تاجر الأوهام (7): إغتيال الفراشات (1)


CtilR2oXgAAyMDk.jpg large.jpgاللوحة لعلاء أبودبّوس

ء

عزيزتي

هل تعرفين حقاً كيف يمكن لأحدهم أن يغتال فراشة؟ إنّ الكائنات الرقيقة لا تدرك حقاً الفخ المنصوب لها، إنها وإن كانت حرةً فيمكنكِ بسهولة أن تلاحظي تعثرها في الطيران، إنها تريد أن ترفرف كالعصفور، كالصقر في السماء، يعتقد الكثيرون أنها عندما تقوم بحركاتها الذبذية في الطيران من زهرةٍ إلى زهرة، من روضةً إلى روضة، من خدٍ طفولي إلى آخر…أنها ترقص مبتهجةً بالحياة، لكنني أضمن لكِ أنها لا تقوم بذلك فعلاً، كيف لكائن خرج من رحمِ يرقةٍ أن يرقص؟ إنه فقط…فقط، يحاول أن يطير، بالطريقة المناسبة فيتعثر، قد تقولين أنّ تعثرها يشبه راقصة الباليه في بداياتها لكنها في النهاية سترقص حقيقةً، لا، إنها لن تفعل…لأنّ الفراشات لا تطير في سماءها وحيدةً، إنها كالعادة، محاطةً في خضمِ كل الخضرة والطبيعة…إنها محاطة أيضاً بالكائنات المفترسة، حينها تغتال الفراشة، ببساطة… عندما تهفهف في سماءِ القدَر العجيبة، ستموت هكذا، بكل عنف وبساطة، بطعمِ عنكبوث… أو بقبضة إنسان يخترق ضغط إصبعيه السبابة والإبهام على جسدها الهش ويمسح أحشاءها بسهولة…هكذا تغتال الفراشة، وأنتِ يا عزيزتي فراشة.

قد تقولين لي ما هذه النظرة السوداوية للعالم؟ أقول لكِ إنها الحقيقة عزيزتي، إن الأنثى غالباً ما تحاول تلطيف ما يحدث لها وجعله وردياً، مشاعرها وعواطفها لا تسمح لها أن تواجه القبح، ستجدينها دائماً تحاول أن تجمل ذلك القبح، تركيبتها لا يمكنها أبداً أن تتحمل القبح، إنه معادٍ لها في جسدها نفسه، لا تحتمله ولا ترغب في النظر إليه أو أن تعيره إنتباهاً فهي ببساطة تهرب، لكن ما يفضحها أمامها هي الأيام الخاصة في الشهر، حين ينتفض جسدها مفرغاً الهرب إلى حالة من الاتحاد بالذات، لكن دعينا حقاً… دعينا لمرة واحدة فقط أن ندرك قليلاً بعيداً عن تلك الحالة وضعها كفراشة.

أنتِ فراشة لأنكِ عندما تقفين على جرحٍ ما، أو عند تخثر دمٍ في التراب لا تقومين بشيء فيما عدا تحريك جناحيْك إلى أعلى وأسفل قليلاً، تجذبكِ الجراح لكنكِ عندما تصلين إليها لا تقومي بأي شيء، عليكِ أن تقومي بأي شيء كما تعلمين، أن تمتصي الدم، أن تبحثِ عن الجثة، أي شيء! لماذا لا تقتنصين الفرص؟

أذكر أنّكِ لم تقومِ أبداً بالحديث عن تلك الأيام، يجب عليكِ فعلاً أن تخبري الجميع بكل ما حدث، بعيداً عن المعلومات القليلة عن غرف التعذيب والتهديد والصرخات والجو السوداوي والكائنات الخبيثة التي عرفتيها في تلك الفترة من حياتك، لماذا تهربين منها؟ لا يمكنكِ أبداً أن تهربي من قدركِ، لا يجب أبداً أن تنسيْ ما فعلوه بكِ، انظري ماذا حدث عندما تناسيته، انظري إلى كل الأحداث التي تلت ذلك؛ نعم لقد خرجتِ من الحيْ الكئيب، نعم لقد عشتِ أياماً لم تحلمِ بها أبداً قبل الثورة، ركبتِ سيارات لم يركبها أحد غيرك، لبستِ ملابساً أغلى من كل ملابسكِ نعم، ذهبتِ إلى أماكن، ولكن…. ولكن، لماذا تحاولين إخفاء الحقيقة التي تقول أن كل ذلك لم يكن إلا مكياجاً وضعتيه بعيداً عن وجهكِ الحقيقي، مكياج قبيح كما تفعل كل فتاة تحاول إخفاء جروحها وبثورها وآثار الكدمات، تضعين على عينيك الأقلام الملونة فقط…فقط لتبعدي لون الأرق والبكاء، تضعين العبايات الخليجية الغالية فقط لتخفي الجروح والكدمات، تلبسين الكعب العالي لأنكِ غير آمنة لا تأمنين لأن يعرف الناس أنّكِ ضعيفة تحبين أن تقفي شامخةً عاليةً أمامهم، هذا ما تفعلينه بالضبط… عندما تخفين الحقيقة، قولي الحقيقة كلها… بقبيحها وجميلها، هيا قصِ قصتك كاملة، إفضِ إليْ…أنا مستقركِ.

 

ا

حسناً،

لا أعرف من أين أبدأ، ولكنني سأتحدث بما أذكره تماماً… هذا يا حنّة، يا منّة:

كُنتُ تلك الليلة في فراشي أحاول أن أنام بهدوء بعيداً عن الأفكار التي تشوش عقلي، سهرتُ قليلاً أفكّر في أخي الذي التحق بصفوف الثوّار في إحدى المدن الثائرة، أودع كافة أسراره لديْ ورحل، ذرفتُ عليه من الدموع ما غسلتُ به خصلاتِ شعري ودعوت الله أن يحفظه ويرعاه؛ كنتُ لازلتُ أعيد شريط آخر لقاء بيني وبينه، كان في البداية ينقل السلاح ويخزنه في المنزل بسرية تامة ويخبرني ” سيأتي أحدهم ليأخذه منكِ، لا تجعلي والديْك يعرفان شيئاً عنه، انتظري مني إشارة” ثم يختفي في جنحِ الله ولياليه، لازلت أتذكر رائحة السجائر في معطفه وأراجع ملمس لحيته التي اعتدت أن أشاكسه بجذبها عندما تكبر، كنا أخاً وأختاً متقاربيْن جداً، قال لي في آخر ليلة قبل أن تأكل روحه الحرب ” سيأتون يوماً للبحث عني، احذريهم….” .

قبيْل تنفّس الفجرِ سمعتُ أصوات طقطقة آتية مِن باب المنزل، كان الباب الحديدي المنقوش عليه صورة لغزال تشبه تلك التي في سور منزلنا ومنازل كثيرة في البلاد يحمي المنزل الصغير الذي لم يكن صعباً الشعور بقطة تتحرك في أرجاءه أو ورقة من أوراق الياسمين تهفها نسمات الليل إلى الأرض، كانت الطرقات عالية وتزداد علواً، نهضتُ من فراشي مُرتعدة، خشيتُ على نفسي، فقد عانيتُ من مسٍ شيطاني في طفولتي كان يجعلني أسمع أصواتاً وأرى أشياءً لا تُرى، عاشق من الجنِ عشق جسدي الصغير كما أخبرتني أمي ” دارولك حجاب…بنيْتي، يارب منك ليهم”، ومن ثم أمضينا الأيام نبحث عن شيخ يخرج المتطفل العاشق، شُفيت، لكنني كنت دائماً ما أظن أنه لازال موجوداً، أستيقظ الليل لأبحث عنه بعد أن حدثني أو لمس جسدي كما كنت أشعر، أستيقظ لأجده قد رحل فأتعوذ من الشيطان الرذيل ثم أبحث عن كوب الماء وأخرج من الغرفة لأجلس ساهرةً أشاهد التلفاز العتيق الذي اشتريناه بعد أعوام من شفائي.

 خرجتُ إلى الجنان الصغير انصتُ جيداً للطرقات، وضعتُ يدي على فمِي مترقبة من الصوتِ أن ينتهي لكن دون جدوى، كانت الطرقات تزداد، أسرعتُ أوقظ أبي وأمي  الذيْن كانا يغطان في نومٍ عميقٍ عكسي تماماً، كنت نقيظتهما….أسهر الليالي بينما ينامان بعد صلاة العشاء بساعة ولكن منذ اختفاء أخي لم استطع أن أنام أبداً إلا عندما يستيقظ أحدهما في الصباح الباكر. خرج أبي لألحقه أراقب من ستار ما يحدث ومن يحادثه، ارتدى جرده وهو يزدرد أنفاسه محدثاً نفسه ” يا لطيف اللطف” ثم نادى عندما وصل إلى الباب:

  • من في الباب علي هالساعة المباركة؟

لاحظتُ صوت أبي مليء برعدة وشهقة واندهاش، لم يُجِب أحد مما اضطره أن ينادي مرةً أخرى:

  • من على الباب؟ وهو يتحسسه من الخلف قبل أن يمسك المقبض.

 ردّ عليه الصوتْ بكلّ خشونة :

  • افتح الباب وإلا كسرناه وكسرنا رقبتك معاه!

بدأ يتصبب عرقاً، فجأة شعرت بأمي بجانبي تناديه وهي ممسكةً بكتفيْ كأنها تستشعر تهوري – كنتُ دائماً في مواقف كهذه فتاة جريئةً-  من في الباب؟ لاحظ أبي وجودنا، فأمرنا ناهيا كلتيْنا بأن ندخل مسرعتين وأن نتستر، أما نحن فلم نكن لننفّذ كلماته التي شعرنا بجللِ وخوفٍ فيها، إنه سهل علينا نحن النساء أن نشعر بسوءِ الطالع الذي يأتي مع الهواء والرائحة، لذا فنحن مولعات بالروائح وما تستجلبه معها، ظللنا واقفتين ننتظر رؤية هذا الذي عكّر مسار الليلة.

