دمٌ أزرق- قصة


دمٌ أزرق

an-awesome-war

لم  تشترِ أمي أو أياً من أخواتي البخور يوماً، كنّا يستخدمنني لشراءِ كل ما يحتاجنْه: الخِضار، الفواكه، البقوليات، البسكويت، المنظفات المنزلية، الفوط النساية التي كان يضعها لي صاحب الدُكّان بحذاء شجرة السروْ في كيسٍ سوداء حتى لا يراها المارة، كنتُ أشتري كل شيء، أبدل عبوات المشروب الغازي الفارغة بعبوات مليئة بالسعادة والمراد البرتقالي والتِبر الأحمر، أحمل على رأسي سفرة الكعك والمقروض للخباز وأعود بها بعد أن تنضج للبيت.  ورغم أنني اكتسبت خبرة في معرفة الطماطم، البطاطا والفلفل الجيدة والسيئة منها إلاّ أنّ البصل والخضار الورقية كانت تفضح شروذي طيلة الطريق إلى الدكان، أشتري البصل “الأحول” المجفف بدلاً من البصل الأخضر الملبد بالتراب والرائحة التي تقسو عليك حتى تدمع، أشتري حبقاً بدلاً من الشبت وهكذا، عرفتُ دائماً أنني لم أكن المتسوق المناسب، إذ أنني كنت أحياناً أطوف بين البيت والدكان ثلاث وأربع مرات فقط لأنني نسيتُ شيئاً أو لأنني اشتريت شيئاً آخراً. والسبب في ذلك يعودُ بالطبع لكوني كما تخبر أمي أعاني من الشرود الذي لم أشعر يوماً بأنني أعاني منه بل أستمتع به.

وقبل أن أخرج من المنزل تكرر أمي ما تحتاجه، ترتدي فستانها الدافئ برائحة البخور والمسك والنعناع، وشعرها المبلل يلمع انعاكسه في طلاءِ البيت الذي لم تغادره رائحته:

  • ماذا ستشتري؟
  • سأعبئ القنينة بمشروب السعادة. أقول رافعاً القنينة الزجاجية المرسوم عليها شعار شركة بيبسي – كما أخبرني الأزرق باسمه في المغرب- بألوانه الاشتراكية الليبية ومكتوباً في وسط الشعار ” السعادة”.
  • ومناديل، وصفاءْ*، وبخور والتفاح. لا تنسى التفاح. تقول لي وهي تضع الدنانير في يدي.
  • حسناً، لن أنسى البخور. أقول عاداً الدنانير حاسباً في دماغي كم سيتبقى لي لأشتري الشكلاتة وعصير اليوقا*.

وبينما أغادر البيت تلاحقني لتعيد على مسمعي أسماء المشتريات مرة، اثنتيْن وثلاثة وتقول لي قبل أن يغيب جرمي عنها:

  • لا تسرح في الطريق، لا تفكر. تذكر ما ستشتريه.
  • حسناً. أففف… أقولها بصوتٍ خافت حتى لا تسمعها.

تلحقني إحدى أخواتي وتنادي عليْ:

  • هاك، اشترِ لي فوط. ثم تقبل خدي لتسحب الدم.
  • سأشتري بالباقي شكلاتة لي؟! أقول لها وأنا أمسح اللعاب الذي خلفته على خدي.
  • نعم، اشترِ لي معك.

