لماذا لا أكتب؟


لم أفكر يوماً أن أكتب أي شيء عن الكتابة، لم أجد الأمر مجدياً… أقصد من الناحية المنطقية، الكثيرون تحدثوا عن الكتابة، الكتّاب جميعاً تحدثوا عن عشقهم للكتابة منذ طفولتهم وأنهم دائماً ما عرفوا أن الأمر سينتهي بهم ككتاب، أنا لم أفعل… أبداً،  لذلك شعرتُ دائماً بأنني دخيل أو متطفل.

شغفي بالكتابة هو شغف جديد، كأعمى يكتشف لأول مرة أنه يستطيع الرؤية يجد نفسه مشدوهاً أمام كل شيء أمامه، ولا يصدق أبداً أنه أخيراً استطاع أن يرى، فيبحث عن شيء واحد يجعله يعود إلى مشاهدة الظلام وحده لكن لا يجده، إنّه يرى….نعم، إنه يفعل ذلك ولا شيء غير ذلك ويبقى طول ما تبقى من هذه الفرصة فاتحاً عينيه لا يغلقهما حتى للنوم، لا يريد تفويت أي شيء…. يخاف أن يعود للظلام؛ هذا ما يحدث لي دائماً، أبحث عن شيء واحد فقط يجعلني أخرج من هذا الشعور المذهل، هذا الأمر المرهق، هذا العالم الرائع والمروّع الذي أنا فيه، وأكاد أخبرك أنني دائماً ما وجدت أسباباً…خصوصاً عندما تضع قلمك على الورقة وتخرج لتشعل سيجارتك أمام منظر دبابة، أربعطاش ونص أو حتى أحد عشاق الترامادول وهو يحاول خلق مشهد درامي في شارع رئيسي، كل ذلك وغيره يجعلك تقسم أنّك لا تريد أن تكتب مرة أخرى، لا تريد أن تمارس أي وجه من وجوه الحياة غير التدخين، القهوة والغوص في دوامة متكررة من التفاهات التي تعتادها مع كل دقيقة تمر عليك.

عندما أفكر في كتابي المفضلين: مصطفى المنفلوطي، نجيب محفوظ، جورج أورويل، إرنست هيمنجواي، كامل المقهور، أنطوان تشيخوف ومحمد طمليه أجد نفسي واقفاً أمامهم دون درع، دون قلم، دون أي شيء… هؤلاء رجال وجدوا الجو الملائم لهم ليكتبوا، إنهم غرقوا في حياة الكاتب المليئة بالأجواء الثقافية، الرومانسية، الدقيقة، الفنية، الفكرية وما تبقى؛ أما أنا فلا شبه بيني وبينهم…. أسلوب حياتي شبيه بأسلوب حياة الذباب ولا حاجة لي لأن أشرح كيف تعيش الذبابة. هذا سبب آخر يجعلني بشدة أسأل: لماذا لا أكتب؟!

ثم أنني أكاد لا أكون قارئاً حقاً، إنني قد أكون قرأت عدداً من الكتب أقل بكثير من ما قد قرأه أحد قرائي المتابعين لي، هذا العام فقط لم أقرأ ربما أكثر من خمسة عشر كتاباً، نعم عند تعرفي على البهجة التي تعطيها القراءة قرأت العديد من الكتب، كنت ألتهمها لمدار ثلاث سنوات إلتهاماً حتى توقف ذلك الشغف فجأة هكذا! هذا أمر آخر يجعلني أفكر في كوني كاتب حقاً، أعني…. على الكاتب دائماً أن يكون قارئاً نهماً، هذه القاعدة التي لا شواذ فيها التي تجعلني أسأل حقيقةً: لماذا لا أكتب؟

لكنني أعلم دائماً: ضعني في قفص وسأكتب.

في حقيقة الأمر هناك مقولة تداعب عقلي بين الفينة والأخرى هي: كل ما قد يُقال قد قيل من قبل. هذه المقولة تجعلني أتوقف بشدة عن الكتابة، تجعلني أتوقف حتى عن اختراع الحكايات، لا شيء أبداً عندما أتفكرها يحدث، وهناك جزء داخلي يؤمن بها إيماناً تاماً.