لقد تذكرتُ في تلك اللحظات حلماً قد مرّ بي كنت قد أخبرتُ أمي به من قبل؛ كانت أمي ذات خبرة لا بأس بها في تفسير الأحلام؛ قلتُ لها ” رأيت فتاةً تشبهني إلا قليلاً تدلني على مكانٍ كأنّه البحر لكن كأنّه الصحراء أيضاً، كانت الفتاة تخبرني بأنّ هنالك مفاجأة لي يجب أن أتبعها لأعرف ما هي، تبعتها…. أخذتني إلى شجرةٍ توتٍ في الخلاء، في مكان ليس كاليابسة التي نحن عليها…لم يكن هنالك شيء آخر سواها، كنتُ أشتم رائحة التوت المرمي على الأرض تحت الشجرة والفتاة تمسك بيدي، كان هنالك رجل يرتدي بذلة عسكرية ينظر إليْ ممسكاً كلاشنكوف حاولت أن أتبينه لكن لم أتمكن من معرفته، استشعرتُ شيئاً ما في قبضة الفتاة التي كانت تمسك بي بقوة مبتسمةً في وجهي وتخبرني أنه لا بأس، وأنني أعرف الرجل…. حاولت أن أهرب لكن كأنني كنتُ ملتصقة كالتأوم معها” ففسرت أن ذلك فأل سيء، وأنها تدعو الله أن لا يتحقق حلمي، لكنها أبداً لم تعلمني ماذا يعني.

كنا نقطن في جانب الشعبيةِ من حي التوت، الحي الذي استخلص المدينة بكاملها في حوائطه وبيوته وجبانته وقصصه، كانت الشعبية التي بنيت منازلها في ثمانينات القرن الماضي إحدى أسوء الأماكن التي من الممكن لأحد أن يعيشَ فيها، كانت مليئة بالعراكات طول اليوم والليل، كنت دائماً ما أنام على صراخات الجيران وأبنائهم ومسبات وشتائم وإهانات تلقيها زوجة في وجه زوجها مخبرةً إياه أنه ليس برجل راداً عليها بأنه يفضل أن ينام مع عاهرات ميدان الغزالة على أن ينام معها، كانت الشعبية مليئة بالضجة، لذا لم يكن هناك من أمرٍ مستغرب أن يطرق أحدهم باب جاره ليسبه أو ليتعارك معه عندما يسكر، أتذكر أنّ أحدهم كان يبيع الحشيش تحت شجرة في منتصف الشعبية، كان أحياناً يهرب من الشرطة قافزاً أو طارقاً على البيوت.

 كنت أتعاطى الاحتمالات كاملة في رأسي حتى لم يكد أبي أن يفتح الباب ببطء إذ دفعه رجل ملثّم بلثام أخضر اللون شاهراً السلاح في وجهه، ما الذي أتى بهم غير السبب الذي كان أخي يحذرني بأخذ الحيطة عندما يحدث؟ نعم إنهم همْ، هم رسل الموت الذين بعثهم ملك الموت جاؤوا يبحثون عنه أخيراً، دخل البيت الرجل تلو الآخر تلو الآخر يتوالدون من الخارج – يقذف بهم الشارع إلى رحم الجنان – قال الذي دخل أولاً والذي بدى زعيمهم:

  • أين هو؟

رفع أبي يديه لا إرادياً يصفق بهما في الهواء قائلاً له :

  • من؟

كان أبي يعرف قليلاً عن مصير الذي يبحثون عنه، لكنه شعر بلحظة من اللحظات بالإنكار، سأله الرجل مجدداً مع المزيد من التوضيح:

  • بتستغبى علينا والا كيف يا حاج؟ الباشا ولدك وين؟
  • في تونس!
  • وشن يدير في تونس الباشا؟
  • علمي علمك يا ولدي.
  • يا بويْ…. ولدك وين؟
  • في تونس !!!

 انقض الملثم بحافةِ السلاح على أبي حتى سقط أرضاً – و كأنّه رأى أبي يتهكم عليه ويضيع وقته  – لم استطع الوقوف ساكنةَ فاندفعتُ إلى جسده المتوسد زليز الجنان أبكي وأصرخ فيهم، تلحقني أمي؛ صرختُ في وجه الملثم:

  • يا مجرمين ! ارحلوا عنّا، ماذا فعلنا لكم . . .  ماذا فعلتُم به؟

 كان جسدُ أبي لا يتحرّك،  كان مغشياً عليه كليًا لا تكادُ تسمعُ نبضات قلبِه حاولت أن أتلمسه باحثةً عن حركةٍ فيه دون جدوى، وضعت رأسه على يدي، تخلى الحجاب عنّي وبان شعري لهم، حاولت أن أمسكه بينما أحاول أن لا افقد ملامح أبي لكن بدون فائدة، حتى اندفعت أمي لا إرادياً خلفي لتمسكه عنّي مغطيةً إيايْ، كنا في تلك اللحظة راكعتين أمامهم، جاثيتين بينما لم تتغير ملامح الملثم إلا إلى الأسوء، فقد زاد غضباً وعجرفةً قائلاً:

  • سأغفر لكِ خطيئتكِ إن قلتِ أين هو؟ أين أخوكِ الصايع؟

 كان أبي لا يستجيب لندائي له ” يا بوي، يا بويْ… نوض يا بوي” قلتُ والدموع تنهمرُ كالسيلِ من عينيْ أغسله بها، نظرت نحو الملثم بعينيْن حمراويْن، فقد أخبرت أنني كنت تلك الفتاة التي لا تخاف أن تكون جريئة في حضرةِ الغضبِ، الخوف أو الحزن، لذا فخرجت الكلمات دون أن أشعر بها:

  • ليس هنا، لن تجده هُنا أبداً!

قذفت بسيل من الشتائم في وجهه، كانت يداي المرتعشتان تحمل جسدَ أبي الضعيف الذي بدا صامتاً، ميتاً وساكناً كجثة، كدت أن  أجنُّ في وجههِ، شعرتُ بالجن العاشق الذي كان يسكنني في طفولتي يعود ليخرج ضدهم، نعم كنت جريئة لكنني لم أكن بتلك الجرأة التي حملتها قبلاً تلك الليلة، أتذكر الآن كيف حقاً كنت أحمل شجاعة مخيفة عندما تحديته وأنا أنظر في وجهه بينما تحاول أمي تهدئتي حاضنةً إيايْ، كان يمكنك أن تشم رائحة الياسمينة التي تلقي بظلها في بيتنا رغماً من عنفِ المشهدِ معطيةً إيايْ قوة للوقوف في وجهه، حاول أن يرفع سلاحه في وجهي، عندما أغضبته، قلتُ له صارخةً:

  • هذا ما يفعله أمثالك السفلة، يرفعون بأيديهم على النساء مختبئين خلف اللثام! تفو !

ووصل تفالي إلى وجهه، شعرتُ بالسعادة تغمرني للحظة كأنني انتصرت، ولكن لم تكد إهانتي تصل له، حتى أعاد السلاح إلى مكانه، كان يبتسم من خلف اللثام، عيناه مليئتان بالقسوة لما قال ساخراً:

  • حقو؟ شوفوا شغلكم يا شباب … خلوا الجُرذ ملوّح، جيبولي البنت بس، تو نوريها البوطانة!!

أشارَ إلى أثنين من الملثمين الواقفين خارج البيت بينما قام الآخرون بالدخول إلى المنزل في عملية تفتيش، صرختُ فيهم  وهم يحملونني بملابسِ النوم خاصتي:

  • إلى أين أيها المجرمين ؟ أليست لدى أحدكم نخوةٌ لكي تعتدوا على فتاة ؟

كانت أمي الآن تلهج بالدعاء محاولةً التشبث بي، لم أكن أشعر بوجودها تنادي بي أن أهدأ محلفة إياي بالله، أصابتني حالة هستيرية وقتها فظللت أردد كلماتي ذاتها ناظرةً إلى أبي المغشيِ عليه حتى، كنت أصرخ كأنني أبحث عنه لينقذني منهم جميعاً أن يخرج من الظلام ويسحلهم هو وأصحابه، إلا أن فقدت الوعي، قام أحدهم بضربي بنهاية البندقية حتى أسكتْ بعد أن أمره صاحب اللثام  بأن يسكتونني قبل أن ألمّ الجيران عليهم. فهدأت، اختفى أبي واختفت أمي وعلقت رائحة الياسمين في أنفي.

