجانبي مهماً جداً، وعزيزاً عليْ، أنت عزيز عليْ سيدي الكاتب، ولأنك من زبائني المفضلين أحب أن أريك قدرات هذه الجميلة التي تراها – وقد قبل مقود السيارة-، إذاً فلتكتب يا سيدي حتى آخذك في جولة داخل كُسِّ عروس البحر المتوسط هاهاهاهاهاهاهاها.

– لقد قتلتُ جدّي.

 قال الطلياني دون أن يدريِ…كان رأسه يذوب بين يديه اللتيْن حملهما حمله مركزاً إياهما على فخذِه العاري، ممسكاً بسيجارة لم يعد يدري كم مضى عليها بين إصبعيْه، وضعت فابيين يديها على صدرِها تحمي نفسها ممسكةً سيجارة الماريوانا بين يديها، وجدت نفسها قافزة… تنظر في وجهه الذي تخفيه عيناه، تكاد تصرخ، تكاد تبكي، لم تتمكن حتى من التحدث…ظلت ممعنةً فيه عن مسافة، لم يحرك رأسه إتجاهها، بدى غير مهتم بوجودها….كان ضوء النيون الأحمر فوق رأسهِ لليالي الحميمية الخاص بفابيين يسقط بخفوت ولطافة على جسده حتى يمكنك أن ترى قطرات دمع تسقط متلألئة بالأحمر وهو يتحدث.

قتلتُ جدّي، كانت له خادمة مغربية تُدعى صحّة وجدت معه منذ ثلاثين سنة تخدمه بعد أن طلق كل النساء وكرههن وشعر أنّهن لن تلدن له ولده الليبي، أخذ حفيده من بين يديْ أمّه وسعى لإبعادها وسلمه لصحة التي جاءت لليبيا في الثمانينات بحثاً عن الحياة السعيدة، كانت أيام السعد الليبية تضح في تلك الحقبة بشكل غريب، كان المهندسون، المعلمون، المحامون، الباحثون عن أموال النفط، المحاسبون والعاملون العرب من مصر، المغرب، العراق، السودان، تونس والجزائر يتوافدون من أجل حصد محاصيل البدوْ، كانت ليبيا جنة المال والنفط التي يبحث عنها الجميع، الدولار كان بثلاثين قرشاً ليبية كما يتحدثون، يمكنك أن تسافر من طرابلس إلى أوروبا بألفيْ دولار تعيش فيها ملكاً لشهر كما يقولون، 150 دولار تجعلك ملكاً في بولند….إن العسكريون الليبيون من ذلك الجيل يعلمون ذلك جيداً، كان جدي – أبي كما كنتُ أناديه- يثق بصحّة لأنها كانت تداويه كلما مرض لأكثر من ثلاثين عاماً، كما أنهامن تولى مهمة إطعامي وإطعامه طوال تلك السنين، لابد أنها هي التي حملتني بعيداً عني أمي داخلة إلى الغرفة، لابد أنني كنتُ أبكي عندما وضعت رأسي على ذراعيْ صحة لأول مرة، ولابد أنّها أخذتني من بين يدي جدي وأمي تنظر لها ولإبنها غارفةً في البكاء مبتعداً عنها تحمله الخادمة، فقد اتهمها الرجل بأنها قتلت رجلها ولم يتحمل ينظر إلى قاتلة ابنه، لابد أن صحة قد وضعتني بين عينيها لأكبر في حضنها، بين عينيْ جدي الذي لم يكن يثق بإنسان كما يثق بصحة، لم يكن يسمح لأحد أن يغسل ثيابه أو يعد له الطعام أو حتى يراه وهو مريض إلا هيْ، قيل في المدينة أنها سحرته، أنتِ تعلمين: في ليبيا يعتقدون كثيراً أنّ المغربيات مخيفات وقد يكنّ ساحرات، فهاهي خادمة مغربية تحوز على ثقة رجلٍ يراقب كل دقيقة كجدي، كبرت معه وكبر معها، كانوا يقولون عنها أنها تقيم علاقة غير شرعية معه، كانوا يقولون عنها أيضاً أنها كانت تضع له السحر في ملابسه وطعامه كل يوم حتى لا يصحو، كانوا يقولون أنّها حرضته على النساء جميعاً ليكون لها هي وحدها، وأنها هي التي وضعت فيه سماً قد قتل سلالته كلها في زبه ليكره كل النساء، ولتتمكن من أن تخدمه بعدها بكل الطرق دون أن يلاحظ عنها أن حبلت أو ما شابه ليعرف الناس أنها فعلاً كانت تصنع معه علاقات غير شرعية كثيرة؛ المهم… كانت خالتي صحة كما أناديها معه حتى عندما تناهى بنفسه بعيداً عن الناس وعني وأصبح يراقبهم جميعاً منتظراً اليوم الذي يقتلونه فيه، كانت الخطة محكمة كما تريْن…الخطة كانت سهلة، في أحدِ الأيام وخلال إعداد خالتي الغذاء لجدي دخلتُ عليها المطبخ أقبلها وألاعبها، كنتُ قد حقدتُ عليها، كنتُ أراها المرأة التي سرقتني من أمي بعد أن كنت أراها المرأة التي أنقذتني من أمي التي تركتني، ولكنني أتذكر أنني قبل ذلك كنت أحبها وأعشقها كثيراً جداً، لا أدري متى كان ذلك….لابد أنه كان قبل أن أعرف حقيقة جدي وما فعله بي، عندما أصبحت أشكك في كل الحقائق؛ كنت أحاول أن لا أظهر حقدي لها رغم أنه كان واضحاً قبل ذلك بأيام عندما تبدلت علاقتي بها، شممتُ رائحة الطبيخ وقلتُ لها بسعادة :

