تاجر الأوهام (6): قصة كلب ليبي هاجر إلى سويسرا- الأخيرة


libya-acacus-mountains-rock-art

الزرافات الليبية الثلاث- الفن الصخري، أكاكوس، ليبيا.

(11)

خرجنا من السيارة، كنا الآن داخل السور….المساحة الخضراء أمامنا بأشجارها وحياتها وكل مافيها، كانت مساحة واسعة بمقدار ستِ هكتارات تقريباً من أشجار الزينة وأشجار السرو، الزيتون، الكرم، نصف هكتار كامل من العنب، وتوت… كانت بجانب التوتة الدار القديمة المطلة على البوابة، كانت تستظل بظلها دجاجات المكان وبطه، تقدمنا نحو الإستراحة؛ ونحنُ في الطريق باتجهاها أنشأ يتحدث من جديد حول ما حدث مع مسعود الطلياني…

” جلس مسعود هناك تحت الضوء الأحمر، توقف…ازداد نشيجه، فابيين كانت تنظر نحوه مصعوقة واضعةً يدها على فمها ترتعد من ما قد قاله، ضحكت وقالت:

  • لابد أنّك تمزح، صحيح؟
  • لا…لستُ أمزح!
  • وإذا نجحت الخطة، لماذا كان عليْك أن تأتي هنا؟ أجبني.. من أجل الكلب صحيح؟
  • الكلب؟! ها… نعم الكلب – صب لنفسه كأساً أخرى من النبيذ، أشعل سيجارة…أصبح الآن أكثر هدوءاً بعد أن على نشيجه بكاءً على ما فعله بالرجل العجوز، شربه جرعةً واحدة وتابع-، حسناً… بعد أن قتلتُ جدّي، واتهمتُ صحة بأنها من قتلته، لم أعد أتذكر ماذا حدث معها بالضبط، وصرت المالك الشرعي للمال، بدأ الناس يقبلون نحوي… لكن أمراً ما جعلني أنفر منهم، أهرب منهم، لم أطق البقاء في القرية بعد ذلك اليوم ولم أعود، حتى إذا ما مضى عام كامل عن وفاة جدي كما شدد عليْ الرجل فعله، انتظر فيه محتقراً لتلك اللحظة…لتلك التي أبيع فيها كل شيء، مالي وحياتي وجنسيتي وانتمائي لقبيلتي وأرحل؛ تذكرت جواز السفر…كان عليْ أن أحصل على جواز سفر، ذهبتُ للمدينة… كان الأمر سهلاً؛ في خلال أيام بعد وفاة جدي تحصلت على جواز سفر من أحد أصدقاءه الذي كان يخفي عني الجواز، كان العجوز المسمى سليمان يريد أن يشتري أراضي جدي كاملة لكن العجوز لم يكن واثقاً فيه كفاية ليعطيها له؛ كان يشعر أنه أهانه، كلاهما بالطبع كانا يشعران بأن الآخر أهانه، فابتعدا عن بعضهما البعض قليلاً حتى وفاة جدي، سلم عليْ خصيصاً وأمضى الليالي الثلاثة ينتظر قدومي من العاصمة يعودني فيها جميعاً دون أن يجدني ويحادثني عن جدّي وحياته وكيف أن الأراضي الرائعة هذه سيأسف عليها لأن جيلي لن يستطيع مهما فعل أن يقدر قيمتها كجيله القديم، وكنتُ مؤمناً بكلامه حقيقةً دون أن يضطر لإغرائي ببعيها، سأفكر في الموضوع …أجبته، كنتُ أستذكر كلمات الرجل ” مهما كان الأمر هناك…انتظر عاماً كاملاً للتصرف” يرددها عندما أخبرته أنني سأذهب لعزاء جدي، لكن المال…المال لم يكن كافياً بالنسبة لي؛ كنت أحلم في كل ليلة بمخطط ما؛ كنتُ أحلم بالبلدان التي أسافرها، إيطاليا، مالطا، تركيا، تونس، هولندا وكل ما يخطر ببالك، وأسمع كلماته تعيقني من الحلم؛ أحلم بالواقع المأمول ويكبلني الواقع المؤلم، كان العجوز يعايدني بعد ذلك لأسبوع ويحادثني، في اليوم الثاني قال لي: ينقصك شيء؟ قلت له عارفاً بمكانته: جواز سفر! فقال ضاحكاً: سيأتيك يا بُنيْ عمّا قريب، أتذكر جدك كان يصر عليْ أن لا أعطيه لك مهما حدث لكن الرجل لم يكن مدركاً أنّ جيلك ليس جيل والدك وليس جيله وأنّكم من ستبنون هذه البلاد بسواعدكم، إن الفرص متاحة لكم الآن بحرية تامة أخبرني العجوز سليمان، في اليوم الأخير وقبل عودتي لطرابلس سلمني الجواز وقال لي: فكر ملياً في ( الأفاري) الذي بيننا يا مسعود، وابتسم ابتسامة بها غمزة وهو يضع يديه على كتفيْ،  طرتُ إلى طرابلس مسرعاً….. اجتمعتُ بالرجل وأظهرتُ له الجواز فرحاً: انظر… لقد تحصلت عليه! وسردتُ له القصة كاملة دون نقصان عن الحاج سليمان، نظر نحوي بانتباه، ثم ابتسم وقال ” آه جميل…جميل جداً، يجب أن نحتفل من أجل كل هذه الانتصارات! هل رأيت ؟ الخير بدأ يحل عليك بسرعة، إنني أعرف فتاة ستعجبك… إنها ميسون… العاهرة شيء آخر، شيء لا يمكن تصوره….ستكون عندك حيث تشاء!!” وجاءت ميسون إلى حيث أريدها، شربنا ذلك النهار أنا وهي فقط، كانت ليلة حمراء بكل مافيها جمال ميسون وروعة جسدها الأبيض الطريْ ونهديها وأردافها، لقد شعرتُ بأنني أولد من جديد في حضنِ ميسون، الفتاة الليبية الأخيرة التي سأنيكها، نكتها، شربنا المزيد حتى فقدتُ وعيي…ما شربته الليلة لا يقارن بنصف ما شربته في ذلك اليوم، كنت أتحول مع كل جرعة إلى برميل خمر، كان إبتهاجي عظيماً جداً…وأخيراً تحصلتُ على الحلم الذي لطالما حلمتُ به، وأخيراً سأسافر إلى وطني….كانت ميسون سلسلة انتصاراتي، المرأة التي أعطتني الحنان كله في تلك الليلة؛ إحدى ربات الحنان الليبيات، كانت للبعض ميسون كما للآخرين فاطمة وسرور وأميرة؛ كانت ميسون بجسدها البض، بمؤخرتها الباهرة؛ بنهديها الإلهيين بجمالها ودلالها ومعرفتها بالضبط ما الذي يريده عميلها منذ اللحظة الأولى التي تراه فيها؛ كان ذلك ما يميزها….تغلغلت في ليلة واحدة في روحي وحياتي وجسدي حتى كادت تقتلني؛ أحببتها في ليلة واحدة وفي صباحها كرهتها….حقدتُ عليها بعضاً من الوقت، لأنني تخدرتُ وأنا أحلم بنفسي أرقص في شوارع روما وهي فوق جسدي، في البياتزا دي تريبولي وهي ترضع زبي، أن أتحلى بالقرينتا في مباريات السيدة العجوز وأنا أحلم به أنجلينا وجوليانا وبربرية في حقول الشمال وصقليية…صقلية نبيلة وضعتها الحياة مثلي هنا تقبل فخذيْ، أن أشرب حد الثمالة في الحانات ونوادي الرقص بفلورنسا وأنا ألمس مؤخرتها ترقص فوقي، أن أشعر بالهواء الصقلي يعانقني… حتى استيقظت، اليوم التالي مسمار 6 يكاد يخترق جمجتي، عارياً من كل شيء…. ملابسي، سيارتي، أموالي، ساعتي، لم تبقي لي شيئاً سوى هاتفي النقال، بحثت عنها في كل مكان، لم أجدها…اختفت، فص ملح وذاب، تذكرتُ جواز سفري، لقد اختفى! اللعنة…اللعنة، كنت أصرخ في كل المكان، اتصلتُ به، مجدداً كما أفعل كل مرة، قلتُ له
  • البوتانا، لقد سرقت مني كل شي!! جواز سفري… كنت أصرخ كالمجنون في الهاتف.
  • أين أنت؟ قال لي.
  • في المزرعة. قلتُ له