في الطريق، أحاول استذكار ما سأشتريه، أسمي الحاجيات لكيْ ترسخ في رأسي، أقطع الزقاق الترابي الضيق الذي سماه الناس بشارع القاهرة، أحدق في جدران المنازل ونوافذها والملابس المنشورة على حبال الغسيل، تحاول الشمس أن تحض عيني على أن لا أنظر لما حرم الله، لكنني دائماً ما كنت أفكر في الحكايات التي تخبئها جدران المنازل وهل هي تشبه الحكايات التي خلف جدران منزلنا أم لا، أغني موسيقى مسلسلي الكرتوني المفضل ” روميو…صديقي، يحفظ عهد الأصدقاء”، أفكر في المدرسة، ساحة اللعب فيها، المدرسات، الأطفال والفتى الذي دائماً ما يجد الدينارات في ممراتها وفي الطرق الترابية فأرغم عيني لتتابعا الطريق لربما وجدت مثله ديناراً، صورة القائد وهو يرتاح برأسه على كفه مرتدياً الجرد الليبي مبتسماً، أتساءل دائماً عن الأحداث التي قد تحدث في حياتي، عندما أنعطف من الطريق أفكر في القطط التي قد تمر بي، أخاف القطط، الكلاب، البوم، الخفافيش وكل تلك الحيوانات التي تذكرني بالظلام كما أخاف الجن، أرتعد بشدة بمجرد لفظ الاسم، ” جِــ….ن” أوه…كم هو مخيف الاسم. تطرد شرودي رائحة البصل والثوم التي تصدر من عتبة شارع القاهرة، عمّال مصريون وأفارقة وبعض من الجنسيات الأخرى يفوق عددهم الخمسين رجلاً يقطنون حياً صغيراً داخل حينا، لطالما كانت أمي تحدثني بأن أخشى كل من لا يملك لساني، أدعو الله أن لا أجد أفريقياً يخرج من عتبات الباب الحديدي، أتنفس الصعداء بمجرد أن أغادر شارع القاهرة لأجد شجرة السروْ التي لم أعد ألمس أوراقها – لطالما كانت أوراق شجرة السرو بالنسبة لي مثيرة، أسحبها من منبتها فتتكمكم في قبضتي لأقطفها واحدة تلو الأخرى في الطريق…كهانسل وقرتل-، أقرأ المعوذتيْن عندما أمر بجانبها، ألاحظ أنها تمتد لتخفي الباب الحديدي الذي أصبحت نباتات الحشيش النجمي والتربة تتجمع حوله منذ تلك الحادثة. أمر إلى الدكان الأقرب لمنزلنا، ذلك الذي طليت أرضيته بالأزرق.

لم يكن الأزرق سوى مرّوكياً آخراً في حينا، جاء من بلاد المرّوك بحقيبة رياضية في يدٍ ومهارته في الطلاء في اليدِ الأخرى، قام بتأجير غرفة في شارع القاهرة، كانت غرفته هي الغرفة الوحيدة التي تطل على الطريق الترابيْ الذي كانت الحكومة تعد الأهالي بأنها سترصفه منذ السبعينيات المليئة بصداح بوب مارلي وناس الغيوان في آذان الشباب، تطل غرفته من الناحية الأخرى على غرفة لعمال أفارقة يعملون في البناء ويشغلون مساءهم بموسيقى يعزف بها أحدهم من طنجرة صغيرة قام بتثيب لوح خشبي في منتصف الفهوة ووصل سلكيْن معدنيين وأغلق جزأها المفتوح تتخلله فتحة، سقف غرفته من الصفيح وبها نافذة صغيرة مفتوحة على الزقاق الضيّق كان من المفترض أن تكون فتحة لمكيّف هواء، يشارك الحمام مع مجموعة من العمّال المصريين – كان لكل جنسية في شارع القاهرة حمامها المشترك الخاص ولأنه كان المرّوكي الوحيد فقد أخبره رب الشارع أنّه عليه أن يشارك المصريين في حمامهم-، كانت غرفته غير مطلية بأي لون، خرج في أول يوم يصل فيه ليطلي بالخارج اسمه ” الأزرق للطلاء…” ووضع رقم الهاتف الذي يشترك فيه جميع المستأجرين. كان المرّوكيون أفضل عباد الله في شيئيْن: الطلاء والحلاقة. لازلتُ أتذكر الشاب حسني الحلّاق الذي كان يخفف من حمل شعري على رأسي يقول لي:

  • أنت تستخدم الصفاء؟
  • نعم. هل هناك شامبو آخر؟
  • آه، بالطبع… في المغرب.

وأظل أحلم بأنواع الأشياء الموجودة في بلاد المرّوك ولا نجدها في بلاد القائد، يشغل الشاب حسني ناس الغيوان في المسجلة، يضع شريط الكاسيت ويسميني ” الدكتور الصغير” تيمناً بأبي، كان أبي جيداً في الحديث مع الأجنبيين على عكس والدتي التي كانت تخافهم جميعاً، لذا فقد كانوا يحبونه، حبهم له جعلهم يحبونني، يحكي لي الشاب حسني عن مراكش والرباط، تذهب مخيلتي صحبته هناك بتأثير الخذر الذي تضفيه أغاني ناس الغيوان ” وين غادي بيا خويا…وين غادي بيا؟”. كنت في السادسة، أعشق بلاد المرّوك بفضل الشاب حسني والأزرق، لم أحب حلاقة شعري بعد الشاب حسني، أما الأزرق…فلم أحب يوماً رائحة الطلاء بعده.