  • آه…إنها مكرونة! أكلتي المفضلة يا أمي صحة. – كنتُ أناديها أمي صحة-.
  • أنت تعرف سيدك، كي يحب المكرونة بالزّاف وليدي. قالت وهي تعمل وتدور كالحياة في المطبخ، استغللت اللحظة التي أدارت فيها رأسها بعيداً عن الطبيخ ووضعتُ السم. ثم أضفت:
  • لا أنتظر حتى تجهز!

 واختفيت من المطبخ… اتصلتُ به. كانت يداي ترتعدان، أكثر من الآن، كان قلبي يدق أكثر من الآن، كنت أشعر بالشيء الذي صنعته، كان ضخماً، ضخماً جداً حتى أنني لم أصدقه، كنت أحاول بشدة أن أكبح مشاعري، اتصلتُ به.

 ثم سكتَ  الطلياني، بكى وصرخ : اتصلتُ به…. اتصلتُ به.

  • من …. بمن اتصلتَ ؟
  • بالرجل، الذي خطط لكل شيء…..، ذلك الرجل صاحب المعجزات الذي جعلني أصل إلى هنا، إلى هذا المكان…اتصلتُ به وقلتُ له: لقد فعلتها…. لقد فعلتها. خرج صوتُه بارداً من السماعة وقال ” حسناً، تعالَ إليْ حالاً…”.

وذهبتُ له، قطعتُ مسافةً طويلةً جداً عبر الطريق، لم أتوقف ولا لمحطة واحدة، هربتُ من القرية إلى المدينة، لم ألحظ معالم الطريق أبداً، كانت سيارتي تسير بسرعة 140 كيلومتر في الساعة، الطريق كانت آمنة جداً، وصلتُ للمدينة، دخلتُ حي التوت لا ألوي على شيئاً إلا التوتة حيث كان هو، جلستُ، وضعتُ نفسي في كرسيْه لم يكن في بالي شيء سوى ما فعلته، كنت أرتعد كمن أصيب بالبرد؛ أدخن السجائر بشراهة، أعتقد أنني دخنتُ خمس عُلب ذلك اليوم، أطفئ السجارة تلو السجارة، أشعلتُ سجارتي بعد أن أطفأت أختها مع محرك السيارة بجانب الشجرة، داخل مقعد وولجت….كان ينظر إتجاهي بسعادة غامرة، قال:

  • أهلين يا بطل، أهلين يا تراس… هاك أشرب، إرخي عصابك.