 كانت لدينا مزرعة في جنوب طرابلس، كبيرة وواسعة وبها كل شيء، جاءني. ذلك اليوم لازلتُ أتذكره… جاء غاضباً وصرخ ” اللعنة على القحاب، لا ثقة فيهن أبداً… سأقتلها، أقسم لك يا بيلّو سأفعلها، العاهرة تعتقد أنها يمكنها أن تسرق أصدقائي؟ سأوريها من أنا، انتظر…انتظر، حتى أتصل، اليوم سأقتلها… ستسمع خبرها، تفو… “

” هاهاهاهاهاهاها، أنت تعرف ماذا حدث يا سيدي الكاتب، ميسون البتشة أو كما يقولها الإيطالي البوتانا قامت بسرقة الرجل لم تبقي له شيئاً، كانت تعمل لصالح أحدهم، ولابد أنها عرفت أن زبونها مهم جداً فأرادت أن تقوم بصفقة العمر، فهمتا كيف؟ هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها – ضحك التاجر وهو يتحدث عن ردة فعل مسعود عن ما حدث، إنه قد رآه عارياً تماماً من كل شيء…جعلني أضحك تماماً مثله في هستيريا عندما تخيلتُ الأمر، كان الأمر مضحكاً حقيقةً بمثل ماهو مأساوي، كنا جالسيْن تحت إحدى أشجار الصنوبر أمام المنزل الأمريكي الذين يدعونه هنا ” ظهر الحمار” بلونه الأبيض وحديقته الخضراء يمر منها ممر حصى مصريْ وتصل به ركابة خشبية كأنك في تكساس تلتف من جانبيه أشجار  الصنوبر في كل زاوية أعمدة ضوء نحاسية، الواجهة التي أمامه تطل على حقلٍ للعنب في وادٍ بسيط تتلوها بعض أشجار توت، أشجار التوت كانت كثيرة جداً، كنا جالسين في طاولة بإحدى الجوانب بحيث يمكننا رؤية خط أشجار السرو المقابلة من ناحيتنا فوق الوادي تحتها حاوية، ننظر في الطبيعة وأنا أسجل الكلمات-“

عدتُ مجدداً إلى نقطة الصفر…. هذا ما كنتُ أفكر فيه كل يوم، كنتُ مصاباً بالإكتئاب أنتظر خبر العاهرة ميسون ولكن دون أخبار، أنتظر اتصالاً من أي رقم على شاشة الهاتف، تذكرت جلسة جدي في المربوعة أيام الحرب كان ينظر إلى شاشة الهاتف طيلة النهار، هذا ما كنت أفعله، أقلده تماماً، أنتظر أن يتصل بي المبتز ويخبرني بالمال الذي يحتاجه ليرد لي حاجياتي، لكن دون جدوى…. لا شيء، تفكرتُ للرجل العجوز، سليمان… أكيد عنده الحل ولكن ماذا سأخبره؟ أنني سكرت واختفى الجواز مني؟ يجبُ أن أرتب كذبةً تصدق، ولكنني كما ترين لست جيداً في الكذب هاهاهاهاهاهاهاهاهاها إنني دائماً مهما كذبت يحل السوءْ عليْ، أصبحتُ أتردد على الرجل تحت شجرة التوت أكثر فأكثر فأكثر، كان يمنيني كل يوم قائلاً ” يا صديقي….البحث لازال جارياً إطمئن” ، ” لا تتواصل مع العجوز سندبر الأمر صدقني” كان يطمئنني ويخبرني أننا سننجح في استرجاع الجواز الأصليْ ولا داعي لإخراج بدل فاقد، وفي أحدِ الأيام قالها لي صراحةً ” ميسون…العاهرة، وُجدت ميتة ….. لا وجود لأغراضك عذراً!”. صعقني…. أراني صورتها على نقاله في احدى صفحات الفيسبوك ملقيةً على قارعة الطريق؛ لم أكن لأتبيّن وجهها الملطخ بالدماء ولكن فستانها الذي ترتديه هو ذاته الذي كانت ترتديه ليلتها. إذاً، عدتُ مجدداً إلى النقطة ما قبل الصفر، فكرتُ أن حياتي كلها سأنهيها هناك هاهاهاهاهاهاهاها.