********

  • ابق قليلاً أخر. قال له.
  • أريد أن أنام. أجاب.
  • يمكنك أن تنام هنا، كما تعلم. أخبره واضعاً ساعده على رأسه يتحسس الصفاء في جبهته بينما يحك بساعده الآخر بقعة طلاء لصقت بصدره نصف العاري.
  • سأذهب. قال له وهو يحكم حزامه الجلدي المهترئ على سروال الجينز ويرتب بعد ذلك قميصه المتسع.
  • إلى أين؟. سأله، بدا هادئاً…كان الصفاء يشتعل بين أصابعه يشارف على الانتهاء، مرّغ رأسها في المنفضة.
  • حتى أنيك العالم. قال له وهو يضع سترته الصوفية.
  • يمكنك أن تنيكه هنا. وضحك.
  • تصبح على خير. قال ينفض شعره.

********

عرفتُ الأزرق منذ أن كان أجيراً لأبي يطلي جدران منزلنا، كان عرس أختي الكبرى قد اقترب موعده، أول مرة أراه فيها كان يطلي صحبة صديقه البيلّو جدران غرفتي بالدرّاق، حاول أنفي البحث عن رائحة الفاكهة لكن كل ما كان يشتمه هو الرائحة النافذة للطلاء تشبه رائحة طلاء الأظافر الذي تحاول أخواتي ملاحقتي لتجربته عليْ. أسأله بينما أراقب زميله الشبيه به وأمص الاسكيمو المثلج بلون الدرّاق:

  • لما تشبه رائحة طلاء غرفتي الطلاء؟
  • لأنه طلاء أيها الدكتور الصغير، كل الطلاء يشبه بعضه بعضاً. يقول ضاحكاً.
  • بعض الطلاء تشبه رائحته رائحة المنيْ، صدقني. يقول البيلّو.
  • ماهو المنيْ؟ أقول.
  • شجرة أيها الدكتور، عندما تكبر وتذهب للجامعة، ستعرفها. يقول الأزرق ناظراً بقسوة نحو البيلّو.

يقهقه البيلّو، كانا رغم اختلاف الطول بينهما، ورغم لون خديْ الأزرق الأحمريْن ولون خديْ البيلّو  القمحيين إلا أنه بهما تشابه غريب، كأن رائحتهما هي ذاتها، للبيلّو شاربٌ أسود يبدو فيه كأنه في التاسعة عشر وهو يناهز الثلاثين، قميصه المشبع بألوان الطيْف في دوائر متقاطعة يسعه هو ونصف رجلٍ آخر يختفي اتساعه داخل سرواله الجينز السمائي الباهت اللون، يرطن جيداً بالمرّوكية التي لم أكن أعرف منها سوى ” بالزّاف” و”نهدروا” و” ودياولوا” رغم سحنته الليبية. دخل أبي علينا يحمل نارجيلته ويجلس على كرسيْه ويدخن، نظر نحو صديق الأزرق فسأله:

  • أنت ليبي؟.
  • نعم أيها الطبيب. كيف عرفت؟ قال له البيلّو بعد أن غيّر لهجته من المرّوكية لليبية.
  • هناك شيء فينا نحن الليبيون، مهما حاولنا إخفاءه فيتضح، ضع العطور والملابس وتحدث بخلاف الليبيين وامشي بخلافهم لكن سيعرف الجميع أنك ليبي. لأنك تؤمن بداخلك أنك كذلك فتخرج رائحتك فاضحةً هويتك. يقول أبي وهو يدخن النرجيلة ليشاهد أجراءه الذين حرمته الثورة من اتخاذهم يطلون منزله.
  • كنتُ أعتقد أنه من مراكش. قلتُ له.
  • هل تعرف مراكش أيها الدكتور الصغير؟. يقول الأزرق.
  • نعم، زرتها مع الشاب حسني يوماً ما. قلت.
  • الشاب حسني أخذك لمراكش؟ يقول أبي وهو يضحك مني.
  • نعم عندما كان يحلق رأسي. قلت لأبي بثقة.
  • أنا من الحيْ المجاور أيها الدكتور الصغير. يقول البيلّو.
  • هل زرت المغرب؟ أريد زيارة المغرب حين أكبر. قلتُ له ونظرت لأبي مؤكداً له أنه سيأخذني يوماً لها.
  • لا أيها الدكتور الصغير ولكن المغرب زارتني. قال البيلّو وهو ينظر للأزرق مبتسماً.