إنني من أولئك الذين لا يحبذون التجمعات الثقافية، لا أحبذ وجودي في أوساط أعلم أنني لا أنتمي إليها، لذا لا تراني إلا ندرةً بين أولئك الذين قد أشاركهم أفكاري وكتاباتي، لا تجدني إلا نادراً خارج المكان الذي أنشر فيه، أعلم أنّ للكتاب نوع من الإنعزالية يحبذون أن يغلفوا أنفسهم به، نعم أنا إنعزالي ولكنني إنعزالي فقط على أولئك الذين يقرأون، غالباً ما ستجدني صحبة أناس لا يمتون بصلة لهذا العالم الذي أكتب له، على الكاتب دائماً أن يبقي لنفسه مقدار معين من الاتصال بالعالم الذي قد يقرأ له، لكن أنا…. لا شيء، وفي كل يوم يمضي أجدني أبتعد مقدار ميل عنهم أجمعين ولا أجد روحاً حتى في أن تلتصق يدي بأيديهم؛ أشعر دائماً أنني ألطخ عنجهيتي وجذوري بهم من ما يجعلني أسأل: لماذا لا أكتب؟

من يعرفني جيداً، يعرف أنني لا أحبذ الحديث عن كتاباتي حقاً، هناك إنسان واحد فقط أشاركه ما أكتب دائماً وهواجسي عن الكتابة أما البقية فيكادون لا يعرفون شيئاً عن الذي أكتبه، ما الذي أكتبه، كيف ولماذا ومتى حتى!

هناك أمر آخر أحاول دائماً عدم الاعتراف به: التجاهل، التناسي، الركود والطبقة من الكبريت الذي تغطي الجو في هذا الوطن أمر يجعلني أشعر دائماً بأنني أريد أن أترك أقلامي، أوراقي وكتبي وأمزق وأحرق كل شيء، لماذا لا أكتب، أصيح في نفسي…. لماذا أكتب، أصيح في نفسي…. الحرقة التي تنتابك عندما تحاول الصراخ في الجموع ولا أحد يسمعك، يجعلك دائماً تفكر: لماذا لا أكتب؟

أعلم أن كل ذلك مجرد أسباب غير منطقية لأن يسأل أحدهم نفسه: لماذا لا أكتب؟ لماذا لا أغني؟ لماذا لا أبدع؟ لكن حاول فقط أن تتجمع كل هذه العوامل فيك مع الأجواء اليومية التي تعيشها مع محاولتك الدائم للمحافظة على توازنك النفسي كي لا تفقد أعصابك مع انهيار الوطن ومضي عمرك بسرعة أمامك دون أن تجد ما يكفي لتسد لقمتك، مع ألفِ ألفِ سبب اجتماعي، اقتصادي، سياسي، ثقافي، فكري، نفسي، جسدي، عقلي تضعك جميعها في الزاوية: عليك أن لا تتورط في الكتابة!

لكنني لطالما بحثت عن شيء أجيده أفضل من الكتابة، لم أجد أبداً ذلك الشيء رغم أنني أحد خريجي الهندسة الكهربائية – أحد أصعب التخصصات العلمية كما يزعم الكثيرون- ، كما أن لي معرفة جيداً بالترجمة، التصميم الجرافيكي، التسويق وغير ذلك من مهارات اكتسبتها؛ لكن لا شيء…. لا شيء من كل ذلك يجعلني أريد أن أترك الكتابة. هذه هي المعضلة التي دائماً ما كانت تواجهني: لماذا أريد أن أترك الكتابة؟

لأنني ببساطة:لا أريد أن أترك الكتابة، لا أريد أن أفعل أي شيء آخر سوى الكتابة، أن يمتلأ كل وقتي، كل جهدي، كل حياتي، كل عقلي، كل نفسي … كل شيء حولي بالأقلام، الأوراق، القصص، الروايات، الحكايات، الكلمات، الحروف، الجمل….إنني دائماً ما أبكي عندما أكتب، لأنني أعلم أنّ هذا هو الشيء الوحيد الذي أريد أن أفعله، هذا ما أريد أن أصحو عليه وأنام عليه، ما أريد أن أحلم به، أمارس الحب، التدخين، الضحك، القهوة، الصحبة، الحياة والوجود وهو بجانبي…. إن مسألة الكتابة بالنسبة لي هي مسألة وجود، مسألة أنني لا أرى أي جدوى لي غيرها، أنني لا أرى جدوى في أي شيء آخر غيرها، لكن العالم والظروف الحياتية هي التي تخبرني أن الذي أكتبه لن يقوم بإطعامي، سبب قوي جداً يجعلك تتوقف عن الكتابة، أسأل نفسي دائماً: لماذا لا أكون هكذا كاتب، ولا شيء آخر…. صدقني، عندما تكون ملتصقاً بالكتابة لهذه الدرجة، ستشعر بخيبة الأمل أنك لا تستطيع افتعالها كما تشاء وأن الحياة تجبرك أن لا تفتعلها كما تشاء.