وضحك الطلياني، كانت ضحكته المحترقة تخترق أبعاد المكان وتخترق روح فابيين، كانت تنصت من بعيد، دون حركة دون أي شيء…كانت قد تخذرت بفعل الماريوانا والخمر، تجمدت دون حراك تسمعه يتحدث، عاد مسعود إلى هدوءه بعد نوبة الضحك، أشعل سيجارة أخرى بعد أن لاحظ أن التي في يده قد انطفأت منذ مدة، وأكمل حديثه:

  • لكن الأمر كان على ما يرام، هكذا أخبرني…. كل شيء على ما يرام يا مسعود، دائماً لدينا حلول…. لا شيء يقف في طريقنا، بالمناسبة… لديْ أخبار سعيدة يا صديقي، قال لي الرجل. وهنا سأقول لكِ جريمتي الأخرى… تلك التي دفعتني إلى الوصول هنا إلى سويسرا صحبة الكلب.

(12)

(12)

  • علينا يا سيدي الكاتب، إن أردت أن تأخذ رأيي أن نتحول الآن من القصة قليلاً، دعنا من مسعود وغرامياته وغباءه وأوهامه؛ حسناً… أتعلم؟ لم يقنعني كلامك عن أخيك…لم يقنعني أبداً، يجب أن تقنعني بذلك…هيا تفضل، اشرح الأمر…اشرحه بالطريقة المفترض أن تحكي بها… هيا هيا، اعمل على ذلك ودعني أنا أصنع لك شيئاً لم أصنعه لأحدٍ من قبلك، هيا هيا….هاهاهاهاهاهاهاهاها.

وتحرك نحو الهامبورغا، راقبته وأقدامه تصنع مع أوراق الخريف الملقية في كل مكان صوتاً كأن أحدهم يأكل تشيبس؛ لم أعرف بماذا أشبهه إلا هكذا؛ قرّب مايكروفون من فتاة تأكل التشيبس وستعرف ماهو الصوت ( قلتُ…إنه يصنع صوتاً تشبسياً مع الأوراق)، أشعلت سيجارتي لأنني مللت من انتظاره؛ سمحت لنفسي أن أتابع برأسي المكان…البيت الأمريكي كان تحفةً رائعة تأخذ الألباب، ألوحاه المطلية بالأبيض؛ أوراق البلوط وأعشاش الطيور وبراز الحمام وثمار البلوط تملأ سطح الألومنيوم الذي يغطيه، كان باب كأنّه صنع من نجارٍ يهودي في كولاردو يحطّب على ما تبقى من أشجار الهنود…كان لوحه به فتحة من زجاج تسمح لك أن تلقي بنظرة من رأسك دون أن تضطر لأن تبعد بقدميك أخمصاً للأعلى، الضوء النيون فوقه يلقي على السقيفة شيء من المهابة، إنّك تريد أن تمسك قيثارتك وتجلس هناك للأبد تنظر لأشجار التوت تنمو أمامك وللعنب يتحول لنبيذ تحت عينيك، إنك تريد أن تجلس لتكتب رائعتك الأدبية في ذلك المنزل وأنت تنظر لمؤخرة حبيبتك وهي تداعب فستانها إذ ترقص في الحديقة أمامك ملاحقةً نسمات هواء وادي الربيع؛ الاسم الموسيقيْ لما تبقى من أودية تاجوراء المخضرة تلك التي تتابع مع أودية غوط الرمان الواحة الغنّاء لرمانِ ريف العاصمة البهيْ، الاسم الموسيقي ذاته الذي قتله الليبيون عندما جعلوها منطقة مهجورة لا تداعبها الأشجار والنباتات إلا قليلاً قليلاً بعد زحفهم لصنع استراحاتهم عند تضخّم الثورة وانفجار السكان في المدينة، قتلوا الاسم ونطقه فصار ” وادِي اربيْع” ولك أن تشعر بحدة الكلمة إذا سمعتها من البدوْ…تشعر بها مليئة بالصحراء!

اقتطع حبل أفكاري لم رأيت التاجر عائداً يصنع تلك الموسيقى مجدداً مع الأوراق ممسكاً بشنطة، ويضحك: هاهاهاهاهاهاهاها، الدنيا يا صديقي متنيْكة… تذكرتُ قصةً من أيام الطفولة!

جلس بجانبي، فتح الحقيبة…. تابعته يفرغ محتوياتها، كانت عبارة عن معدات تامة خاصة بجلسات فرعون، لابد أنها حقيبة فرعون التي حدثني عنها قلت… وأخذ يصنع سيجارة وهو يتابع حديثه:

كنت أحمل قلبي على التوهان في الجبانة التي تفصلها التوتة عن الحيْ يحمي جدي بركة بركات الله عليه الأحياء تحتها من كلام الأموات والأموات من كلام الأحياء وما يضمرونه وما يبطنونه، كان حافظ السر الليبيْ….كنت أحمل نفسي للتوهان فيها وللجلوس أو الرقود أو حتى مطاردة الوقت والكلاب التائهة والقطط وطيور الهدهد والاحديّات وكل ما بإمكانه أن يجعل حياتي فيها إثارة، أتبول بجانب ذلك القبر، أقف على قبرٍ آخر وأشعر بأنني أزعجت الرجل أقرأ اسمه الذي كُتب بعدة طرق ( أقول أنّ النّاس حتى في القبور ليسوا مستاوين) إما بالرخام أو على الأحجار المطلية أو على حجرةٍ بسيطة فوق قبرٍ من تراب، بعضهم كان قبره من رخام وبعضهم كان من إيدام الأرض… ثم أدعو الله بالرحمة وأن يسامحنا! في أحدِ الأيام، جلست تحت التوتة من ناحية الجبانة، تلك الشجرة كانت مادة حياتها كلها ما بين الحياتيْن، بجانب مزار سيدي بركة بركات الله عليه فهمتا كيف؟! جلست أشعر سيجارتي، كنت في ذلك الوقت قد تعلمت التدخين – كما يقولون هنا عن أولئك الذين يصحبون مدخنين بعد أن سحبوا السيجارة الأولى في حياتهم، أولئك الذين غالباً ما يكونون فتياناً بين الثالثة عشر والسابعة عشر- أهرب بسيجارتي من الناس جميعاً حيث لا أحد يهمه ما إذا أشعلتها أمامه، ومن أفضل من جدي الأكبر بركة أن لا أكترث من أن يراني مدخناً؟! كانت السجائر حتى ذلك الوقت لذيذة، ألذ من هذه الجميلة – وقبل السيجارة الملفوفة بورق البافرة بعد أن انتهى منها في تلك اللحظة- هاهاهاهاهاهاها، هاك تفضل يا سيدي الكاتب، عندك….لازم تولعها أنت هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها.