كان لون وجهيهما يتحوّل للدرّاق. أمصّ ما تبقى من عصير الاسكيمو المثلج، أمسك بساعد أبي الذي ظلّ يحادثهما عن بلاد المرّوك التي زارها وعرف فيها أناساً مهمين وغير مهمين، أمد لساني له فيضحك ليربت على رأسي، أقول وأنا أراقبهما يطليان الغرفة:

  • يا أزرق…انظر للساني.
  • أوه، اعذرني أيها الدكتور الصغير.. لم أقصد أن ألطخك بالطلاء.

يتابع أبي الحديث عن المغرب، عن الأماكن التي سكنها فيها. لم أجد أبداً بلاداً لم يزرها، المغرب، تونس، تستور، الصعيد المصري، غابات النيجر، الصحراء، سوريا، التلفاز، وبلدان اليهود كما تقول أمي عن أراضي شمال البحر، عرفتُ عن أمي شيئاً واحداً ” كل من هو ليس مسلماً فهو يهودي”. أسأل أبي:

  • هل هناك يهود في المغرب؟
  • نعم هناك يهود في المغرب، ومسيحيون وكفار وصوفيون. يقول الأزرق معتقداً أن السؤال موجه له.

ولا أعرف كل أولئك غير المسلمين وغير اليهود الذين يحدثني عنهم، يكاد هو ورفقيه أن يشتركا في كل شيء، بعد ساعة أو ساعتيْن أحضر لهما غذاءهما، كانا يأكلا معاً، يشربا معاً، يدخنان معاً، ويضحكان معاً، توصيني أمي ” أن لا آكل معهم”، وعندما أحضر الغذاء يقول لي الأزرق:

  • هيا تغذى معنا.
  • لا أستطيع. أقول له. مفكراً أنّ أمي لا تراني الآن.
  • إذا أكلت معنا سأعلمك بعض الكلمات المغربية. قال الأزرق.
  • حقاً؟. قلت. ربما هكذا تعلم البيلّو اللغة المروكية، فقط بتناوله الطعام والشراب مع الأزرق، ربما لهذا لا تريدني أمي أن آكل مع الغرباء، حتى لا أستطيع التحدث مثلهم. أقول لنفسي.
  • نعم… أول كلمة ” بالزّاف” تعني ” هلبا”.
  • إنني أعرفها.
  • أوه حقاً؟
  • قلت لك أنني صديق الشاب حسني.
  • امممم… ما رأيك بكلمة “زينة”؟
  • زينة ونحول؟!
  • هاهاهاهاها لا.. زينة تعني جميلة وزين تعني جميل.
  • بل “زين” تعني جيداً، أمي تقولها لي ” اربط حذاءك زين”.
  • هذا في ليبيا، أما في المغرب فهي جميل.

********

تعبق الغرفة المدسوسة تحت شجرة السرو المزهرة والمطلة على أغاني الأفارقة ونكات المصريين وصمت الحيْ ليلاً الذي تخترقه البوم المتكئة على جذوع النخيل والقطط التي تبكي، تعبق بالدخان، الدخان الكثيف، الراقص، الذي يحمل رائحة الحناء أو زهرة لم أكتشفها بعد، يرتدي سترته الصوفية المطلية بالأبيض، الأحمر، الأصفر، الدرّاقي و….والأزرق، يترك الغرفة ودخانها الذي يلعب في ضوءِ مصباح التنجستن ويرقص على أنغام ناس الغيوان، يغلق الباب، يمر بجانب مجموعة من الأفارقة يعزفون الآلة ذات الوتريْن ويرطنون بلغتهم، يناديهم:

  • كلالهيا. كلالو.
  • السلامو آلايكم مدير. يقول أحد الأفارقة ويفضح مبتسماً عن أسنانه البيضاء الناصعة.

تمر بأنفه رائحة التربة المبلولة بمطر الخريف والثوم والبصل والفول المطبوخ، يمر بجانب الحمام، يجد أحد الأفارقة يتبول دون أن يغلق الباب خلفه، يخرج من المكان متغنياً في حضرة الليل الخريْفي المخادع المخفي قسوته المتلبدة خلف نجوم السماء الساطعة رغم لفحة البرودة الندية، يمشي في تداع يشبه الرقص، يدندن…يحاكيه صوتٌ داخله حالما يصل إلى باب بيته أنّ أمراً ما خفياً، غريباً ومريباً يُمارس عليه. أو هكذا ظن أو فكّر، يلج غرفته لينام، فيذهب النوم عنه ليحدق في سقف غرفته، عيناه مفتوحتان، لا يرفو له جفن، عقله يسافر به بعيداً، يتعكر صفاءه ويمشي في واقع غير واقعه وقصص غير قصصه وضحكات شخص ما يسكنه.