ب

  • ما هذا المكان ؟، أين أنا ؟ ، أين المنزل ؟ وأين أبي وأمي ؟ ]

تمتمتُ بكلماتي بصوتٍ يميلُ إلى الانحلال والتشتت، كنت أشعر بثقلِ رأسي ملقاةً على أحدِ الأسرة؛ تحسست لأول مرة خشونته وأنا أتحسس وجودي في المكان، اختطفتني رعدة برد، شعرتُ بثقل الضوء ينساب بقسوة على عينيْ المطفأتيْن، كنت أتبيّن المكان، أشباح تلتف حولي، كنّ يرتدين فساتين، شعورهنّ منزوعة الحياة، كنّ ثلاث أشباح نساءْ قد تجمعنَ حول جسدي المتآكِل في مكانٍ موحش هُو كالسجن ! بل هو السجن ؟.  ذات الرائحة التي يقصونها لك في الحكايات، رائحة لطيفة ما تحاول أن تتغلب على رائحة عطَن وهواء مكسور الخاطر يحاول أن يتشبث بالجدران فتلتقفه الأنوف الكثيرة في الحجرة الصغيرة بذات المنظر الذي نراه في شاشة التلفاز ولكنه يبدو أكثر وحشةً، ذات أصواتِ القعقعة والوشوشة والصياحات العسكرية إلا أنه أكثر حقيقةً، تبينت الأشباح جيداً؛ كانت إحداهنّ إمرأة ثلاثينية ببشرة قمحيّة تضع تسمالاً تربطه على رأسها كأنها قد عزمت على تنظيف شيءٍ ما ترتدي فستاناً غامق الألوان به في كل مكان أزهار صفراءْ مذبلة ألوانها، كانت رقبتها الذهنية تظهر خالاً كبيراً جالس على منبتيْ جيدها، عيناها عسليتان وبها سن مكسورة تبتسم نحوي اتجاهها، أخرى كانت فتاة مثلي بالضبط، أكثر بياضاً، أكثر خفوتاً ورائحة ثوبها الأزرق الداكِن كتلك الروائح الرخيصة المتشابهة التي تضعها الفتيات في عمرها، شعرها كان ينسدلِ في شكلٍ لولبيْ حتى صدرها النافر، الثالثة إمرأة سوداءْ غليظة الجسد ترتدي ملابساً أشبه بالرجال عرفت بعد ذلك أنّهم يدعونها خيرية، إحدى النزيلات القديمات بالسجن، تعرفُ الجميع فيه السجانين والمسجونين؛  تهافتن حولي فرِحات – رغم أننّي لا أعرفهن – مهللات حامدات الله عزّ وجل على استيقاظي، كنت أشعر بغربةِ في المكان حدقت فيهن باستغراب، كنّ حولي كذلك النوعِ الفضوليْ من الليبيات اللائي يتجمعن حول أي فتاةٍ يجدونها في ورطة ويسألونها أسئلة ملحة منذ اللحظات الأولى واضعات الحياء ومعرفتهنّ اللحظية بي بعيداً ومتجمعات بفضول لمعرفة كافة تفاصيل حياتي، رأيت وجوههن…. كنّ شبيهات بالنساء اللائي نراهن في شاشة يومِ الإربعاء في برنامج ( الأمن والمجتمع) مليئات بالعار والاستحقار عن جرائمهنّ في المجتمع، ممرضة في إحدى المستشفيات العامة تسرق الدواء وتبيعه للصيدليات، معلمة تقوم بتسريب الأجوبة الخاصة بامتحانات الشهادة الثانوية، بائعة هوى قبض عليها تبيع الجنس في حدائق العاصمة، مدمنة هروين وجنس، زنا وغير ذلك؛ تهم كهذه كانت بمثابة العار يلتصق بالمرأة كلها تجعلها تصل إلى نقطة واحدة يراها بها المجتمع: عاهرة! المرأة هنا ما إن سرقت، قتلت، أو مارست عمل من الأعمال غير القانونية يقال عنها عاهرة على عكسِ الرجل؛ كن متجمعات حولي وأنا أنظر إليهن بذات النظرة الدونية، أحاول قدر جهدي أن أسحب جسدي من أن يلمسنه.

قالت لي صاحبة الخال وهي تبتسم في وجهي ابتسامةً أمومية:

  • الحمد لله على سلامتك، خليك مستريحة.

ونهضت الفتاة التي تقاربني في السن لتجلب كوب ماء من طاولة موضوعة تحت النافذة الصغيرة، التي لا تتعدى مساحتها نصف نافذة عربية أعلى من مستوى رأس أطولنا، بدت مرام واقفة ممشوقةً ببهرجة قوامها وشعرها الذي يتدلى كالإغريقيات على ظهرها، كان بها بعضٌ من شحوب كما أنّ جسدها كان يصرخ لانعدام اللحمِ فيه، عادت صاحبة الخال تحادثني وأنا أحمي نفسي منها:

  • أنا أدعى صفاء.

كنت متخوفة منها في البداية، إلا أن لمساتها اليومية وصوتها الأمومي جعلني أرخي دفاعاتي لها، أصبحت في خلال أيام المرأة التي ألجأ إليها طيلة فترة مكوثي في السجن، لقد عانيتُ هناك الأمريْن لكنها كانت بلسماً لخوفي وارتجافاتي و لولا كل هذا النزق والإرهاب لشعرت معها وكأنّي في بيتي مع أختي الكبرى، إننا معشر الإناث في هذه البلاد لا يؤثر السجن فينا كثيراً، الآن أفكر…. لم تكن الجدران التي تلفنا هي ما يقض مضجعنا بل الأجواء والابتعاد عن البيت، الإحساس بالغربة وبانعدام الآمان، السجن الاعتيادي الذي يحرسنا فيه أهالينا. شربتُ الكوب بعد أن شممته، كنتُ مرتعدةً خائفة و علامات الاستغراب واضحة في محياي وأنا أتعطش للماء يروي شفتيْ المتيبستين، سألتها وأنا أنظر في عينيها:

  • أين أنا؟ ولماذا لستُ في المنزل ؟ وأين أبي؟

 حطّت يديها على وجهي باسمة و قالت لي – و الدمع منحسرٌ في عينيها-:

  • لا عليكِ، أنتِ مع وخيّاتِك، شكلهم الكلاب خذوك دايخة، حسبي الله و نعم الوكيل فيهم.

 كانت خيرية تنظر لها وهي تنطق كلمة ” كلاب” بسوء تمط شفتيها كأنها ستقول شيئاً محظوراً قد يُسمع، سألتها و لا زلتُ تحت تأثير صدمة الواقع:

  • أخذوني ؟ الكتائب؟

هزّت رأسها دون أن تعي ما أهرف به، قالت مرام وهي تنظر متفاجئة:

  • الكتائب؟ تقصدي الأمن؟ نعم، أتوا بكِ مع أولى ساعاتِ الصباح…. ألقوكِ على الأرض ولم يلتفتوا إليكِ حتى الآن، كنتِ بصحبةِ حارستيْن من السجن، قمنا بمداواةِ الجرح الذي على رأسكِ، قطّعت صفاء جزءاً من ثوبِها، غسلناها بالماءْ وقمنا بتنظيفها، ولمدّة يومين سهرنا على راحتكِ.

شعرتُ بالجرح وبالعُصابة بعدما أصبحت أتآلف مع صدمة الواقع، رفعتُ رأسي إلى السقفِ مغلقةً عينيْ اللتينْ ما انفكتا تدمعانِ أفكّر في مصير أبي، مصيري ومصير كل هؤلاء الفتيات اللواتي سهرنَ على راحةِ غريبةٍ عليهن، ملائك الرحمة التي قطّعن من أثوابهنّ البائدة لكيْ يداوين ولو القليل من جراح جسدي الدّامي، يا لبؤس المنظر ويا لجماله! رغم  كل الجراح التي تحيط بي الآن، و رغم كل هذا السوّاد الذي أصبح يلفني هذه اللحظة، رغم كل ما حدث لكنني لازلت أتذكر تيك الفتيات اللائي كنّ لي شمعةً من أمل، شمعةً من حب ومن حياة.

 

ت

حسناً، يا حنّة…. يا منّة.

هُو الأمل يعطي للحياةِ رونقها، هُو الأمل الذي يدفع الأعمى لصناعة نورِه الخاص والأصم لبناء أصواتٍ خاصة به، هُو الأمل الذي لا يعرف أين، كيف، لماذا أو متى يتوقف، إنّه ذلك الضوء الذي يأتي في آخر النفق نلحقه دون أن تكون لنا أدنى فكرة ما الذي يجعلنا نركض حتى نصل إليْه، ومع كل صرخةٍ وأنة شعرتُ بها بين تلك الجدران كان أملى يكبر ويكبر، مع كل ليلةٍ مظلمة وكل نهارٍ شاحب أتقاضاهما كراتبٍ للثورة على الظلم والطغيان، مع كلِّ شمعةٍ تُطفئ في جُنح الظلام تولد شمعةٌ أخرى في نفسي.

لم تكن الفتيات مجرّد فتياتٍ أخِذت غدراً من منازلهنّ ورضخن للأمر الواقع، كانت خيرية مسجونةً بسبب اتهام زوجها لها أنها قتلت ابنه من إمرأة أخرى تزوجها قبلها فقط لأنها أبداً لم تنجب له، وقضاءِ الإتهام فيها مذنبة لوجود دلائل قاطعة على ما فعلته، صفاء كانت إحدى المعلمات المتهمات في قضية إنشاء خلية لبيعِ المخدرات بين طالبات مدرسة ثانوية في المدينة، أما مرام فقد حُبست للسبب نفسه الذي سُجِنتُ لأجله، أخوها كان أحد الثوّار الشباب الذين التحقوا بالجبهات ولم يمضي على وصولها للسجن سوى يوميْن قبلي. اهتمامهنّ بمرام قبلي جعلني أرخي لهنّ دفاعاتي، كنتُ متششكة منهنّ، أراهنّ نجسات وحقيرات، رأيت نحوهنّ باحتقار لأيام بعد أن عرفت قصصهنّ من مرام التي كانت تجلس بجانبي تخبرني ما فعلنه لأجلها، مرام هذه كانت فتاةً ذات طابع آخر…كانت مليئة بالحكايات الغريبة والقصص الخيالية والتي لطالما تحفظت عليها بخجل، كانت تحكي لنا قصة تحفظها وتغني الأغاني الرومانسية والولع واللعب تجعلنا مغنيات خلفها في كل مرة عند سماعنا لها تقول ” أحبيني بلا عقدٍ” كأننا كاظم الساهر، أو ” أحبك وحشتيني” أو أغاني الأفراح الليبية، والزمزمات كانت أرواحهنّ ألماساً لا يُخدش، أُعجِبتُ بكلِ واحدةٍ منهنّ، كنتُ أرتعِدُ في البداية حتى تتغيرُ ملامحي مع سطوعِ نورِها راجعةً إلى الزنزانة أكثر مثانةَ وأكثر شجاعةً، كانت كل واحدة منهنّ تظهر كفراشة في حقل جراحِي تضع أثرها، دغدغاتها، رفرفة جناحيْها ويدها التي تسري على رأسِي عندما أنتحب كأنني ابنتها الخائفة.