  • لا أتذكر أي شيء صدقني… إنني أشعر بأن ما أتذكره هو مجرد وهمٍ اصطنعه عقلي، لم أفلح أبداً في معرفة ما إذا قلته هو شيء قلته حقاً؛ والآن….

وسحبتُ ثلاث من السيجارة، في الأخيرة…شعرتُ بصدري قد احترق ثم شعرت بشيء كالدفء فيه وفي عقلي أيضاً! شيء بالهدوء والارتياح من كافة أتعاب العالم كلها. سلمتُ له سيجارة البافرة ثم تابعت في حديثي:

  • إنني أتذكر فقط أنني قتلت أخي، وبأنني حتى الآن لا أعرف ما إذا أنا هو أم هو أنا، أشعر كهبنقة حقاً…. لماذا أكتب؟ وهل لأنه كان كاتباً فقتلته حسداً لذا تلبست كامل حياته؟ أم لأنه كان شعرت فأحسست بكامل المشاعر في تقتل كامل جسدي، لا أتذكر الحقيقة المناسبة لك، لكنني أتذكر فقط ما أقوله دون أن أحمل مشاعراً إتجاه الأمر، بالخبوْ…
  • هاهاهاهاهاهاهاهاهاها، باهي لو قلتلك أنا نقدر نرجعلك الذكريات متاعك كلها، شن تعطيني؟
  • لا أدري…هل أحتاج لأن أعرفها؟ هذا ما أسأله لنفسي… هل أحتاج حقاً أن أتذكر الماضي، إذا كنت كاتباً….سأقول نعم، ولكن السؤال هنا: هل أنا كاتب حقاً؟ إن الأمر عصيْ على عقلي!
  • دعنا من الفلسفة يا صديقي…أنا حتى وأنت تراني عبقرياً وصاحب ثقافة لا بأس بها لا يعني ذلك بأنني أفهم الفلسفة، قل لي…قلي: ألم تتساءل مثلاً يوماً ما…أن كل القصص التي أحكيها لك هي حقيقية أم وهم كباقي أوهام حميد، البوعا، الأمريكي، الشيخ، الصايع، فرعون والطلياني؟! أنني اصطنعت كل ذلك من أجل شيءٍ ما وأن لا حميد ولا مؤخرة المدام حياة؟ ها؟ هاهاهاهاهاهاهاهاهاها ألم تفعل؟
  • فعلت، وخرجت بنظرية… أنه وإن كان ذلك فأنت لازلتَ لم تخرق الاتفاق بيننا وهو أن تمدني بالقصص وأن أمدك بأي شيءٍ تريده…متى ما أردته.
  • هاهاهاهاها صحيح، صحيح…. ذكي يا تاجوري أنت، ذكيْ! باه هاك سبس وخليني نكملك باقي القصة.

دعني أطلعك على سرٍ ما قبل كل شيء، أنا أعتقد أن جميع الناس هنا حمقى، حمقى لأنهم جميعاً في داخلهم يتبعون غرائزهم ورغباتهم كالقطعان…تلك الغرائز والرغبات التي يلعنونها في الملأ ويهربون منها، المعدالة بسيطة بالنسبة لي: لماذا تفعل ذلك؟ يجب أن تقدس حمقاتك، رغباتك وغرائزك وأن تطلقها للعنان وأن تفتخر بها، أنت يا سيدي الكاتب تعجبني لأنك كذلك…إنك ترغب في أن تكون كاتباً عظيماً ألست كذلك؟ إنك تعلنها للجميع، هذا ما يعجبني…إياك أن تتخلى على ذلك، أنا مثلاً أتتبعها وأسير صحبتها… معجباً بقدراتها وبقدراتي لأفعلها تلك الرغبات! أن أجلس في مقبرة أمام رجل يقدسه الناس في حي التوت غير مكترث كانت رغبة تبعتها لشهور، حتى ذلك اليوم…ذلك اليوم الذي اكتشفت غيرها من الرغبات: استلقيت نائماً بجانب المزار، مضت الساعات ملقياً على رأسي على حائط المزار نائم على حرائش المكان دون أن أدري كم مضى من الوقت، حتى استيقظت فجأة! أيقظني حلم ومجموعة من النساء يصخرن من الفتى الذي ينام على سيدي بركة مرتديات الردي وهنّ قد أشعلن البخور، كنّ ينادينني ” نوض يا وليد، ولد من انت؟ ما الذي أتى بك هنا؟ أين أمك؟ ” وقفزت ناظراً إليهن عبر عيني نصفي المفتوحتين اللتين كانت تراهن كأشباح بالبياض تحت شمسِ العشية، كنّ يتلمسنني حتى قفزت واقفاً دون أن أحدثهن مليئاً بالحلم اللذيذ الذي تولدت صحبته رغبة أكبر من أي رغبة!

  • ماهو الحلم؟
  • الحلم؟ نسيته هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها…إنني أنسى مثلك يا سيدي الكاتب هاهاهاهاهاها المهم الآن، ما رأيك أن تستريح يا سيدي الكاتب؟ قال لي التاجر… يمكنك أن تنام حيث تشاء وسأكمل عنك هذا العمل العظيم الذي كتبته. أضاف آخذاً مني الكراس والقلم.