********

لاحقتهما من غرفة إلى غرفة، يضعان الألوان المختلفة في كل حجرة، الورديْ في غرفة أخواتي، الأزرق في الصالة، الأخضر في غرفة أخي، الأبيض في غرفة والديْ؛ مرّ بيتنا بحقبٍ عدة: حقبة وفاة نبي الله إبراهيم وإصراري على حضور جنازته، حقبة مطاردة الفئران في المخزن، حقبة الأزرق تلتها حقبة ما بعد الأزرق التي انهار فيها منزلنا لنبني بدلاً منه بيتاً آخراً لنمسح ماضيه قبل أن أقرر في أنه عليْ حقاً أن أبوح ببعض من أسرار الجدران التي لطالما تخيلت ما الذي يجري وراءها، أن أكون وعاءً تعبأ داخله الأحاديث والحكايات وما جرى، ما يجري وما قد يجري في العالم.

كان الأزرق يخوض في نقاشاته مع البيلّو عن السياسة، طباع الناس في بلاد المروك، الملك ومباريات كرة القدم وأنا أمصّ عصير الأسكيمو المثلج بكافة ألوانه المتاحة، أشاهد من زاوية عامليْ الطلاء ينتقلان من السقف إلى أرضية الجدار، تتلطخ ملابسهما بالمزيد من الألوان والنكهات، يرياني ألج ضحكهما ممسكاً بعلبة العصير المثلج، يقول لي الأزرق:

  • سيجمد هذا العصير دماغك أيها الدكتور الصغير.
  • حقاً؟
  • نعم، انظر للبيلّو…هو غبيٌ لأنه شرب في طفولته كماً كبيراً منه. يقول ناظراً لزميله.
  • ماهو الأسكيمو الذي كنت تشربه؟ وجهت سؤالي للبيلو.
  • الأسكيمو الأحمر، الأصفر، الأخضر…. ولكنني مصصت من الأزرق حتى فقدتُ عقلي. يقول.
  • الأزرق؟ لم أجد ذلك أبداً في الدكان.
  • يبيعونه في المغرب فقط. قال البيلّو.
  • كيف وأنت لم تزرها؟
  • جاء به الأزرق منها. قال.

يختفى وجهه برذاذ الطلاء الذي قذفه الأزرق على وجهه من فرشاته، يتلطخ أنفه، رموش عينيه، أظافره، سترته الصوفية الملونة، شاربه، ولسانه. يتحول حديثهما عن أشياء عدة بينما أراقبهما، يحاوران بعضهما البعض بعيداً عن قدرة أذنيْ لسماعهما، قاطعتهما لما كانا يهمسان لبعضهما البعض، الأزرق يوشوش بنظرة غاضبة لصديقه. قلت لهما:

  • هل ستطليان جدار المدرسة يوماً ما؟
  • قد نفعل ذلك أيها الدكتور الصغير. قال الأزرق مبتسماً.
  • إذا وجدتما دنانيراً على الأرض هل يمكنكما أن تعطياها لي؟
  • قد نفعل ذلك أيضاً. قال البيلّو.
  • لماذا تريد الدنانير المفقودة؟. سألني الأزرق.
  • لأنّ هناك فتىً يتباهى لي دائماً أنه يجد النقود في ممرات المدرسة. قلت.
  • ماذا ستفعل بها؟ قال الأزرق.
  • سأعطيك إياها لتشتري من الاسكيمو الأزرق. قلت.
  • هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها. خرجت قهقهة عالية من البيلّو حتى سقط من على سلّومه.
  • هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها. ضحكتُ عندما سقط من الأرض.
  • على العموم، أريد أن أطلي مدرستنا، لا أثق في البيلّو الذي قد يخفي الدنانير عني عندما يجدها في ممرات المدرسة. أقول.

نزل الأزرق من سلمه، ليعيد خلط الطلاء ببعضه البعض بينما جلس البيلّو يتألم ويشرب الشاي ويدخن السجائر.