لم يمضِ بي يومان أتعرّف إلى الفتيات نتحدث في شتى المواضيع، أبتسم مرة صحبتهن، أبكي أخرى في الغشِ الذي يضفيه الليل على مشاعرنا النهارية، نضحكُ من نكتةٍ ألقتها إحداهنّ وسط الملامح المتهجمة لتغير ألوان الوجوه التي حولها، كانت خيرية مليئة بالقصص، كانت تعرف الجميع في العنبر وفي الزنزانة، لها قصص مع الحارسات مليئة بالضحك، كانت إمرأة مدخنة، تضع السجائر المهربة من قبل إحدى الحارسات في ليالي السهر ثم تحكِي لنا لنموت بالضحك، كنت أسمع قصصاً منها عن قصص لمجموعة من التعاملات، إحدى الحارسات تقوم بمقايضةِ أجساد بعضهن بعد التعرف عليهنّ جيداً مع مجموعة من أفراد الأمن الداخلي الذين يحرسون المكان مقابل أشياء رمزية يقمن بها من أجل السجينة، كما أنّ الحارسات يسهلن دخول من تريدنه بعض السجينات مقابل المال، كان السجن عبارة عن مكان للمقايضات بين بعضِ الحارسات والسجينات، كلما ازداد الثمن ازدادت الخدمة،   كانت أرتعد أيما ارتعاد عندما أسمع قصة اغتصاب إحدى النزيلات من قبل أحدِ الحرّاس الخارجيين للسجن،  لم أكن أصدّق بأنّ هذا يحدثُ حقاً بين البشر – على الأقل في بلدي – حتّى أتى ذلك اليوم الذي أدخلني كضحيةٍ في إحدى تلك القصص.

لم يمضِ يومان حتى الصباح الثالث عندما كانت أشعة شمسِ الصباح تنفذُ بصعوبة من خلال النافذة عندما استيقظت على طقطقات أقدام قادمة نحونا، كانت الخطوات تقتربُ بين الفينة والأخرى وكلّما ازداد اقترابها كلّما تسارعت دقات قلبي في الخفقان وكأّني كنت جازمةً بأنّ هذه الأقدام لم تدخل عنبرنا إلا لي خصيصاً، وقد صدق حدسي فما هي إلاّ ثوانٍ حتى امتثلت الأشباح أمام زنزانتي – كانتا فتاتان من مجندات الجيش بملابسٍ رسمية زرقاء ضيقة تضع إحداهنّ قبعة على شعرها الذي اعتنت بمظهره جيداً والأخرى تلفه بحجابٍ أبيض تحمل كل منهنّ بندقية كلاشن كوف على ظهورهما، كانت عيونهما تشتعل شرراً – وصاح صوتٌ صامن در إحداهما لم أميّزه:

  • تلك , ذات العصابة على رأسِها؟

 ازددت في الخفقان وازدادت فرائصي ارتعاداً مع كل خفقة، دخلتا بسرعة واقتلعتا جسدِي الذي كنت أثبته في الأرضية بكل قوايْ دون جدوى وجرجرتا جثتي المرتعشة وصرخاتي تزداد مع كل خطوةٍ لهما حتى أيقظت كامل العنبر، كانت الفتيات تنظرن إليْ بنظرةِ المشفق الذي لا يملك حتى الدعاءِ للميت بالنجاة من الموت، كنت أنشادهنّ الخلاص صارخةً صاخبة ولكن دون جدوى، صاحت خيرية في إحداهنّ كانت تعرفها:

  • بالشوية عليها.
  • اسكتِ أنتِ، ماليكش علاقة. قالت السافرة منهنْ تحدق فيها من خلفِ الكُحل الذي يظهرها كأمازونية.

وبعد جولاتٍ من الصراخ، البكاءِ والجرجرة قامت إحدى المجندتين بغلقِ فمي بقطعةٍ من قماشْ فعم الصمتُ المكان بعد أن كان الصراخ عنوانه الوحيد، دخلنا دهاليزاً وممرات، رائحة الحكومة في كل مكان، صور له للرجل الذي اختطف منّا حياتنا في أحدِ الجدران، عبارات له، مكاتب، موظفون وموظفات في الجهاز الإداري يأكلون الوقت بالأحاديث وممارسة عادة التحديق.

و بعد دقائق من الجولة الظلامية في المكان وقفنا أخيراً أمام بابٍ موصد بإحكام كُتب عليه ” مكتب التحقيق”، قامت إحداهما بالطرق على الباب بضع طرقاتٍ خفيفة، زعق صوت من الداخل آمراً:

  • ادخل!

 دخلنا، عند دخولي رأيتُ رجلاً في آخر الغرفة الضيّقة خلف طاولة، قال لهما ” أجلسوها هنا ” وأشار إلى كرسي بلاستيكي مقابل الطاولة، وبعد أن جلست قامت إحداهما بتوثيقي على الكرسي جيداً حتى لا أفلت منه – وكأنّي كنت سأفعل -، تراجعت الفتاتان إلى الخلف حتى استقرتا إلى جانب الباب، وحينها انتفض الرجل من مكانِه قائلاً لي ” ملاك الرائد صحيح؟ ، عشرون عاماً، طرابلس، حي التوت، الشعبية صحيح؟” , لم أفاجأ بمعلوماتِه الصحيحة فتقريباً يعلم هؤلاءِ كل شيء عن حياتِنا ولكن ما أذهلني تلك النبرة التي كان يستخدمها و كأنّه كان يراودُني بأسلوبٍ لبقْ.

هززتُ رأسي إيجاباً مجيبةً على سؤالِه قائلةً وبصوتٍ خافت ” نعم ” .

  • جميل , إذاً تعلمين أنّكِ في استضافة الحكومة صحيح ؟ .
  • نعم . قلتُ وبصوتٍ خافتٍ أيضاً.
  • والحكومة لن تقوم بإيذائكِ إن كُنتِ ستقبلين بمساعدتها .
  • وماذا تريد الحكومة ؟ . أجبتهُ وبنبرةٍ أعلى – مع ارتجاف وتلكؤ في صوتي – .
  • تريدُ أن يستتب الأمن، تريدُ أن يرجع الوضع على ما هُو عليه….. شعبٌ راضٍ وحكومةُ مطمئنة البال – أجابني مسترسلاً -، والأخ القائد رمزاً وطنياً لهما، وما ينغص على الحكومة عيشتها أن ترى السلاح منتشراً في نواحي البلاد، أن ترى صوت التمرُّد، صوت الشوارع والمخدرات والصياعة والتذاكي، صوت الإرهاب يعلو مرةً بعد مرة.
  • وما واجبي أنا ؟ .
  • أن تعطينا كافة المعلومات حول أخوكِ الإرهابي.
  • أخي ليس إرهابياً ! – أجبته منتفضة بنبرةٍ أقوى من ما سبق –.
  • أخوكِ إرهابي وابن كلب، فرخ صايع وليس له علاقة بالانضباط ولا المواطن الصالحة، إن أمثاله يحميه أهالوهم الذين لا يعون حقيقتهم المرة – أجابنِي غاضباً -، ولتعلقي هذه الكلمات أقراطاً في أذنيْكِ، إن لم تتعاوني معنا بالحسنةِ والمعلومات الصحيحة سنستخدم كافة الطرق القانونية وغير القانونية لانتزاع الاعترافات من شفتيكِ – ولوّح بيديه مهدداً – نعرف أن أخاك يهرب السلاح إلى العاصمة للتحضير لاحتلالها، نعرف أنّه قد اخترع طريقةً للمحاربة في الجبهة وللانسلال إلى العاصمة لتهريب السلاح.

وظل يلقي عليْ بالعديد من الأكاذيب يحاول أن يخضعني من جديد بأسلوبه المتملق والمبتسم، إلا أنني كنت أنظر إليْه بجفاء، ظل لربع ساعة يحكي قصصاً ويختلق أخرى عن أخي، قصص بشعة وغير صحيحة، لم تكن صحيحة، كنت أشعر بأنها غير صحيحة، عبدالسلام لم يكن ليفعل أي شيء من ما يقوله، سألني عند انتهاءه من حديثه ” ما رأيكِ الآن؟” لم يجد مني جواباً، حدق في بغضب من جديد؛ مهما حاول الثعبان أن يغطّي جسده الخبيث وسمّه المفزع لن يتمكن من ذلك لزمن، سيأتي وقت يفرغ فيه كل ما في جعبته من حقد وشراسة، سيأتي وقت يرغبُ فيه أن ينفث كافة سمِّه في وجهِك، سيأتي وقت يتبدّى فيه وجهه الحقيقي، الوجه الأسود للحكومةِ السوداءْ، هذا ما كنتُ أفكر فيه خائفةً عندما انقلب مزاجه بسرعة اتجاهي.