حسناً، يجبُ عليك أن تعلم أنّ مسعود الطلياني كان منهاراً؛ الأحمق ظن أنّه بالحديث عن ما سماه ” خطاياه” سيمسح عنه الذنب، يعتقد فعلاً أنه في الفاتيكان حيث تكفر عن ذنوبك فقط بالحديث عنها للبابا، كان يرى في نفسه الصقلّي الكامل…ذلك الذي يبذر في الدنيا ما شاء ومن ثم يعود يوم الأحد إلى الكنيسة، يجلس عند حضرة القس خلف الشباك ويحكي له عن ظلم الحياة للصقليين وأن ابن عمه في أمريكا قد دعاه ليعمل تحت إمرته في إحدى عصابات المافيا في ليتل إيتالي؛ أصيب الفتى في عقله، كان فعلاً يعتقد بإيطاليته التي لا تخشى من أن تدس الأسرار عن الناس فيحكي لهم عن طفولته وعن أنه ينوي أن يقتحم منزل عشيقته أمام والدها ويخرجها مقبلاً لها، عن أنّه قد نصب على أحدهم لأنه عليه أن يدفع ثمن الحلاق أو ما شابه، كان يشعر بأنّ السبب الوحيد لعشقه لإيطاليا أنه هو ابنها الحقيقي وأنه سيفعل أي شيء لأجلها، أحرقيني في الحانات السويسرية يا حياة، دعيني أحمل كلباً إلى أولئك السويسرين لا أحمل جوازاً سواه، دعي مالي أدغقه على أبناء خالتي حتى يهربوني وإياه في قطار متجه إلى بلد الحقوق؛ دعي كل شيء يحدث، دعيني أتحدث عن خطايْ لراهبتي التي امتلكتني بجسدها وأخبرها أنني قتلت جدي لأنني كرهته لليبيته هناك… في الجانب السويسري، الذي فيه كان يمكنك أن تشعر بجسدِ فابيين يرتعد من هول ما يقوله، دخلت الفتاة حالة من البارانويا أعجزتها فقدان قدرتها حتى على الحديث، فقد كانت مخمورةً بالجنس، الخمر والماريوانا وتعب اليوم ونشوة الانتصار وجلال الحقيقة الخانقة، نظر نحوها…أصبحت نظرته مطفأة؛ أشعل سيجارة أخرى…إنّه سيعود لعادة التدخين المتوالية؛ هذا ما كان يبدو عليه…سيجارة تلو الأخرى تلو الأخرى؛ لم يكن يشعر بشيء؛ أمسك قنينة النبيذ وشرب؛ حدق في وجه الفتاة المرتعد، أحس بشيء حميمي… لحظة تذكرها هناك، أحسّ بأنّ الفتاة المرتعدة أمامه يعرفها منذ زمن، لم يكن له تحت خفوت الضوء الأحمر وتخذر جسده وعروقه أن يكتشف صاحبة الوجه المرتعد، نظر إلى جسده المرتعش، كانت تضع يديها حول جسدها مقرفصةً تبكِي… لم يكن له إلا أن يتبين تأثير العرق والدموع في المكياج الذي وضعته، الكُحل في عينيه ذاب؛ أحمر الشفاه كان يظهرها كالبهلوان؛ شعرها كان يلمع تحت الضوء؛ يمكنك ليديك أن تنزلقا على ذراعها من قدرِ الخوف الذي تحمله داخلها؛ كان يرى جناحيْن أبيضيْن ينبتان من ظهرها؛ خوفها يغذي الريش الذي يسقط بهدوء تحت أنغام قيثارة الطاهر التي بدت أثقل وأثقل على الصدر، ” هات يا الملاك رداك ونحرق… ونصنع منه جناوح داك، هات البياض والردا البيضاوي، وخوذ جناوح دايْ وارشق هالضاويْ…يموتوا عداي ويموتوا عداك، ويموتوا عداك” يبكي الصوت الأنثوي الذي يتبع خفة صوتِ الطاهر، ابتسم… كانت تشبهها؛ تلك الملاك!

  • حسناً…. لم يكن موت جدّي هو الدافع إتجاه وجودي هنا أمامكِ؛ كان السبب المالي؛ بل على العكس؛ موت جدي جعلني مرتاحاً….جعلني إنساناً جديداً، الدافع الحقيقي هو أنني قد اغتصبتُ فتاةً هناك.

أخبرني أنّه سيتمكن أخيراً من أن يجعل حلمي حقيقةً بعد ما رآه من أداءٍ من ناحيتي؛ كانت الخطة بسيطة وساهلة… ظل طيلة أيام يراقب تحركات الفتاة التي لطالما أحببت أن أكون أنا وهي وحدنا في مكان واحد؛ قال لي وببساطة:

  • سنخطفها!
  • لكن لماذا؟ لم نتفق على ذلك…
  • يا بيلّو، يا بيلّو…أنت ماذا تريد منها؟ ألا تريد أن تلطخ سمعتها، أن تدمر نفسيتها وحياتها؟ هذا ما تريده… لا أحد يريد أن يضاجع ملاك الرائد هكذا بدون أيةِ حدود شرعية دون أن يفكر في هذه الطريقة، أنت لا تريد أن تضاجعها ومن ثم تضطر لتتزوجها…لا أعتقد أنك تفكر في ذلك أبداً صحيح؟!
  • آه…صحيح.
  • حسناً، لماذا نضيع الوقت في محاولات استلطاف البوطانا بينما يمكننا أن نقوم بما نقوم به في أيام قليلة بدلاً من انتظار شهور وربما عام حتى تخنع لك في فراشك! كما أنّك يا عزيزي عليك أن تجهز نفسك، فقد تواصلت مع أحدِ الأصدقاء وقد وعدني بأنه سيوصلك إلى إيطاليا بأفضل الطرق…إنني أهتم لشأنك يا عزيزي.
  • ولكن…
  • يا بيلّو، لا تخبرني أنّك لازلت تفكر في الجواز؟ الجواز لن يعود يا صديقي، ألم تسمع لقد قتلوا الحاج سليمان… العجوز قد تم اغتياله اليوم صباحاً، اللعنة عليهم السفلة!! هكذا تهدر أرواح الناس كالهباء فقط لأنهم يخالفونهم!
  • الحاج سليمان مات؟ الجواز؟
  • أرأيت يا صديقي… يجب علينا أن نعمل بسرعة!
  • ولكن…
  • ولكن لماذا، ألازلت تتذكر جدك ابن الكلب؟
  • لا، لا بالطبع…لقد استحق الموت!
  • نعم هذه هي القرينتا يا قراندي أنت! هذه هي القرينتا التي أبحث عنها، لا يخدعك اسم البوطانا ولا حتى شكلها أو تصرفاتها؛ كلهنّ يستحققنّ الزب في آخر المطاف! ثم أنّها هي من هي، أخت الرائد عبدالسلام ذاك السفاح والمجنون… إنّك ستصيبه في مقتل، سينهار الأحمق. بيني؟!
  • …………………
  • بيني يا بيلّو؟
  • بيني! قلتُ