 وصبّ لي من شراب البوخة خاصته، وسلمني الكأس، قال مضيفاً بعد أن ربت على كتفي:

  • ما ادورش يا صاحبي، اللي درته صح…أشرب أشرب ما ادورش، ربك وخدي أمانته….وردلك الأمانة اللي كانت في يد الشيباني المريض، أشرب يا عزيزي…. هكي رحمة ربي نزلت.
  • ……………. وشربتُ الكأس في جرعةٍ واحدة، أحرقتني….لكن حريقها الذي امتد في جسدي أصبح ينمِّلُ الثورة التي نشأت في عقلي، يخمدُ نيران الحريق.
  • الآن، وبكل صراحة أقول لك…لقد بدأت مرحلة جديدة في حياتك، أن تكون فيها معتمداً على نفسِك يا صديقي، مرحلة مليئة بالعدالة وبالانفتاح إلى الحياة والسفر الكثير، جوازك ستحصل عليه في ساعات بعد أن تقف في الجنازة جاعلاً إنتشار خبر قتل المغربية لجدك أمراً محتوماً، ومن سيفعل ذلك غيرها؟ لا أحد، الجميع يعلمون أنه لا أحد سيتمكن من فعلها غيرها حتى لو فكر في ذلك؛ سنتولى أمرها لا تخشى، لدينا أصدقاء في كل مكان.. العدالة قد نزلت على الجميع يا صديقي، ومن فعل ذلك؟ أنت! أنت وحدك… نخبك.

ومضت الأيام، تحققت نبوءته… سار الأمر، كما يجب أن يسير.

” هاهاهاهاهاهاهاهاهاها املا شن يا سيدي الكاتب، مشت الأمور… وخيّك لما يخطط لشيء اعتبره تم، قلتلك إطمن… لكن تبي الحق أبهرني كيف قدر يديرها، في الأول توقعته الميبون حينيكلها زكمها ويفجر الموضوع، لكن دارها كبيرة…  قصدي بجديات وقتها قعدت نصفقله، كان واصل لمرحلة من الحقد والكراهية ما وصلهاش حد، كلامي اللي قلتهوله أثر فيه، وصلته للنقطة اللي يعرف فيها إنه حياته مقتصرة علي اللي نقولهوله لأنه صحة حتخلي جده ديما في صحة – وضحك، رفعتُ رأسي أحدق فيه…. كنا حتى تلك اللحظة قد وصلنا في ريف المدينة، في طريق تملأها أشجار السرو والإستراحات تقبع خلفها في كل مكان، كانت الشمس تستحي أن تمر بين السرو دون أن تلقي بأظلالها على الطريق الثعبانية، أكمل حديثه- هاهاهاهاهاهاها، المهم….آه، إنتظر قليلاً، آه نعم…نعم، هذه هي الفتحة، – وانعرجنا عن الطريق داخلين إلى طريق ترابية- تزيد فيها سطوة الشمسِ والضوء، كانت على جانبيها تنتشر الإستراحات، حتى اختفت وعادت فيها أشجار من أنواع آخر، كان صنوبراً عالياً على جانبيْن يسمحان لسيارة وقليل منها لتمشي في المكان، يقبع تحتها وادٍ بإنخفاصِ يقدر ضعفيْ الهامبورغا، كنتُ متأملاً في المكان، أشعرُ بشيء من النستولجيا إتجاهه كأنني كنتُ أعرفه تماماً، ربما…ربما لأنني كنتُ دائماً عاشقاً لأشجار الصنوبرِ بهذا التناغم مع الطريق، التناغم الذي قطعه مبنىً قديم ربما يبدو كحانوت توقف صاحبه عن الذهاب إليه منذ الأبدء، ثم سور خلفه سلسلة الأشجار مجدداً وبوابة حديدية قد أكلها الصدى، عندما دخلنا الطريق الترابية لم يتكلم حرفاً، كان يدخن سيجارته مثلما أفعل….صامتيْن كليْنا، وكأنّ ما قاله لم يقله”.

(11)

خرجنا من السيارة، كنا الآن داخل السور….المساحة الخضراء أمامنا بأشجارها وحياتها وكل مافيها، كانت مساحة واسعة بمقدار ستِ هكتارات تقريباً من أشجار الزينة وأشجار السرو، الزيتون، الكرم، نصف هكتار كامل من العنب، وتوت… كانت بجانب التوتة الدار القديمة المطلة على البوابة، كانت تستظل بظلها دجاجات المكان وبطه، تقدمنا نحو الإستراحة؛ ونحنُ في الطريق باتجهاها أنشأ يتحدث من جديد حول ما حدث مع مسعود الطلياني…