وماذا نتوقع من هكذا حكومات؟  ماذا نتوقع من نمرودٍ تربّى على السفك، التعذيب واللا أخلاقيات؟ ماذا سنتوقع من عبيده والمسبحين بحمده في الليل أو النهار؟ هل نتوقع منهم بعد أن ناصبناهُم الحُريّة وناشدناهُم الرحيل بأن يرموننا بالورود ويودعوننا بالقُبل؟ لا، إنّ أربعة عقود من الغوص في الخيرات والتمرغ في القتل، التشريد والإعتقال التعسفي والإغتصاب لأرواحنا لا تذهبُ هكذا وبسهولة، إذ التقط المحقق سمّاعة الهاتف وضغط بعنف على بضعةٍ من الأزرار ليأمر الصوت وراء السماعة بأنْ يأتي لجلسة الاعتراف منادياً ” تعالي ” مغلقاً بهذه الكلمة البسيطة القاسية السماعة، خفتُ، شعرتُ بالذعر، ولكن لم أعطهم فرصةً ليقرؤوا علامات خوفي، جلس الرجل على المقعد وقال لي مبتسماً:

  • الآن ستتكلمين ولو بالقوة، ليس لدينا الوقت لمحاولة إقناعك بالحسنى.

 مرّت الدقائق تتلوها الدقائق كالأفعى تسعى داخل أنفاسي، منقبضةً كُنتُ ودارت في رأسي ألف فكرةٍ وفكرة، حاولتُ أن أرسمَ وجه مستقبلي الحالك ولو بريشةٍ بيضاء فيستحل اللون إلى الأسود، وما هي إلّا دقائق قليلة حتّى قُرِع الباب، أمر المحقق إحدى الجنديّتين كانت تفيض عيناها شراراً بأن تفتح الباب، دخلت إمرأة ترتدي الملابس ذاتها إلا أنها تملك نجمتيْن على كتفها على خلاف الجنديتيْن، كانت بنيّة البشرة بمعالم وجهٍ مقرفة كالضبع، ألقت التحية على المحقق، بادلها التحيّة ثمّ أمرها:

  • استخرجي منها الاعترافات بكل الطرق وإن لم تعترفْ فاصنعي بها ما تشائين !

هنا وهُنا فقط بدأت أطرافي في الارتعاش لا إرادياً فبدت وكأنّها شيطانٌ بهيئة إنسان، قالت مبتسمةً:

  • ما اتوصيش.

خرج المحقق من الغرفة لتتولى سعيدة الغولة كما يدعونها التحقيق، أخرجت من دُرجِ الطاولة عصا ونظرت نحو الحارساتيْن لتثبتانني، واختفى جسدها إلا رأسها و منكبيها خلف الطاولة واخرجت ورقةً وقلم ثمّ زمجرت في قائلةً:

  • لنسمع أقوالكِ، ما علاقتكِ بالجُرذ المدعو عبدالسلام الرائد؟

 قلت لها ” أخي”، ضحكت هازئةً وقالت ” أعلم أنّه كذلك، ماذا تعرفين عنه؟ أين مكانه “، فلم أكمل إجابتي بالنّفي حتّى نهضت من كرسيها، دارت حول الطاولة الخشبية، أمسكت العصا وانهالت عليْ بالضرب على ذراعي، في بادئ الأمر لم أشعر بشيء، لم أسمع شيء، لم أتفوّه بشيء حتّى فارقت العصا جلدي فبدت الضربة وكأنّ ناراً أحاطت بجسدي ولم تغادرني، صرخت، صرخت وبقوة، وضعت إحداهنّ قطعة من القماش في فمي حتى انتهى صراخي، نزعتها،  ضحِكت الغولة بقوّة من فمهِا المقزز وصاحت:

  • هاه، اعترفي خيرلك.

 كُنت أقول  متشنجة ومليئة بالعياط والعصا تنهال عليْ مرةً بعد مرّة ” لا أعلم ! لا أعلم! لا أعلم!” أردد الكلمات وكأنّها سيمفونية مشئومة تتكرر من آلةٍ موسيقيّة .

تصيح الغولة فيْ وأصرخ أنا وتعيد المجندة قطعة القماش على فمي، هكذا تكررت المشاهِد في جلسةٍ واحدة حتى توقفتِ الضربات بإشارةٍ من يدهِا المتشققة من اعتيادها على العصا، كنتُ ولأول مرة أشاهد يدين متشققتيْن لإمرأة، وبقيتُ أنا متأوّهةً تنهال عليْ الدموع الشحيحة أتلفظ أنفاسي بصعوبة، كانت رائحة الياسمين قد اختفت، حلت محلها رائحة الخوف، رائحة سجائر مكتب المحقق، رائحة الرعب، رائحة الغولة النسويْة الرخيصة والتي كانت تضع منها الكثير في تضارب بين شخصيتها وبينها، وبعد لحظاتً من الصمت المطبق على الغرفة قالت:

  • من الأفضل لكِ الاعتراف، فقد اعترف كل من أبيك وأمك بأنّك الوحيدة التي تعرف مكانه!

ورن الإسمان في أذنيْ كأنني تناسيتهما أبداً، أبي؟ هل استيقظ ؟ شعرت بشيء غريب مزيج بين السعادة، الشك والخوف، في نفسي تساؤلاتٍ وإشتياقاتٍ كثيرة يا تُرى كيف حاله؟ هل لازال طريح الضرباتِ والركلات؟ هل هددوا أمي وأبي بشيء ما؟  لم أصدق أنّما يستطيعان أن يرميا بكامل الثقل عليْ أنا، ربما لأنهما شعرا بالخوف عليْ، ربما لأنهم وعدوهم بأنهم سيطلقون سراحي إذا كنت على استعداد للتعاون معهم.

وبعد بضع شهقات قلت لها بكلماتٍ متقاطعة بأنني لا أعلم أين هو، وأنه قد يكون مسافراً إلى إحدى الدول العربية القريبة على عادته في بعضِ الأحيان، بدأت سعيدة الغولة تشتمنني وتسبني لحظات ” أيتها الحيوانة الحثالة، أيتها العاهرة…. اعترفي”، صفعتني….كنتُ أشعر بتلك الصفعة لأيام، مدت يدها إلى أعلى ثم رمتها في وجهي، أمرت الجنديتينْ بأن تخرجاني من الغرفة.

مضى الاستجواب الأول والثاني والثالث، وفي كل مرة تزداد شدة التعذيب النفسي والجسدي، في كل مرة يتم طرح سؤال لا أعرفه، لا أعرف بماذا أجيب عليه، فيخترعون طريقة تعذيب جديدة، في كل مرة يرمون بي في الزنزانة جثةً هامدة إلا من تنهدٍ و تنفسٍ متقطع ودمعٍ يسيلُ لاإرادياً وتأوهات صامِتة من شدة الوجع فتتلقفني الفتيات وكأنهن كنّ ينتظرنني على أحرٍ من الجمر فتِلك تمسح على شعري وتلك تساعدُني على الاستلقاء الذي لا استطيع إليه سبيلاً والأخيرة تطببني، كانت صفاء على الأخص تطببني من الخارج والداخل، كانت بعد كل استجواب تأخذني في حضنها وتواسيني ببضعِ كلمات، لا تخافي، لا عليكِ، لا تحزني الشجاعة صبر ساعة، تذكري أنّ هناك من يعاني أكثر منكِ، الفجر دائماً يأتي بعد ظلام الليل الحالك والشمس لامحالة ساطعةً عليكِ. مثل هذه الكلمات كانت ترفع عنّي التعذيب النفسي الذي أخوض غماره، ذكرتني بأمي وكيف كانت تسهر على راحتي، فتصبح كالمحمومة إذا أصابتني حمّى كآلة الخياطة خاصتها لا تكل و لا تتعب من خدمتي، تمتلئ كلماتها عذوبةً وخوفاً وعطفاً، وفي كل لحظة كان يزيد حبّي وإكباري لها، صارت المصباح الذي ينير دربي عندما ينقطع ضوء شموعِي، صارت الحكيم الذي يعظُني بالصبر والجلَد حين أضعف، صارت تقريباً كل شيء في حياتِي.