  • عليك تعلم الطلاء أولاً. قال الأزرق وأعطاني الفرشاة.
  • لكن أمي ستعرف.
  • السيدة أمك لن تعرف ما دمت خبيراً بالطلاء.
  • لكنني سألطخ ملابسي.
  • يمكننا أن نخفي الطلاء بسائل الدلاوينتي.
  • يمكن للدلاوينتي أن يمحي ذنوب البشر كافة….آخخخ، ياليته يمحي هذا الألم لكن. يقول البيلّو.
  • يمحي ذنوب البشر كافة. رددت خلفه دون أن أدرك ما يعنيه.

أخذت الفرشاة، غطستها في الدلو، يلتصق السائل الدبق بها، ” دعها تفرغ الطلاء الزائد”، تعود بعض القطرات مصدرة أمواج صغيرة تمكنني بالكاد أن أرى انعكاسي فيها يتكسّر، إلى الأعلى…إلى الأسفل، أطلي الجدار القديم، أخبئ الذكريات التي حفظها ليترك مكاناً لذكريات جديدة، أصبغ…يصبغ الأزرق ويصبغ البيلو، تندلق اللحظات بين أكفنا، يغني الأزرق ما غناه الشابي حسني لي ذات مرة وهو يحصد شعري الذي حفظ تربيتات والدي والحكايات التي كانت تخطئ أذنيْ فلتصتق بالشعر، ” فين غادي بيا خويا…فين غادي بيا”، أحاول اللحاق به، أستجمع قاموسي الموسيقي، تنفذ رائحة الطلاء إلى أجزاء جسدي المخفية، تتناثر بقع على وجهي وشعري وأنفي ويدي وملابسي. أشعر بالسوء فأقول متذمراً:

  • لقد لطخت ملابسي.
  • أوه لا تخشى. خذ مزيداً من الطلاء إن كان الأمر كذلك. يقول الأزرق وهو ينثر من فوق سلومه الطلاء المتبقي في فرشاته لتمطر على ملابسي ووجهي.

********

يضع الكاسيت في المسجل، كان الضوء الأصفر المعلق على صفيح السقف يضيء بخفوت السرير والفراشيْن المفروشين على الأرض، مسجل القاريونس من انتاج الشركة العامة للاكترونات، جهاز التلفاز الصغير الذي يلتقط بالآنتينا إشارات قنوات إيطالية، ويمتد حتى يداعب بخفوتٍ أكثر رفيْن بجانب مرآة معلقة بمسمار دون إطاريضع على الرفين حاجياته الشخصية: قلادة تحمل في نهايتها ورقات ملفوفة ومحفوظة في صندوق ورقيْ اسطواني، مشط ليصافح شعره الكيرلي، كلونيا، موسى حلاقة، معجون رازار، فرشاة حلاقة ومضمضة. في الغرفةِ أيضاً خزانة ملابس من الصفيح، بجانبها حقيبته الرياضية وصندوق خشبيْ يضع داخله أشياءه الثمينة، مغلقٌ بقفلٍ نحاسيٍ يزن نصف كيلوغرام، تتمدد داخل الغرفة طاولة قصيرة موضوعة عليها منفضة سجائر وبراد شايْ وكؤوس، خلف بابها هناك مساحة صغيرة لمطبخ يتكون من صنبور مياه، غاز قديم ملبد باللون البني وأصباغ الطعام، طنجرة وبعض الأواني. يغني الرجل داخل الكاسيت بموسيقاه لتمتزج مع آلة الوتريْن في الخارج، ينهض هو من كسله مرتدياً سرواله فوق ملابسه الداخلية، يبزغ شعره الكثيف من صدره نصف العاري، يتحرك ناحية المنفضة، يعاين سيجارته التي بين يديه، يشعلها متنغماً ومتلذذا بها وبالموسيقى، يحك زبه وهو يتذكر لحظات قد مرت قبل وقتٍ قصير، ينهض مرة أخرى ليفتح صندوقه، يعد ماله. ” ما همّوني غير الرجال الي ضاعوا… لحيوط الي رابوا كلها يبني دار”،  يدخن من سيجارته التي تحترق من أجله بهدوء، تصحبه رائحتها إلى عالم آخر. ” ماهموني غير الصبيان مرضوا وجاعوا”. عندما يعود، سيغرس شجراً، سيبني جنة ولن يجوع مرة أخرى، سيطلي لأول مرة داره ولن يطلي دور غيره. سيشتغل في التجارة أو الزراعة وسيكون سيد نفسه. لا شركاء ولا أجراء.