لكن الحقيقة تقول أنني لم أشعر منذ طفولتي أن هذا ما أريد فعله، كنتُ دائماً ما أصحو على شيء أريد فعله ولم أفكر يوماً أن ينتهي بي الأمر ككاتب، لقد فكرت وأنا طفل في أن أصبح طياراً، مهندساً، طبيباً، محامياً، شرطياً، سائقاً للشاحنات، مزارعاً، عابداً متبتلاً، نبياً، رئيساً، وزيراً وأي شيء آخر سوى أن أكون كاتباً. حدث وأن أصبحت كاتباً فجأة، تفتح العالم أمامي فجأة وعرفت السر فجأة: أن تكون كاتباً يعني أن تكون كل ذلك وأن لا تكونه، وقد كتبت قصتي الأولى وأنا في العشرين من عمري، بعد ذلك عرفت أن هذا ما أريد فعله دائماً وأبداً: أن أصبح المنفلوطي، نجيب محفوظ، جورج أورويل والآخرين… أن أتعرف على مشاعرهم وهم يكتبون، أن أكتشف مشاعر أخرى وأنا أكتب؛ أن أترجم الإنسانية في حروف.

ما يجعلني أتناسى سؤال: لماذا لا أكتب؟ أمور كثيرة، أحدها وهو من أهمها أنني أركز في التفاصيل كاملة، لطالما كنت مدركاً لما هو حولي ولمن هم حولي، لحكاياتهم، لقصصهم، لشخصياتهم، لآمالهم، أحلامهم، ولما يفرحهم ويخيفهم، إنني أقرأ الناس بشراهة منذ طفولتي، أقرأ وجوههم، لحظات بؤسهم ولحظات علوهم، مشاعرهم وكلماتهم وما يفعلونه. كما أنّ وهذا هو الأمر المضحك، قد حظيت منذ طفولتي بمعرفة قصص حقيقية حدثت أمامي، فقد كنتُ شاهداً على عملية قتل وأنا في الثانية عشر، انتحار وأنا في العاشرة، اغتصاب وأنا في الثامنة ربما، حتى أن هناك شيء داخلي يقول لي أحياناً: كل ذلك لأجلك أنت، لتكتب عنه. عامل آخر، أعرفه جيداً وهو ببساطة : أنا عبقري…. شيء أعرفه تماماً، لطالما كنتُ أعرف أنني متميز عن أقراني وأنني أملك شيئاً لا يملكونه؛ ذاك الحس من الذكاء السمعي، التصويري والتحليلي الذي أصارعه يومياً.

لكن بين كل ذلك، فالأهم هو الآتي: أنني أعيش قصتي تماماً، بكامل مشاعر بطلها، بكامل مخاوفها، بكامل طموحاتها ومداركها وأفكارها، والذي يعرف القصص التي أكتبه يحق له أن يسأل: لماذا لم أفقد صوابي حتى الآن؟ لماذا لم أجن؟ سؤال لا أعرف إجابته، لأنني لا أخفي بأنّ مشاعر القتل، الاغتصاب، العظمة، الانحطاط، الخوف والرهبة كانت تراودني دائماً، تصبح كأنك ممسوس بالشخصية التي تكتب عنها ولا يمكنك أن ترتاح حتى تنهي القصة كاملة.

لماذا لا أكتب؟

لأنني لا أعرف حقاً ما الذي أفعله بهذه المشاعر، بهذه القصص، بهذه الشخصيات… بأنني عندما آخذ قسطاً من الراحة أشعر بضيق لا أشعر بمثله، أصبح إنسان آخر، متبلد، ميت وينتابه الفشل.

هذا هو الأمر مع الكتابة، أنها لم تعد مجرد هواية، شغف، بل أصبحت أكبر من ذلك بكثير، إنها أصبحت سوسة من جنون تنخر في عقلي ولا يمكن لي أبداً أن أتخلى عنها مهما حدث، على العكس، إن الذي قد يحدث سيجعلها ممتعةً بالنسبة لي أكثر: سأجد ما أحكي عنه! هذا كل همي، كل تفكيري دائماً: سأجد ما أكتب عنه، وجدت قصتي الجديدة! إن هذه الحادثة تصلح لرواية! ذاك يصلح شخصية في قصة، تلك تصلح لأن أكتب عن قصتها؛ أصبح كل شيء في حياتي يتعلق بها هي….وهي وحدها.
إذاً لماذا لا أكتب؟

لأنني إذا لم أكتب، سأموت.

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s