كان لصفاء نوعٌ من الصفاء الذاتي، كنتُ أراها تستيقظ كل صباح تقوم بتنظيف سريرها وترتيبه، تضعُ لوهلة شعار العمل عند المرأة ” التسمال” معصوباً حول رأسها تعقده كوردةٍ فوق جبهتها، تسمح للشمسِ أن تنطلق نحو المكان الذي كان عبارة عن غرفة بها حمام ملحق، لون الغرف ليس كتلك التي تراها قاتماً في السجون، بل كان أخضراً فاقعاً صُبِغَ حديثاً في عيد الإنقلاب الأربعين الذي كان أسطورياً للعديد، الشوارع أنظف من ما كان، المؤسسات الحكومية جددت أثاثها وألوانها، الشوارع تزينت، وطرقٌ عُبِّدَت، حمامات الجامعة ركبت أطقماً جديدة كنتُ شاهدةً عليها عند بدايات الدخول للجامعة التي تغيّر فيها كثيراً ذلك العام، الشوارع أصبحت تلمع بالأضواءِ ليلاً، وانكبّ الخيرُ على الجميع….الشعب، الناس أصبحت تدخل شققاً جديدة، خططاً جديدةً كانت تقام لأول مرة كأنّ البلاد تلبس لعريسٍ جديد ليأتي ويخطفها، من لم يربح في ذلك العام، في ذلك العيد؟ لا أحد، حتى السجون قد تجملت لقاطينها، طلاء أخضر فاقع، نوافذ جديدة، ” سراير” جديدة للنازلات، ملابس وخزانات ملابس، أرضية خزفيّة من إيطاليا خصيصاً قيل، إضاءة جديدة، حمامات رُكِّبت حديثاً لتؤانس النزلاء، تقول خيرية التي عاصرت العصريْن أنّ المكان كان داراً للجنون فأصبح جنةً للنازلات، وضعت إصبعها على حائط كانت تخربش عليه…ضحكت من الرسومات التي كانت ترسمها، راسمةً تقول… صورة رجلٍ عاريٍ في الحائط خلف سريرها، ” حتى لا أنسى شكله” واصفةً حجم العضو العملاق الذي ترسمه خارج جسد الرجل،قامت تجري عندما سمعت بأنهم سيطلون الجدار لمسحه؛ كانت صفاء كل يوم تقوم بإعادة بقايا ذلك العيد إلى نفسِ الغرفة محاولةً رغم كل شيء أن تجعله حياً، صفاء التي شهدته صحبة خيرية… كانت نزيلةً جديدة في ذلك المكان، بنت عائلة على قد حالهم، معلمة في إحدى المدارس الإشتراكية الممتازة التي كانت قد أقيمت حديثاً مع موجةِ ليبيا الغد تلك، كانت تعمل صحبة عملها في بيع العلم للفتيات تبيع لهم شيئاً آخراً صحبته…مخدرات! كانت دائماً تقول ” كيف تنتظرين من معلمة مطلّقة من سكّير مجنون أن تصنعه لتغذي ابنتيْها اللتين طردهما معها زوجها وإخوة غير آبهين بحالها وأبويْن فقيريْن أن تفعله؟ أن تكتفي بالدراهم القليلة التي تجزيها عليك الدولة أم تشعر ابنتيها أنهما لازالتا تحيان حياة كريمة كتلك التي عاشتاها مع والدهما السكّير؟ …كان عليْ فعلاً أن أقوم بشيء”، هكذا كانت تخبرني….تذكرني كلما شعرت بخوفٍ إتجاهها، وتحاول أن تكمد دمعتها، تغسل بدموعها وجسدها روحي كما تغسل المكان كل يوم، كنتُ كل صباح أجلس على سريري أشاهدها وهي تغني، وهي تحكي لي القصص، وهي تخبرني بما تأمله بعد أن تخرج من السجن، سأحضن بنتيْ حضناً شديداً؛ يجب أن أراهن….تتوقف عن التنظيف وتعود لتبكي، كانت تشاهدهما في يوم واحد من الأسبوع، ذلك اليوم الذي كان مسموحاً فيه بالزيارة للسجينات، لم يكن العدد كثيراً…أقصد عدد الزوار، بعضهنّ لم يكن يأتي إليْهنّ أحد من عائلاتهنّ، كنّا وصمة عار، بعضهنّ تأتي أمها وأبوها وهذا في الغالب، كان يوم الزيارة هو يوم الحصول على الجديد بالنسبة للسجينات….لكن حتى في هذه، ليس كلهنّ، من هم مثلي أنا ومرام….كنّ ممنوعات من الزيارة، كنّ نتفرج عن الساحة الخارجية للسجن، السجن مليء بالناس، بالسجينات تتحضنّ أمهاتهن أو أبنائهن أو صديقاتهنّ، بهنّ يتحدثن لوقتٍ طويل مع ذويهنّ مليئات بالفرح والهدايا، كنّ أنا ومرام نشاهد شيئيْن مختلفيْن، كنتُ أنا أشاهد بنات صفاء وهنّ في حضنِ أمهنّ، كانت هي تشاهد حبيباً لم يتخلى عن حبيبته قامت إحدى الحارسات بتهربيه إلى الداخل ليشبع تقبيلاً فيها في إحدى الزوايا، وتلمسُ نفسها من خلف القضبان متأوهة؛ كانت مرام فتاةً غريبة الأطوار؛ لم تستحِ منّي أبداً في ما يخص هذه العادات التي تجد لها طريقاً في كل أوقات الزيارة عندما تختفي صفاء وخيرية من الغرفة، كنتُ أشعر بأنها لم تكن تعاني من المعاناة التي أعانيها في البُعد عن عائلتي في ذلك اليوم. كانت تجيب على تساؤلاتي إتجاه تصرفاتها الغريبة وتجاهلها لوجودها هنا ” نحن يا حبيبتي في السجن… سواءً هنا سواءً في المنزل” وتضيف ” إنني أشعر بالشوق لأمي نعم، لكن لا أملك شوقاً لأحد خصيصاً أخي الثائر المغوار” تسبه لأنها حُبست هنا لأجله، تشكره أحياناً…كنت دائماً ما أظنها مجنونةً أو مخبولة، لابد أن للحكايات التي تختلقها تأثيراً على عقل الإنسان…كنتُ أقول، لكنني أتذكر دائماً أنها كانت لطيفة، مغناجة وحبّوبة.

حاولتُ دائماً أن أتشبث بهنّ جميعاً، بنقاء صفاء وروحها الأمومية، بقصص خيرية وخشونتها ونصائحها باتجاه الحياة في السجن، بلا مبالاة ولا اكتراث مرام حتى لا أفقد قوتي وشجاعتي، لقد تمكنتُ فعلاً خصوصاً بعد أن تعودت على المكان أن أتشبث، البكائيات في كل ساعة أصبحت في كل يوم صارت في كل يومٍ زيارة؛ كانت الأخبار تتسرب إلى السجن، كل شيء صحبتها يتسربُ، وجدت أمي وأبي طريقة للوصول إليْ عن طريق إحدى السجينات التي تعرفها خيرية يبعثن لي مع عائلتها حاجياتي التي يتم تفتيشها جيداً في البداية حتى وجدتُ كيف أمررها بعيداً عن التفتيش بعد أن أخبرتُ السجينة بأنني أرغب في إرسال رسالة لهم، أخذت الأوراق والقلم من مرام التي وجدت طريقتها في تسريب الأشياء المحببة لها إلى المكان، كانت تعشق تلك المذكرات التي تمررهن إلى السجينات ليكتبن لها رسائل الحب لها ويضعن القلوب كأنّها لازالت مراهقة، كتبت لهم ” أبي وأمي… أنا هنا بالفعل، أشعرُ بالخوف، أشتاقُ لكما، أحبكما… لازلت حية” وأستمر في كتابة حالي في السجن والفتيات التي أعرفهن حتى أنسى نفسي وأجد الورقة تشارف على الإنتهاء، أري الورقة لمرام أبحث عن رأيها، تنظر مبتسمة ” جميل…عليكِ فقط أن تضعِي الهمزة هنا والقلب هناك” وتبحث عن الأخطاء اللغوية أو الجمل غير المتناسقة مع العاطفة في الورقة، أشعر بشيء من الغرابة إتجاهها، أحتضنها، أمرر الورقة إلى خيرية، تمررها إلى السجينة، تمررها إلى يديْ والديْها وأنا أشاهدها عن طريق النافذة، يمرر والداها جسدهما في السيارة…. أشعر بالإرتياح!

كنا نمتلك بعضاً من الفسحة في كل يوم، نخرج من زنازننا للعنبر، تندفع الفتيات والنساء ضاحكات وقد احتلت كل منهنّ بحلة الصباح مرتديات فساتينهن الرخيصة الموردة بالبنفسج، الورد الأحمر وجميع أنواع وألوان الوردِ والزهور التي كانت تزين كل فستان وكل واحدة، بعضهنّ قمن بوضعِ التستمال بتلك الطريقة الليبية المتحزمة لبدءِ اليوم، لكل منهنّ عقدة على التسمال، لكل منهنّ طريقة في ارتداءه أو رغبة عدم ارتداءه البتّة؛ تقبل كل واحدة رفيقتها بين الخديْن، تضع كل واحدة وجنتها على وجنة الأخرى وتتمسكن بشفافهن بالقرب من الخد لا يمسسنه ولكن الصوت يصل إلى الأذن بسهولة، ترددن التحيات أثناء التقبيل لتنقلب إلى الوجنة الأخرى ” كيف حالكِ اليوم؟” ثم قبلة، ” جيدة وأنتِ؟” ثم قبلة؛ هكذا تتكرر العملية لمرة أو مرتيْن، ثم تنطلق كل واحدة منهنّ لرفيقة أخرى؛ بعضهنّ كنّ يقبلن جميع من في العنبر؛ العملية كانت تستغرق عشر دقائق لتنتهي كل واحدة من تحية الجميع، بعد أن ننهي تلك التحية نخرج قليلاً للتفسح في الساحة، أنا ومرام كنّ لا نخرج كثيراً، كنت أُحجز عقاباً أحياناً كما كانت هي تُحجز أحياناً، غالباً ما تكون العملية بعد عمليات التعذيب التي لا جدول لها، المرعب فيها أنها كانت لا جدول لها، قد يمضي أيام وأسابيع حتى تعتقدين أنّ الأمر لم يعد يعنيهم وأنّهم قد تناسوا جسدكِ الملووح في الزنزانة ثم فجأة يدخلن لأجلكِ، غير ذلك كن نستمتع بأوقاتننا في الساحة حيث الأحاديث النسائية التي لا تمل، جلسات النميمة المعروفة، جلسات الضحك وجلسات الحديث المتبدل عن كل شيء، هل سمعتِ بجنينة؟ لقد خرجت، آه جنينة التي كانت تجلس وحيدة هناك في تلك الزاوية، – المشهد: إحداهن تختبئ مع صديقتها في إحدى الزوايا لتجربة أحمر الشفاه- هل تعرفينها؟ الفتاة المريضة، – المشهد: مجموعة ينظرن إلى مجموعة أخرى مسترقات النظرات كأنهنّ يتناولن إحدى الجالسات في المكان- المسكينة! هل تذكرتها؟ نعم إنها هي… ويستمر الحديث والقص والحكيْ والدخول في ألف ألف قصة وشخصية أخرى كانت بدايتها جنينة المسكينة، كانت الأحاديث مليئة براوئحهن الطبيعية في أغلبهن اللاتي اخترعن طرقاً لسدِ نقص المكياج أو الروائح ومعدات عنايتهن الشخصية التي قد تضطرهن أحياناً لطلب الفُوَط، متجملات بماءِ الورد والليمون، الياسمين، العنبر والمسك بدلاً من الروائح، كان المكياج من أندرِ الأشياء التي قد تجدها في السجن، أحياناً كان إمتلاك أحمر شفاه في السجن يعد مخاطرةً من قبل إحداهنّ، لا يمكن أن تجدهن يضعن مكياجاً واضحاً وملفتاً للإنتباه أمام الحارسات صاحبات المزاج الذي يتغير مع مواعيد خوضهنّ في متاعب أنوثتهن، ولكن كما قلت…كنّا جميعاً نتحصل على بعضِ الفرص للفرار من وحشة السجن، الأحاديث الليلية المخفية، أوقات الراحة وما تبقى. أين كنت؟ نعم، هذا يا حنّة….يا منّة.