كان الآخر، يحدق في السقف، يعاود شريط حياته. هناك خطأ ما، يدقق في المواقف، الكلمات المختفية خلف الكلمات، تَسْوَدُ عيناه أكثر. يسحبه فراشه إلى الأسفل، ينطبق السقف على صدره. يشعر بالاختناق.

********

” غير خوذوني…لله، غير خوذوني”.

تقول أمي أنّ المروكيين سحرة، يولدون هكذا. يغوون الناس بسحرهم، وكلماتهم وأعمال الشيطان. عندما علمت أمي أنّ مروكياً سيأتي لطلاء منزلنا أسرعت تفتش في كل دور البيت عن شعرها وملابسها وكل ما يحمل رائحة جسدها أو روائحنا وشعورنا أو أي شيء منا، أحرقت ما لاتحتاجه منه، أحرقت فضلات شعرنا جميعاً. دست ما تبقى في المخزن القديم ولم تسلم المفتاح لأحد، انتظرت حتى احترقت آخر جزيئات الكومة التي أعدتها ثم أجلستني على فخذيْها وظلت تقص عليْ كل القصص التي تعرفها عن السحرة.

 كان هناك ابن لحيّنا اختطفته ساحرة مرّوكية، قامت بتخليط شعره بقرن جدي وعشب قرضاب البحر ثم رقصت عارية حول الحجاب الذي صنعته بينما تدور في الغرفة التي يضاعجها فيها بالمال، مهللة بكلمات القرآن الكريم لكن معكوساً. ” دحأ هللاوه”. وتناجي أسيادها. في الصباح التالي وهو يرتدي سروال الجينز خاصته، سألها ” هل تتزوجيني؟!”. كان بذلك ابن الحي الوحيد الذي يتزوج امرأة خارج قريتنا، بل من خارج البلاد وتكبره سناً.

  • لكن يا أماه. مدرسة الدين تقول أنّ الرسول قد تزوج أجنبية.
  • نعم يا بُني. كلنا مسلمون؛ ولكن لكل إسلامه. تقول لي أمي.

كان ذلك أول أيام عمل الأزرق في بيتنا، لكن آخر أيامه فيه جاء وحيداً، وقفت كالمعتاد أراقبه، تجرأت على طرح السؤال الذي لطالما حيّرني:

  • هل حقاً هناك سحرة في المغرب؟
  • نعم، سحرة يجلبون الرزق، أحدهم أرسلني هنا في ليبيا. اسمه الفقر أيها الدكتور الصغير. يقول لي مجيباً وهو يصبغ آخر الغرف، آخر زاوية، وآخر نقطة لوحده.
  • أين صديقك؟!
  • إنّه مريض ربما. يقول
  • ألن تعود لطلاء منزلنا أبداً؟ قلت.
  • هاهاهاهاهاها لا…سأعود للمغرب، قريباً. سأطلي منزلي هناك.
  • هل غرفتك بشارع القاهرة مطلية؟
  • لا. النجّار بابه مخلوع.
  • ألن تقوم بطلاء المدرسة؟

وأتذكر المدرسة، لقد قال لي الفتى الذي يجد الدنانير فيها أنّه قد تبرك بأحد الجن ليساعده في إيجاد الدنانير، قد أفعل ذلك لكنني أخشى الجن. قال لي أيضاً أنه يعرف أحداً يعرف شخصاً آخراً أخرج له الجن قصراً مليئاً بالكنوز، فكرتُ بالبحث عن ساحر ليخرج لي قصراً مليئاً بالحلوى والشكلاتة والبسكويت والباسطي والجيلاطي والاسكيمو المثلج، سمعتُ عنه أيضاً بأنّ بجانب بيتهم توجد ساحرة مرّوكية تجلب الحظ والعرسان والرزق وتفرق بين المحبين وتضع في وجهها مساحيق لتتحول كل يوم لإمرأة أخرى. انتابتني رعدة من التفكير في الجديان والقطط والبوم التي تحتل منزلها والجنون التي تنام في سريرها وتأكل وتشرب معها، فكرت في البيلّو زميل الأزرق. كنت أراه مرات عديدة يخرج كالسكران من شارع القاهرة، لم أكن أرى ليبياً سواه وسوى رب الشارع الذي يؤجر الغرف للعمال يدخلون شارع القاهرة. أجده يخرج من الحيْ الصغير داخل حينا يغني ويرقص، تعجبت لسلوكه بينما كنت أحمل بين يديْ أكياس الخضروات والفواكه التي تزيد أو تنقص عن ما طلبته مني أمي مفكراً في ما الذي سيحدث لي إذا أكلت طبق البصل والثوم الذي تفوح رائحته في الزقاق. يبتسم في وجهي، يمر بجانبي، يفرك شعري الكثيف ويقول ” مرحباً أيها الدكتور الصغير، لماذا لا تحلق شعرك؟” .