كانت الطبخة جاهزة؛ أخبرني بكافة التفاصيل…. وصلتُ إلى المكان الذي تكون فيه هي أضعف ما يمكن وقبل أن تصل إلى سيارتها؛ وضعنا أنا وهو قناعيْن…كان هو يحمل كلاشن؛ خرجنا من السيارة بسرعة واتجهنا مسرعين اتجاهها؛ كان قد رفع السلاح ليخيفها وصرخ فيها بأن تتوقف صامتة ناعتة إياها بالبتشة؛ ذُهلت من المشهد الذي يحدث، وقبل أن تصرخ أمسكتُ بها، وضعتُ يدي على فمها، كانت تبدي مقاومة عنيفة وأنا أجرها نحو السيارة…. تحسستُ نهدها، كان رائعاً تلك اللحظة، اللحظة التي تقوم فيها باختطاف الفريسة من روتينها هي أروع اللحظات؛ أقر بذلك له، لقد كان شعوراً رائعاً وأنا أقوم بخطفها كما كان ذلك الشعور عند تنفيذي لقتل جدي، مليئاً بالخوف والأدرينالين. قمنا بجرها في السيارة…ألقيتُ بها في الصندوق، وانطلقنا نحو استراحتي حيث حدث كل شيء… ظللتُ أضاجعها يومياً لشهر، ثلاث مرات في اليوم؛ قيدتها في غرفة وتركني الرجل وإياها وحدنا تلك المدة ولم يتصل بي… كنتُ أشعر يومياً بقوة رائعة؛ بأنني أخيراً أتخلص يوماً بعد يوم من الشهر الذي عشته تحت تبعات الحرب والحصار داخل المزرعة في 2011؛ في الأيام الأخيرة زاد عنفي…كنت كل يوم أجرب معها طريقة جديدة للاغتصاب؛ سمِي ما شئتِ، أسواط، ضربتها؛ ضاجعتها من كل فتحة في جسدها، قمتُ حتى بإحماء قطعة من الحديد ورسمتُ على ظهرها بسطحه الحار صورةً لزب؛ كانت تصرخ…تبكي، تحترق، تصرخ.. لا أحد يسمع؛ لا الله ولا حتى الرائد عبدالسلام الذي ظل طيلة تلك الأيام يبحث عن غاليته؛ كنت أتخلص فيها من كل يوم من الأيام الشنيعة محاطاً بالموت في كل جانب حتى كاد أن يصافحني بعد أن سقطت شظايا غرفتي بفعل الجميع على رأسي، أنتقم من جميع أيامي التي عشتها في وهم في ليبيا وأتخلص من خطيئتي كوني ليبياً وأتحول لحظة بعد لحظة إلى الطلياني الحقيقي هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها أيام جميلة… أو هكذا اعتقدت حتى جاء اليوم الموعود؛ عندما شربت حد الثمالة ذلك اليوم الذي تذكرت فيه ماحدث لي وما سقط على رأسي، اليوم الذي كدتُ أموت فيه في 2011…في ذكرى ذلك اليوم شربتُ كثيراً، كنت قد شربت 3 زجاجات؛ دخلتُ عليها في غرفتها مكسورة الجناح…. أغلقت باب الغرفة، خطرت في بالي فكرة تقدمتُ نحوها، فتشتُ عن مكان في جسدها لم ألمسه؛ آه…إنّها هذه الأمكان الموجودة فيها القيود…نزعت عنها القيود، ذلك اليوم كنتُ أريد أن ألطخ كل بقعة في جسدها، هاجمتها… ثم قلتُ لها ” انهضي… أريدكِ أن تشعري بشعور الضحية عندما يطاردها الأسد”، نهضت، وقفت رأسها بيديها تتقيني، شعرتُ بالقوة؛ صرخت فيها منادياً ” انزلي لسيدك يا بوطانا” ، تجمدت، حولت يديها من على رأسها ونظرت اتجاهي، حدقتي في وجهي صامتة ثم جثت على ركبتيها، تحركت نحوي جاثية بيديها، وصلت إلى زبّي؛ أمسكته بيدها؛ شعرت بقوة لم أشعر بها أبداً، نعم… لقد انتصرت أخيراً !

لكن آه، لقد…لقد خادعتني…وضربت خصيتيْ واختفت! هكذا ببساطة…. فتحت الغرفة وأنا أمسك خصيتيْ مغفياً ومتألماً حد الموت، يقولون أن وقت الإنجاب هو الأصبع على جسد الأنثى، حسناً…تلك اللحظة، كانت أصعب على رجل مخمور ومنتصب هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها!

  • أيها القذر أنت قذر… يجب أن تستحي من ما تقوله. الآن، الآن فقط صرخت فابيين لم تعد تحتمل الصمت في جسدها باكية صرخت.