ث

عزيزتي،

سأحكي لكِ هذه القصة التي حدثت معي عند طفولتي، كنتُ دائماً أخاف من أشاركها مع أحد، كان الحيْ الذي أقطنه مليء بغرباء الأطوار، كان أحد هؤلاءِ الغريبين رجل في الأربعينيات يمرُ بزنقتنا كل يوم، كان لنا تلك البهجة لنا أن نخرج خارج القفص الإسمنتي لنرى الزنقة، الشارع، التراب، الهواء المنعش، شجرة التوت، النخيل، الفتيان وهم يلعبون ألعابهم، ونحن نتلهف لنلعب النقّيزة وآمبي شلامبي ونغني في هجاءِ سينان الوسخ والحفيان، كنّا نلبس تنّوراتِنا وأقمصتنا، نبتهج بالقرينات التي تضعها لنا أمهاتنا وهنّ سعيدات بإنجازهن، لطالما كنتُ من ذلك النوع من الفتيات اللائي يكرهن القرينات، كنت بمجرد أن أخرج من المنزل للعب مع بنات خالتي أنزع الفيونكا وأطلق شعري للعب صحبتِي، كان ذلك الرجل يمر… كان ينظر إليْنا بنظرات غريبة، يجلس في الزنقة مدخناً سجائره دائماً سواءً في الضحى، القيلولة والعشية، كان يمكنكِ دائماً أن تريْنه، في أحدِ الأيام كنتُ ألعب مع إحدى بنات خالاتِي، دخلت ابنة خالتي للبيت تجلب لنا الكعك، وكنتُ أنا أحمل الحجر لأقذفه في المربع الأخير، وجدته أمامي…. ابتسم، كنت وقتها في الثانية عشرة ربما، أعتقد ذلك لأنني حسب ما أذكر كنتُ لازلتُ أحمل داخلي كرهاً خاصاً وحقداً على حذائي الذي اشتريته قبل عام ولم تشترِ لي أمي غيره، كنتُ أمر في مرحلة عسرة من حياتي، أشيائي داخلي بدأت تتغير، أنتِ تعلمين… أن تعيشي في الشعبية، في التسعينات ليس بالشيء المترف خصوصاً في حقبةِ الحصار، قال لي: حذاء جميل الذي ترتدينه، ما رأيكِ أن أشتري لك أحسن منه؟ كان وجهه الغريب، به شيء خفيْ لم يكن يمكنني لأتبينه، وجدته يمسك بيدي ويأخذني إلى الأزقة الخفية في الحيْ، دخلنا داراً صغيرة، منزل عبارة عن غرفة صغيرة وحمام وطاولة وضعت عليها أغراض الأكل ومغسل للأيدي ودواليب قديمة بجانبه، كان في الغرفة سرير….سرير فردي يكاد يلتهم نصف المساحة خاصتها، مشينا لمسافة جيدة أمسك بيده مخذرة فيه لا أفكر إلا في الحذاء الجميل الجديد حتى وصلنا إلى ما سماه مصنع الأحذية خاصته، دخلنا… ورأيت ما لا يمكنكِ حسبانه، أغلق باب الدار، سمعتُ الطرقات، ونزع عنّي ملابسي ملاطفاً….كنتُ مخذرة، كان يقول لي ” لا يمكن أن تدخلي بها لرؤية الحذاء”، فعلاً كنتُ كذلك لا أشعر بأي شيء جديد يحدث، قبل حلمتيْ الطفوليتيْن، ثم قبلني….ثمّ، ثمّ… وضع إصبعه هناك، في ذلك المكان، حيث تعلمين… حيث رأيتيني أضع يدي في الزنزانة؛ الغريب أنني استلذذتُ الأمر بعد تلك الحادثة، شعرتُ….ولأول مرة أنني رزقتُ بحذاءٍ جديد حقاً، لم يعري جسده كاملاً، أخرج ذلك الشيء… وقال لي ضعي يدكِ عليه، وضعتها، شعرتُ بحرارته، بتهيجه، بتصلبه، شعرتُ بشيء من اللذة تناديني فيه…. بينما كان يضع أصابعه في أماكني الخاصة، ثم انتهى كل شيء، خرج منه سائل أبيض من مجرد لمسي له مع غثاء في صوته، تركني أذهب وأعطاني ديناراً لأشتري الحلوى، نظرت له ناظرةً ” والحذاء؟” بينما كان ينام هناك في سلام دون أن يكترث لوجودي.

أخبرتكِ أنّك فراشة، لهذا يا صديقتي… لهذا، تغتالين بسهولة.