” جلس مسعود هناك تحت الضوء الأحمر، توقف…ازداد نشيجه، فابيين كانت تنظر نحوه مصعوقة واضعةً يدها على فمها ترتعد من ما قد قاله، ضحكت وقالت:

  • لابد أنّك تمزح، صحيح؟
  • لا…لستُ أمزح!
  • وإذا نجحت الخطة، لماذا كان عليْك أن تأتي هنا؟ أجبني.. من أجل الكلب صحيح؟
  • الكلب؟! ها… نعم الكلب – صب لنفسه كأساً أخرى من النبيذ، أشعل سيجارة…أصبح الآن أكثر هدوءاً بعد أن على نشيجه بكاءً على ما فعله بالرجل العجوز، شربه جرعةً واحدة وتابع-، حسناً… بعد أن قتلتُ جدّي، واتهمتُ صحة بأنها من قتلته، لم أعد أتذكر ماذا حدث معها بالضبط، وصرت المالك الشرعي للمال، بدأ الناس يقبلون نحوي… لكن أمراً ما جعلني أنفر منهم، أهرب منهم، لم أطق البقاء في القرية بعد ذلك اليوم ولم أعود، حتى إذا ما مضى عام كامل عن وفاة جدي كما شدد عليْ الرجل فعله، انتظر فيه محتقراً لتلك اللحظة…لتلك التي أبيع فيها كل شيء، مالي وحياتي وجنسيتي وانتمائي لقبيلتي وأرحل؛ تذكرت جواز السفر…كان عليْ أن أحصل على جواز سفر، ذهبتُ للمدينة… كان الأمر سهلاً؛ في خلال أيام بعد وفاة جدي تحصلت على جواز سفر من أحد أصدقاءه الذي كان يخفي عني الجواز، كان العجوز المسمى سليمان يريد أن يشتري أراضي جدي كاملة لكن العجوز لم يكن واثقاً فيه كفاية ليعطيها له؛ كان يشعر أنه أهانه، كلاهما بالطبع كانا يشعران بأن الآخر أهانه، فابتعدا عن بعضهما البعض قليلاً حتى وفاة جدي، سلم عليْ خصيصاً وأمضى الليالي الثلاثة ينتظر قدومي من العاصمة يعودني فيها جميعاً دون أن يجدني ويحادثني عن جدّي وحياته وكيف أن الأراضي الرائعة هذه سيأسف عليها لأن جيلي لن يستطيع مهما فعل أن يقدر قيمتها كجيله القديم، وكنتُ مؤمناً بكلامه حقيقةً دون أن يضطر لإغرائي ببعيها، سأفكر في الموضوع …أجبته، كنتُ أستذكر كلمات الرجل ” مهما كان الأمر هناك…انتظر عاماً كاملاً للتصرف” يرددها عندما أخبرته أنني سأذهب لعزاء جدي، لكن المال…المال لم يكن كافياً بالنسبة لي؛ كنت أحلم في كل ليلة بمخطط ما؛ كنتُ أحلم بالبلدان التي أسافرها، إيطاليا، مالطا، تركيا، تونس، هولندا وكل ما يخطر ببالك، وأسمع كلماته تعيقني من الحلم؛ أحلم بالواقع المأمول ويكبلني الواقع المؤلم، كان العجوز يعايدني بعد ذلك لأسبوع ويحادثني، في اليوم الثاني قال لي: ينقصك شيء؟ قلت له عارفاً بمكانته: جواز سفر! فقال ضاحكاً: سيأتيك يا بُنيْ عمّا قريب، أتذكر جدك كان يصر عليْ أن لا أعطيه لك مهما حدث لكن الرجل لم يكن مدركاً أنّ جيلك ليس جيل والدك وليس جيله وأنّكم من ستبنون هذه البلاد بسواعدكم، إن الفرص متاحة لكم الآن بحرية تامة أخبرني العجوز سليمان، في اليوم الأخير وقبل عودتي لطرابلس سلمني الجواز وقال لي: فكر ملياً في ( الأفاري) الذي بيننا يا مسعود، وابتسم ابتسامة بها غمزة وهو يضع يديه على كتفيْ،  طرتُ إلى طرابلس مسرعاً….. اجتمعتُ بالرجل وأظهرتُ له الجواز فرحاً: انظر… لقد تحصلت عليه! وسردتُ له القصة كاملة دون نقصان عن الحاج سليمان، نظر نحوي بانتباه، ثم ابتسم وقال ” آه جميل…جميل جداً، يجب أن نحتفل من أجل كل هذه الانتصارات! هل رأيت ؟ الخير بدأ يحل عليك بسرعة، إنني أعرف فتاة ستعجبك… إنها ميسون… العاهرة شيء آخر، شيء لا يمكن تصوره….ستكون عندك حيث تشاء!!” وجاءت ميسون إلى حيث أريدها، شربنا ذلك النهار أنا وهي فقط، كانت ليلة حمراء بكل مافيها جمال ميسون وروعة جسدها الأبيض الطريْ ونهديها وأردافها، لقد شعرتُ بأنني أولد من جديد في حضنِ ميسون، الفتاة الليبية الأخيرة التي سأنيكها، نكتها، شربنا المزيد حتى فقدتُ وعيي…ما شربته الليلة لا يقارن بنصف ما شربته في ذلك اليوم، كنت أتحول مع كل جرعة إلى برميل خمر، كان إبتهاجي عظيماً جداً…وأخيراً تحصلتُ على الحلم الذي لطالما حلمتُ به، وأخيراً سأسافر إلى وطني….كانت ميسون سلسلة انتصاراتي، المرأة التي أعطتني الحنان كله في تلك الليلة؛ إحدى ربات الحنان الليبيات، كانت للبعض ميسون كما للآخرين فاطمة وسرور وأميرة؛ كانت ميسون بجسدها البض، بمؤخرتها الباهرة؛ بنهديها الإلهيين بجمالها ودلالها ومعرفتها بالضبط ما الذي يريده عميلها منذ اللحظة الأولى التي تراه فيها؛ كان ذلك ما يميزها….تغلغلت في ليلة واحدة في روحي وحياتي وجسدي حتى كادت تقتلني؛ أحببتها في ليلة واحدة وفي صباحها كرهتها….حقدتُ عليها بعضاً من الوقت، لأنني تخدرتُ وأنا أحلم بنفسي أرقص في شوارع روما وهي فوق جسدي، في البياتزا دي تريبولي وهي ترضع زبي، أن أتحلى بالقرينتا في مباريات السيدة العجوز وأنا أحلم به أنجلينا وجوليانا وبربرية في حقول الشمال وصقليية…صقلية نبيلة وضعتها الحياة مثلي هنا تقبل فخذيْ، أن أشرب حد الثمالة في الحانات ونوادي الرقص بفلورنسا وأنا ألمس مؤخرتها ترقص فوقي، أن أشعر بالهواء الصقلي يعانقني… حتى استيقظت، اليوم التالي مسمار 6 يكاد يخترق جمجتي، عارياً من كل شيء…. ملابسي، سيارتي، أموالي، ساعتي، لم تبقي لي شيئاً سوى هاتفي النقال، بحثت عنها في كل مكان، لم أجدها…اختفت، فص ملح وذاب، تذكرتُ جواز سفري، لقد اختفى! اللعنة…اللعنة، كنت أصرخ في كل المكان، اتصلتُ به، مجدداً كما أفعل كل مرة، قلتُ له
  • البوتانا، لقد سرقت مني كل شي!! جواز سفري… كنت أصرخ كالمجنون في الهاتف.
  • أين أنت؟ قال لي.
  • في المزرعة. قلتُ له