الآن؛أصبحت حبيبات نسمةِ الهواء أكثر بروداً على جسدِ مسعود، بدأ جسده في الداخل يرقص مع حرارة تنشأ داخله أثناء انحلالِ النسمات على سطحه العارِي من أعلى، كان مخموراً لدرجة أنه لا يمكن البتة من أن ينال منه شعوور واحد بما يجري في داخله من تفعلاتٍ لكائنٍ كان يقطنه، يقال أن الفيروسات لا تشعرك بوجودها إلا في أشدِ أوقات غفلتكَ عنها، كان الطاهر لازال يغني، تذكر يا سيدي الكاتب أنه لازال يغني عندما حدث كل ذلك تعاود أغانيه الكرة تلو الأخرى نفسها هي وحدها التي تشعر بما يحدث داخل مسعود، وقف…أحس بالقوة عندما كانتأولى قطرات العرق الحارة تعلن عن وجودها في جسده، الآن أغنية جديدة تشبه موسيقى الفجر، غناءه كان يشبه الآذان خلفه مجموعة من أصوات حيوانات الفجر، ديك يصيح… وكلاب تبدو كأنها تنبح، وصوته يغني ” يا كلبي… انبح، لا الفجر جاي ولا الصبح قريب يضبح، يا كلبي عوّي… الحياة عليْ ما اظنيش إضوي ولا وجه الكمال قاعد نشبح” ، تحرك مخموراً نحوها، كان يصطدم بالأثاث، كانت تحاول أن تهرب عندما كان يرى الآن الصورة التي رآها فيها؛ كان يعتقد أنها ذاتها الفتاة التي قام باغتصابها؛ قام…كان يشعر بدوار شديد في رأسه حاول أن يتقدم نحوها لكن دون جدوى اصطدم بالطاولة الزجاجية الموضوعة عليها زجاجات الخمر، كان مليئاً الآن بالعرق الذي لم يكن يشعر باغتياله لجسده، حمل إحدى الزجاجات المليئة بالنبيذ وتحرك يشرب باتجاهها؛ هل كان يشعر فعلاً بالعرق؟ لا أعتقد لأن كل ما كان يشعر به هو نشوة الجريمة الأدرينالين والخوف متحركاً إتجاهها ببطءِ،  بحثت هي عن شيء تحتها يمكنها أن ترميه به لكنها لم تجد؛ كانت تحاول أن تبتعد عنه باحثة في المكان عن أي شيء…أي شيء، كان هو يحاول أن يتزن ليتقدم إليْها، أظهر لها زبه وقال لها ضاحكاً: سأريك الآن كيف اغتصبتها… سأجعلكِ تشعرين بما شعرت به؛ هاهاهاهاهاهاهاها… أمسكها، قبض على رقبتها بيده، وعاد يتحدث وهو يمسك بوجهها من يده الأخرى:

عندما استيقظت، شعرت بألم في رأسي…كانت قد ضربتني بإحدى القطع التي كنت أضربها بها، خرجت لأبحث عنها فلم أجدها، قد سرقت إحدى سياراتي… كان في الاستراحة سيارتين: تجيب 2015 ومرسيدس 2013، واحزري أيهما قد سرقتها الملاك؟ لقد سرقت التجيب… شغلتُ المرسيدس وخرجت مسرعاً أبحث عنها في الطريق؛ كانت الاستراحة تبعد عن أيةِ أشكال المدنية بمقدار 10 كيلومترات جنوباً، لم أكن أشعر بالوقت إذ أنني لم أتذكر متى دخلت عليها الغرفة، أحسست أن الأمر لم يتعدى سوى دقائق لتتمكن هي مني؛ لذا فقد كان سهلاً عليْ أن أتمكن منها إذا أسرعت، اتصلتُ بالرجل قلتُ له أنها هربت…. لم يكن يجيبني، كان يسمع ما أقوله، شعرتُ بوجوده في تنفسه؛ أخبرني قائلاً بعد ما انتهيت من صراخي ” حسناً” ثم أغلق السماعة، بحثت عنها في الطريق أثناء ذلك ولم أجدها… حتى تلك اللحظة، تلك اللحظة التي ضايقتني في الطريق السريع الجنوبي للعاصمة الليبية المسمى بوادي الربيع سيارة بيضاء كورية أتذكر أنها كانت ” توسان”، لم ألحظ ركابها… كنتُ أعتقد أنه أحدهم يحاول العبث بي إلى أن حاول أن يضايقني مرةً أخرى، عرفتُ أنه ليس مجرد عابر متهور، عرفتُ أنه يستقصدني… دخلنا في مغامرة، لم يكن يستطيع أن يتحدى المرسيدس خاصتي، ضغطتُ على البنزين واختفى من طريقي، توجهتُ نحو حي التوت حي الرجل… عندما إطمأننت أنني في طريق آمنة خفضتُ سرعتي، كنت أفكر في الملاك الذي اختفى، يجب علي أن أجدها… دخلتُ إلى الطريق السريع وسط العاصمة، ألقيت نظرةً نحو المرآة الخلفية ورأيتها مجدداً، السيارة ذاتها…. الكيا توسان! ضغطت البنزين – الآن مسعود قد مزق اللانجيري الخاص بفابيين بيده التي كان يمسك بها رقبتها وعاد يتحدث- لكن القيادة أصبحت أكثر صعوبة، الجو خانق، السيارات تربك سرعتي… كل شيء، كل شيء كان ضدي، ظلت تطاردني حتى تمكنت من الخروج بخفة من الطريق، عند ذلك سمعتُ صوت إطلاق ناري قريب مني، اخترقت إحدى الرصاصات زجاج السيارة…كنتُ دائماً متهوراً في القيادة، عندما خرجت من الطريق السريع…. أدركت أن المسألة هنا مسألة حياة أو موت وأن تهوري في القيادة قد يكون منقذي الوحيد، عندما دخلتُ على الشارع الذي يمر فوق الطريق السريع أخذت الطريق المعاكسة منها وظللت أقود بأقصى سرعة مجتازاً السيارات التي تأتي من الاتجاه المعاكس وسائقوها الغاضبين، إنه الأدرينالين والخوف يمتزجان…الشعور اللذيذ حتى النهاية، سيارتي كانت قادرة على فعلها…وكنت متأكداً إنني قادر على تظليلهم، وقد فعلت هاهاهاهاهاهاهاهاهاها!

” هاهاهاهاهاهاهاهاها يا سيدي الكاتب، دعني أخبرك بسرٍ آخر؛ في ذلك اليوم وحده، قمت بعقد أضخم صفقاتي مع الطلياني… كان يريد أن يحيى، يريد أن يرى إيطاليا وكل مافيها من جمال بأي ثمن، وقعتُ معه العقد الأبدي وأصبح كل ما يملكه ملكي…. كل شيء، سياراته، عقاراته، ممتلكاته، هذه الاستراحة على سبيل المثال هاهاهاهاهاهاهاها! لقد طبخناه على نار هادئة وكان بالحمق كفاية أن يصدق كل شيء…. “

  • الآن، ما رأيكِ أن تصمتي قليلاً وتسمتعي بما استمتعت به ملاك، كاتسو الطلياني يا بوطانا؟ هاهاهاهاهاهاهاها ضحك الطلياني بهتسريا