ي

استيقظت، كان الألم مبرحاً لأقول الحقيقة، لم استيقظ من الوجع منذ مدة حتى أنني نسيتُ حقاً ماذا يعني أن تستيقظ ورأسك يكاد يضعه الطين المكسو به وسط حقيقة بردٍ ما ينخره، ينخر عظامك الطينية وينخر كل تلك الأحلام التي كنتَ تعتقد بأنها حقيقةً وتمنيت أن تبقى ولو قليلاً لتؤنسك، ذلك الشعور الرهيب بأن عقلك يعيش في أرض لا تعيش فيها، في الجبال بعيداً عن الصحراء وحرارتها وهوجائها، أن أحد ما يحاول أن يبني عمارةً جديدةً له فيه فيدق مساميراً في عقلك لا تتوقف، ذلك الوجع الذي أتحدث عنه؛ لم أشعر به منذ مدة، منذ آخر خريفٍ عشته ربما؛ سقطت الأوراق أمامي، كما سقط حاجبيْ على عيني يطبقان ببطء على نشاط الخيال الذي تحاول أن تكبحه  ولا يتوقف من الهيجان؛ الخريف…ذلك الفصل، صدقني…إنّه رهيب؛ عندما ينتهي فقط تشعر بالبرد؛ لا أقصد برد الجسد….بل برد الروح، العقل، النفس والقلب؛ ذلك البرد الذي يحجبك عن ما يدور حولك،  ويعريك تماماً من كامل أوراقك، إنّ القدر منيّك…إنه ضبط روحك وكل ما فيك بالفصول الأربعة؛ ضبط حياتك كلها على هذه الخريطة حتى أنّك كنتَ تفكر…متى، متى سينتهي التاجر من أحلامه وقصصه التي ظل لتسعةِ أشهرٍ يحكيها لك  وتزداد جموحاً معه وتزداد هياجناً وإحساساً بالعظمة التي وصفها لك؛ لقد رأيت نفسك أفضل من الجميع لا تنكر ذلك، أفضل منه أحياناً…لا تكذب، أنت صريح، أنا معك صريح، أنت عظيم، أنا معك مخلد، أنت أفضلهم، أنا سأنبئك بأخبارهم أجمعين وستكون من الرابحين….صدقني، وصدقته، وعشت الأحلام، عشت صحبة أشرف ومؤخرة المدام حياة وسخرت كثيراً من الكيفية التي يمكن عن طريقها بالإمكان لرجل أن يطلق النار في كس الحياة، عشتَ صحبة داوود وأعجبك كثيراً ذلك الجنون الذي انتهى إليْه، عشتَ مع بلال وأرهبك ما تحول إليه، عشتَ مع كمال وشعرت باللذة عندما انجرّ الموسى على عنقه، عشتَ مع نجيب واحتقرت كل بذرة فيه، جنسيته، الإنتقام، عنصريته، ربوبيته، انتهاكه لعرضِ القبيلة بعدما أنعمت عليه هو الغريب، عشتَ مع مسعود وشعرت بحقارتك أنت، سفالتك أنت، سؤمكَ أنت كليبي، لا تقل لي لم تشعر بذلك؛ ومع ذلك تناسيت أنه في كل مرة يغذيك، يتغذى منك، في كل مرة يمليك، يمتلئ منك، أقول تناسيت لأنك تعلم منذ البداية أنه كذلك لكنك قلت: هاه؟! ما المخاطرة، لا وجود لذلك، ثم ما أسوء ما يمكن أن يحدث؟ قلت لنفسك، أنا لم أعد أعرف أنني أحلم أو أعيش الحقيقة حقاً، أضفتَ، لا تقل لي لم تفعل ذلك، إنني أعرفك…لقد فعلت أيها الأحمق، وهذا هو أسوء ما يمكن أن يحدث، أنت تستيقظ دون أن تدري هل ما تمر به حقيقةً أم خيالاً، ما رأيك الآن؟ أيهما الحقيقة؟ الألم الذي تشعر به في رأسك الآن؟ المسمار يدق، يدق، ويدق، صوته يدق، الحديد الذي يتألف منه يدق، الوخز الذي في رأسه، يدق، البرودة التي تلفه تدق؛ إنّ ألم رأسك لا يحتمل، تستيقظ…هكذا، استيقظتُ هكذا في غرفةٍ لا أعلم ما الذي جاء بي إلى حيطانها، كان ضوءُ الشمسِ يخترق بخفوت شمس الشتاء في عينيْ، وكان السرير الذي أنام عليه يحاول أن يضيف ألماً جسدياً جديداً في كتفي، أن ” يطيحلك لحمة” كما كانت تقول أمي، أحاول أن أتعرف على المكان من الألم؛ أمد يدي أتلمس السرير لأعرف أنه ليس لي، أتحسس الغطاء والوسادة وكمية الضوء ومصدرها، أبحث بناظريْ المكان، لم يلفت نظري وأنا أحاول أن أتخلص من ألمِ رأسي سوى الحوائط التي كانت مصنوعةً من الخشب ورائحة كانت جديدة على أنفي كانت عبارة عن خليط بين اللوح، الهواء المعتق داخل البيت دون أن يجد له مخرجاً، ورائحة الأثاث التي تحتاج للهواء أن يخرج لتتنفس الهواء النظيف مجدداً، حاولت أن أتلمس الطريق للخروج، تفقدتُ مكان الباب، وخرجتُ من الغرفة أبحث في الطريق بيد، أتحسس ألم رأسي بيدٍ أخرى أبحث ممرراً رأسي الباكي بين الغرف، متفحصاً ما بداخل كل منها، كانت إحداهنّ عبارة عن غرفةٍ أخرى فارغة بها سلتة في إحدى الزوايا على أرضيتها الخشبيةِ المليئة بالغبار، في الغرفة الأخرى التي دفعتُ بابها المغلق كان الحمام، ثم في نهاية الممر اللوحي المزعج كانت صالة في مساحة  البوعة مستلقياً مرتيْن فيه مستلقياً أربع مرات مفصولةً إلى جلسة ومطبخ عن طريق بارٍ لوحيْ من الماهوجني بلونه البني الغامق، بحثتُ عن الباب في المكان حتى وجدته وركضتُ أفتحه، لكن وكما كنت أخشى فقد كان مقفلاً، ابتسمت وضحكتُ من نفسي، حاولت واقفاً أمامه أن أسترجع ما حدث وتذكرت آخر ما حدث، كنتُ أنا وهو نجلس مشاهديْن للشمسِ الخريفية الدافئة تسقطُ على أشجار العنب والسرو والتوت والكرم والياسمين والصنوبر مسلطةً بلونها الأحمر بهجتها، كنتُ أنصتُ له وهو يحدثني عن ما حدث للطلياني، آه ذلك اللعين…نال ما يستحق، ثم اختفى كل شيء…. آخر ما رأيته، كان يلقي بنظرة إتجاه جسدي الملووح أمامه بابتسامة لم أرى مثلها أبداً، كان يبتسمُ….يفرج عن أسنانه الأمامية الصفراء، يخفي ضوء الشمس سحنته تماماً ويجعله كظل، هل كان ظلاً؟ أين هو؟ بالأحرى، أين أنا؟ وتذكرت أيضاً ذلك البيت الذي كنا نجلس أمامه، الذي أغرتني نفسي أن أعيش فيه للأبد، لا أعرف تماماً لماذا تخيلتُ دائماً أن بيتي المثالي سيكون بيتاً كهذا بالضبط، أمريكياً تطل عليه هذه الطلة بالضبط، اندهشتُ من رؤيته، إذاً هل أنا داخله؟ بحثت في المكان، كان مجهزاً تماماً، كل شيء فيه، ثلاجتان إحداهما كبيرة مليئة بالطعام، بكل ما أحب، ثلاجة أخرى بها زجاجات كحول وعلب سجائر وحتى العشبة التي يستطعم منها التاجر دائماً، كيس به كوكايين وآخر مجموعة من الحبوب، إبر وقنانٍ صغيرة بها سوائل كأنها أدوية، كان مثالياً…. أخبرتُ نفسي ضاحكاً ” ، يبدو أنّ الكثير من الأمور قد تطورت فيما يخص حقوق المخطوفين، حسناً… إن كان قد خطفني فإنني أدعو الله أن أبقى مخطوفاً طيلة العمر، لقد وجدتُ الجنة” كان كل شيء موضوعاً لي بالضبط حيث أريده، إنّه يعلم عني أكثر ما أعلم أنا، جلستُ أحتسي كوباً من الماء على الأريكة أحاول أن أفكر فيما يحدث، أحادث نفسي وأراجع كل ذكرياتي التي تبقت قبل أن يأتيني هذا الصداع الرهيب، وأطمئن أن جميعها في مكانها، حيث وضعتها، حينها لفتت نظري رسالة موضوعة على الطاولة لم أشعر بوجودها فوق المجلات التي يعتليها تمثال لسلحفاة صغير كأنه يحميها من أن لا تهرب وأن لا تطير إلى الخيال، أمسكت التمثال وتفرجت عليه، كان مفصولاً إلى جزئين، جزء علوي متحرك حيث صدفة السلحفاة متصل بالجزء السفلي في الذيل وجزء سفلي به بقية جسد السلحفاة الذي يشبه منفضة السجائر، كان التمثال نحاسي اللون؛ وضعته جانباً ثم أخذت الورقة التي تحته لألحظ أنها كتبت بخطِ يده الذي تعرفتُ عليه، قرأت باهتمام:

عزيزي،

أيها الرائع، أيها الكاتب العظيم، لا تخش….لم أقم بخطفك إن كان هذا ما تفكر فيه، أعتذر حقاً على الإزعاج؛ أنت زابط الوضع يا حبيبي، الدنيا منيْكة ولازم تنيك لقطة باش ولاد القحبة ما يزبطوش شن إدير فهمتا كيف؟ الواحد لازم ديما يخلي الحس الأمن عالي، لذا كان عليْ أن أفعل ما فعلته، ما فعلته كان مصلحة لك صدقني، ستشكرني لأنني لم أخطفك، ولكن… باش نخليك مستريْح من الناحية هذي خلي نشرحلك إني نخطفك مش مشروعي وآخر اهتماماتي، أنا صريح يا سيدي الكاتب لأنك أنت صريح، لذا دعني أقول أنني لم أخطفك وأنه عليك أن تصدقني حقاً فيما يخص هذا الأمر، فأنتَ من أنتَ، الكاتب التاجوري الذي قطن حيْ التوت فجأة دون سابق إنذار يبحث عن القصص وما يمكن أن يُروى ولا يتذكر حتى اسمه أو حياته القديمة سواء أنه قتل أخاه أو أنّ أخاه قتله، يا سيدي إن لم تكن مقطوعاً من شجرة، فأنت فرع قد سقط من شجرةٍ تريد أن تنتقم منه، يعني إن كان لك عائلة ستكون أول الفرحين بأنّك خطفت هذا إذا لم تطالب الخاطف أن يقتله ويريحهم منه ومن ما فعله، لا يأتِ تاجوري إلى حي التوت هكذا إلا راحة من شيء يطارده في تاجوراء، من جحيم يحاول أن يقتله وهو هارب منه ولا يستطيع أن يذهب أكثر من حي التوت لأنه بلا شيء، بلا هوية، بلا حياة، بلا شيء يربطه بالأمل، ثم إنّك كاتب يا صديقي…مع احترامي القدير لك، أنت تعلم أنني معجب بك، وأنني أراك عظيماً، أنت كاتب… من سيدفع لي المصاريف؟ قراءك؟ هاهاهاهاهاهاهاهاهاهااها الزّب!! أما اللي بيدفعولي وزارة الردافة والمجتمع المتدني؟ هاهاهاهاهاهاهاها آه يا دولة، مافيش حد حيدفع يا سيدي الكاتب…مافيش صدقني، لن تجد أحد سيخرجك من الجحيم وستموت متعفناً كالأمريكي دون أن أستفيد بأي شيء منك، وسأندم كثيراً عن المال الذي ضيعته في تغذيتك حتى لا تموت، وكل الجهد والوقت الذي وضعته فيك، وأنت كما تعلم، لا أحب الندم؛ لقد نسيته… إنّ آخر همومي هو أن أندم على شيءٍ أفعله لأنّه أقسى همومي، لذا إطمئن يا سيدي الكاتب، إطئمن…ثم انظر حولك، كل شيء متوفر والحمد لله….بحبح هيْ! هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها؛ توا ركز معاي… بعد ما عرفت إني ما خطفتكش، خلي نقولك علاش أنت هني؛ أنت هني باش تكتب!! هاهاهاهاهاهاها هكي بالبساطة هي، اكتب يا راجل وفرهد علي روحك ياسرك من الحياة القحبة والبشرية المنيكة، اكتب الزب وخليني نعرف شن آخرتها معاك لأنك نكتلي خط في دماغي، كل شيء متوفر… وسأسعى إلى توفيره، خوذ راحتك وما ادور شيء كله حسابه علي، قصدي علي مسعود الطلياني هاهاهاهاهاهاهاهاها، المهم… بس أحتاج لأن أتحداك قليلاً، القصة التالية هي: قصة فتاة، ستجد في البيت بعض المواد التي قد تساعدك على كتابة قصتها هاهاهاهاهاهاهاهاها، حسناً… خوذ الوقت كله هاهاهاهاهاهاهاها إن أعجبتني سأبعث لك بهدية خاصة وإن لم تعجبني، لا تريد حقاً أن تعرف ما سأفعل هاهاهاهاهاهاها. “

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s