  • الشاب حسني قد ترك دكان الحلاقة. ومنذ ذلك اليوم وأنا صائم عن الحلاقة.
  • تعال وسأحلق لك بالمجان.
  • شكراً. أقول له. ثم أضيف: هل سيصبح الأزرق حلاقاً بعد أن يترك طلاء منزلنا؟.
  • هاهاهاهاهاهاهاها. يضحك ويشعل سيجارته ويختفي.

كان ذلك، آخر يوم أراه فيه يخرج من شارع القاهرة، قبل أن ينهي الأزرق طلاء منزلنا بثمانية أيام.

********

لم تشترِ أمي يوماً التفاح، لا شامبو الصفاء، لا مشروب السعادة ولا البخور. ولم تشترِ أختي الكبرى فوطها النسائية. كنّا يستخدمنني لشراء حاجياتهنّ. لم أجد يوماً خضروات باللون الأزرق، هناك زهور زرقاء، لكن لا خضروات، لا شكلاتة، لا فواكه أو دمٌ باللون الأزرق. تخطيت شارع القاهرة وشجرة السروْ، الشجرة المخيفة. أمر بجانب الغرفة المطلة على الطريق الترابي الذي وعدتنا حكومة القائد على جعله يشبه الطريق السريع، أخذتني ساقايْ إلى الدكان الملاصق لشجرة السرو إلا أنني تذكرت أنه قد أقفل بعد أن سكنه الشبح. أُسرع الخطى كي لا يلمس جسدي الشبح. أخشى على نفسي منه، أتناسى بعضاً ما أخبرتني أمي شراءه.

أرى دكاناً جديداً قد فتح في الطريق الترابي، رأيت صاحب الدكان يحلق حوله الناس يذبح خروفاً أمام عتبة باب الدكان، يقال أن ما يفتتح بالدم لا يغلق إلا بالدم. أتأفف، سيتعيْن عليْ أن أذهب للدكان البعيد، قرب الجبانة، أناس آخرين يسكنون حياً آخراً داخل حيّنا لكن الفرق بينهم وبين شارع القاهرة أنهم موتى. أحمل جسدي لأعود من الطريق، أرى باب الدكان المغلق. أتذكر ما حدث.

كنتُ في مشوار آخر شبيه بهذا، ولجت الدكان.

 يقف صاحب الدكان خلف الكاشيير، تطير زهرات السرو تنقلها الريح لتدخلها عتبات الباب الملاصق لها، خلف صاحب الدكان كان يقف مرتعداً، ابتسم في وجهي. ابتسمت. قال لي:

  • أيها الدكتور الصغير.
  • الأزرق!

كان صوته مغايراً، قلقاً يندى. يحتمي واضعاً يديه على كتفي صاحب الدكان، أشتري حاجياتي، يقول لي الأزرق:

  • سلم لي على أبيك.

عند خروجي دخل البيلّو، كان يرتدي سترته الصوفية، سرواله الجينز الملطخ بالطلاء وفي يده موسى. وفي عينيه سواد يقتل سوادهما، يضج المكان بالسباب والصياح وطلبات النجدة. أقف على عتبات الباب أشاهد ما يحدث. يضرب البيلّو صاحب الدكان الذي يحول بينه وبين هدفه، يطعنه في بطنه، أسفل بطنه وينهي طعناتها بأن يغرس الموسى في القلب. خرج بسرعة بعد أن اصطدم بالحلوى والشكلاتة الموضوعة على الكاشيير، كان الدم يسيل على الأرضية ويقترب من قطع الشكلاتة. لحقت به عينايْ أشاهد البيلّو يهرب في الطريق الترابي ويداه ملطختان بالدم يتقطر في الطريق، أحكم قبضتي على أكياسي، أبحث عن اللون الأزرق في بقع الدم التي تخرج من جسد المرّوكي الملقى أمامي. تتلون قطع الشكلاتة باللون الأحمر. أشتم رائحة الدم، فأشعر بالدوار الذي يشبه ذلك الدوار الذي يصاحبني عندما أشم رائحة الطلاء. كان الدم أحمراً… أحمراً وليس أزرقاً!

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s