 كانت لدينا مزرعة في جنوب طرابلس، كبيرة وواسعة وبها كل شيء، جاءني. ذلك اليوم لازلتُ أتذكره… جاء غاضباً وصرخ ” اللعنة على القحاب، لا ثقة فيهن أبداً… سأقتلها، أقسم لك يا بيلّو سأفعلها، العاهرة تعتقد أنها يمكنها أن تسرق أصدقائي؟ سأوريها من أنا، انتظر…انتظر، حتى أتصل، اليوم سأقتلها… ستسمع خبرها، تفو… “

” هاهاهاهاهاهاها، أنت تعرف ماذا حدث يا سيدي الكاتب، ميسون البتشة أو كما يقولها الإيطالي البوتانا قامت بسرقة الرجل لم تبقي له شيئاً، كانت تعمل لصالح أحدهم، ولابد أنها عرفت أن زبونها مهم جداً فأرادت أن تقوم بصفقة العمر، فهمتا كيف؟ هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها – ضحك التاجر وهو يتحدث عن ردة فعل مسعود عن ما حدث، إنه قد رآه عارياً تماماً من كل شيء…جعلني أضحك تماماً مثله في هستيريا عندما تخيلتُ الأمر، كان الأمر مضحكاً حقيقةً بمثل ماهو مأساوي، كنا جالسيْن تحت إحدى أشجار الصنوبر أمام المنزل الأمريكي الذين يدعونه هنا ” ظهر الحمار” بلونه الأبيض وحديقته الخضراء يمر منها ممر حصى مصريْ وتصل به ركابة خشبية كأنك في تكساس تلتف من جانبيه أشجار  الصنوبر في كل زاوية أعمدة ضوء نحاسية، الواجهة التي أمامه تطل على حقلٍ للعنب في وادٍ بسيط تتلوها بعض أشجار توت، أشجار التوت كانت كثيرة جداً، كنا جالسين في طاولة بإحدى الجوانب بحيث يمكننا رؤية خط أشجار السرو المقابلة من ناحيتنا فوق الوادي تحتها حاوية، ننظر في الطبيعة وأنا أسجل الكلمات-“

عدتُ مجدداً إلى نقطة الصفر…. هذا ما كنتُ أفكر فيه كل يوم، كنتُ مصاباً بالإكتئاب أنتظر خبر العاهرة ميسون ولكن دون أخبار، أنتظر اتصالاً من أي رقم على شاشة الهاتف، تذكرت جلسة جدي في المربوعة أيام الحرب كان ينظر إلى شاشة الهاتف طيلة النهار، هذا ما كنت أفعله، أقلده تماماً، أنتظر أن يتصل بي المبتز ويخبرني بالمال الذي يحتاجه ليرد لي حاجياتي، لكن دون جدوى…. لا شيء، تفكرتُ للرجل العجوز، سليمان… أكيد عنده الحل ولكن ماذا سأخبره؟ أنني سكرت واختفى الجواز مني؟ يجبُ أن أرتب كذبةً تصدق، ولكنني كما ترين لست جيداً في الكذب هاهاهاهاهاهاهاهاهاها إنني دائماً مهما كذبت يحل السوءْ عليْ، أصبحتُ أتردد على الرجل تحت شجرة التوت أكثر فأكثر فأكثر، كان يمنيني كل يوم قائلاً ” يا صديقي….البحث لازال جارياً إطمئن” ، ” لا تتواصل مع العجوز سندبر الأمر صدقني” كان يطمئنني ويخبرني أننا سننجح في استرجاع الجواز الأصليْ ولا داعي لإخراج بدل فاقد، وفي أحدِ الأيام قالها لي صراحةً ” ميسون…العاهرة، وُجدت ميتة ….. لا وجود لأغراضك عذراً!”. صعقني…. أراني صورتها على نقاله في احدى صفحات الفيسبوك ملقيةً على قارعة الطريق؛ لم أكن لأتبيّن وجهها الملطخ بالدماء ولكن فستانها الذي ترتديه هو ذاته الذي كانت ترتديه ليلتها. إذاً، عدتُ مجدداً إلى النقطة ما قبل الصفر، فكرتُ أن حياتي كلها سأنهيها هناك هاهاهاهاهاهاهاها.

وضحك الطلياني، كانت ضحكته المحترقة تخترق أبعاد المكان وتخترق روح فابيين، كانت تنصت من بعيد، دون حركة دون أي شيء…كانت قد تخذرت بفعل الماريوانا والخمر، تجمدت دون حراك تسمعه يتحدث، عاد مسعود إلى هدوءه بعد نوبة الضحك، أشعل سيجارة أخرى بعد أن لاحظ أن التي في يده قد انطفأت منذ مدة، وأكمل حديثه:

  • لكن الأمر كان على ما يرام، هكذا أخبرني…. كل شيء على ما يرام يا مسعود، دائماً لدينا حلول…. لا شيء يقف في طريقنا، بالمناسبة… لديْ أخبار سعيدة يا صديقي، قال لي الرجل. وهنا سأقول لكِ جريمتي الأخرى… تلك التي دفعتني إلى الوصول هنا إلى سويسرا صحبة الكلب.

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s