واغتصبها، فعل ذلك على أنغام الليبي الآخر الذي جعلها ترخي دفعاتها لغيره من الليبيين، اغتصبها… فعل ذلك بلذة لم يشعر بها عندما اغتصب ملاك، لم يشعر بها عندما ناكها بإرادتها أول مرة، الصراخ الذي كبته بيده كان أكثر اندفاعاً، القصص والخرفات التي نسجها كان يراه ضائعةً مع حقيقة ما يفعله به الأدرينالين، مع حقيقة ما يفعله به الكائن الذي يقطن جسده راقصاً مع موسيقى الطاهر وهو يغني ” يا كلبي انبح… يا كلبي انبح” حتى خرج على القاعة في الباب جسد كلب، كان هو نفسه صاحبه عككز، واقفاً هناك  في باب بجنب البالكونة بجنب النافذة المفتوحة ومصدر الصوت الذي ينصتُ له، كان الكلب ينظر بصمت ناحية مصدر الأصوات، كانت أذناه مدببتان كأنه ينصت للموسيقى التي تعزف ونبح كما أمره الصوت المغني ” يا كلبي انبح…”؛ شعر الطلياني أن الكلب ينبح ضده، وقف مهتاجاً وحاول أن يطارده أو يسكته أو يتغذى به قبل أن يتعشى به؛ نهض مهتاجاً من نباح الكلب الذي لم يتوقف كلما قال الصوت الذي أصبح سريعاً في النداء ” يا كلبي انبح” وأصوات الكلاب والديكة في الخلفية تهيجه للنباح، تهيج الطلياني للغضب…. ولاتخاذ الهجوم؛ الآن تحررت فابيين من قبضة مسعود الهائجة والآن اتخذ الكلب وضعية غير الانصات عندما شاهد مسعود يتحرك مخموراً مصطدماً بالأثاث أمامه، عندما فقد سيطرته على جسدِه لا بفعل الكحول الذي كان يخدر الكائن من الانقضاض، انقض الفيروس أخيراً وسقط مسعود، هرب الكلب الذي احس بالرعب والخوف اللائي لطالما شعر بهما في حياته… قفز من النافذة المفتوحة وهرب الكلب ببساطة، وسقط من النافذة التي كانت على ارتفاع إنسان متوسط الطول عن الأرض؛ هرب… وتحصلّ مسعود على ضربة في الرأس بعد إغماءته، بقنينة النبيذ التي كان يمسكها وهو يغتصب السويسرية.

في صباح اليوم التالي وجد نفسه ملقياً في الحديقة عارياً، مصبوغاً بالدم على رأسه؛ كانت فابيين تعتقد أنها قتلت الطلياني لذا اسرعت بالاتصال بفبيان تحكي له القصة كاملة وقرروا أن يتخلصوا من الجثة بإلقاءها قبل الشمس في الحديقة، ذلك اليوم عرف أنه لقد انتهى به المطاف متشرداً وسكيراً في شوارع سويسرا، نعم كذلك لترى حكمة الله في الكلاب الضالة…أن تكون مترشداً مريضاً بالبردِ الدائم تهرب من الشرطة ومن الحكومة وفي أرقى بلدان العالم، كان يكرر أخطاءه كما هي… إنه يستحق ذلك، يستحق كل ما حدث له، نعم لقد ساعدته على الهرب… رسمتُ له كل ما يريد أن يقوله ووضعتُ له شروطاً أن لا يبيح بالسر لأحد ولكنه كعادته، لا يحفظ الأسرار،… لقد أفسد القصة التي كانت ستجعله مشهوراً، قصة عككز الكلب الليبي الذي هاجر إلى سويسرا والبطل الذي أنقذه…

  • لقد قلت أنه أصيب بفايروس؟
  • آه نعم، نعم… لقد كان مصاباً بفايروس ما يا سيدي الكاتب…جعل أيامه معدودةً في بردِ سويسرا هاهاهاهاهاها.
  • ماهو؟
  • ما أنا بعالم!! لستُ طبيباً….! أنا مهندس عمليات يا سيدي الكاتب، أهندس حياة الناس ولا أداويهم من أمراضهم!! لكنّي، حسب ما أظن… كان مرضه متعلقاً بقصة أخرى.
  • ماهي؟
  • آه…قصة الشفرة، ميسون البتشة…أو هذا ما أظنه!
  • الشفرة؟
  • لا تستعجل على رزقك سيدي الكاتب، لا تستعجل…كل قصة بأوانها، تو تجي.
  • حسناً، ولكن الكلب؟ الكلب ماذا حدث له؟
  • آه الكلب، هاهاهاهاهاهاها ما رأيك أنت يا سيدي الكاتب؟ يقولون: ذيل الكلب ماعمره ينعدل يا سيدي الكاتب هاهاهاهاهاهاهاها… كلب عربي شن تبيه تكون نهايته؟ في الشوارع في الحرية في سيارة ضرباته وهو يقص الشارع كاد أن يودي بها بحياة السائق الذي دخل في حالة هستيرية عندما اصطدم به.
  • لكن فعلاً، إذا لم يكن ما قاله مسعود هو قصة الكلب….فما هي قصته؟!
  • وماذا ستكون قصته؟ قلتُ لك لا تستعجل على رزقك هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها قد يكون مجرد كلب وجدته بالقرب من شجرة التوت يتألم فربطته ووضعتُ له فضلات طعامي كل يوم….وقد يكون كلباً وجدته في مكانٍ جميل آخر وفي قصةٍ أخرى، قد يكون كلباً قمت باصطياده، أو آخراً وجدته في أيدي أطفال الحيْ يلعبون منه فككته، لأنني مع كل الأحوال ما يهم في نهاية المطاف أنني كنت أعلم بأنني سأستفيد منه بأية حالٍ من الأحوال هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها. تخيّل؟ تخيّل معي….. هاهاهاهاهاهاه…ا…ه…

(14)

عند تلك اللحظة تماماً، شعرت بضحكات التاجر تختفي من أذنيْ، كنتُ أمسك السيجارة التي جعلتني أتخذر بهدوء…بهدوء، وجعلت صوته يختفي بهدوء، بهدوء…. كنهاية الفجر واختفاء الكلاب منه؛ كـ…..كـ….ملاك يتحول شيطاناً، أو طاهر يتلطخ، كإيطالية تلفظ بغنج في أذنيْك: تشاوْ!

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s