صائد الترول، أن تمتزج الحقيقة بالفانتازيا


the-trollhunter-trolljegeren-troll-hunter.14179

في صغري، لطالما آمنت بوجود الغولة، سلالة القلوب، عزوز القايلة، الجِن، لدي ذاكرة غزيرة بالقصص عن كل هذه الكائنات، كانت طفولتي قصة فنتازيا ورعب خارقة، أعتقد بأنّ هذه القصص وحدها هي التي جعلتني أكتب في مرحلة عمرية ما، أن أتخلص من كامل الخيال والفنتازيا بكامل أشكالها داخل رأسي وأحولها لكلمات، ولأذكر قصة واحدة لتطابقها مع ما سأقوله لاحقاً: كنتُ أقضي الكثير من العطل الأسبوعية في بيت عمي ألعب صحبة ابن عمي وأكتشف صحبته العالم الصغير حواليْنا، لابن عمي ابن خالة، كانت خالته تقطن في إحدى الأزقة القريبة من بيتهم، في فترة ما من حياتنا كنا نقضي وقتاً طويلاً في بيت خالته، نلعب صحبة ابن خالته الذي أخبرنا بهذه الحقيقة التي لا جدال فيها: لدينا ” غولة” تعيش معنا في البيت، إنّ الغولة التي آمن بوجودها تأكل معهم، تشاهد صحبتهم التلفاز، وتبيت في خزانة الملابس الكبيرة لغرفتهم – غولة قريبة لشلبي في فلم شركة المرعبين المحدودة من انتاج وولت ديزني-. كنت أصدق كل شيء يقال لي بعبثي الطفولي، خصوصاً عندما آتانا التأكيد من والدته بأنّ هذه ” الغولة” موجودة حقاً وتريد أن تأكل اليوم طبق المعكرونة. طرجت على الفتى الكثير من الأسئلة من قبيل: كيف تبدو؟ هل تذهب للمدرسة؟ أم ماذا تفعل؟ هل تعمل؟ هل يمكنك أن ترينا إياها، يقول لي ابن خالة ابن عمي ” نعم يمكننا ذلك… لكنها”، لكنها دائماً ما تكون في مشاوير لعائلتها، للسوق، لديها حفلة ما تحضرها أو أي شيء من هذا القبيل… لم نرى يوماً تلك الغولة، لكنها جعلتني بعد ذلك بسنين أكتب قصصاً تستمد من الفنتازيا الليبية مواضيعها. أتذكر أولى قصصي ” سلالة القلوب”، وهي قصة رديئة وحمقاء كما أراها الآن، تحكي قصة رجل يتعرف على فتاة يتضح فيما بعد أنها شبح يقوم بإغواء الرجال ليستل قلوبهم بعد ممارسة الجنس.

في الثلاثية الرائعة ” الهوبيت… The Hobbit” في الزمن الذي سبق مغامرة فرودو ورفقة الخاتم في ثلاثية “ملك الخواتم” ليجولوا الأرض الوسطى كي ينقذوا العالم، يقوم بيلبو باقنز بمساعدة الأقزام ” The Dwarfs” لاستعادة سر مملكتهم الضائعة وفي الطريق، يتعرض بيلبو والأقزام لمجموعة من العماليق القبيحين من فصيلة ” Trolls”، كائنات غبية، قميئة، حمقاء، قذرة وقبيحة وضخمة تريد أن تأكل، تعيش في الظلام وفي الكهوف بعيداً عن الشمس التي إن تعرضت لها ستتجمد، تتحدث كالبشر ولكن بطريقة مضحكة، أكثر إضحاكاً من شكلها، حسناً… دعني أخبرك أنّ الترولز الذين تعرض لهم بيلبو ليسوا حقيقيين، إذ أنّ الترولز في الحقيقة مجرد حيوانات، ضخمة وكبقية الحيوانات الأخرى وهي لا تتكلم كما أنّها تأكل المسيحيين وتنجذب لدم المؤمنين بالله، هذه المغالطة التاريخية التي قام فلم ” ملك الخواتم” بلعبها عليك، أو هكذا يقول لك ” صائد الترولز”، الفلم الوثائقي النرويجي من انتاج الطلبة الثلاثة من جامعة فولدا النرويجية.

the_trollhunter_by_songoanda-d61oy9z

” صائد الترول”، Troll Hunter… هو فلم نرويجي بميزانية 3.5 مليون دولار خرج في عام 2010، يحكي بواقعية تامة ومذهلة قصة ثلاثة طلاب يعملون على انتاج تقرير استقصائي عن حوادث متكررة –وغير قانونية- لصيد دببة نرويجية تعيش في الغابات القريبة من الجبال، يقوم الصحفيون الشباب: ثوماس، يوهانا والمصور كيل بإجراء لقاءات صحفية مع صائدي دببة قانونيين وفين هاوجن رئيس الجمعية النرويجية للحياة البرية في أحد مواقع الجريمة حيث يوجد دب مقتول وآثار غير اعتيادية لدببة، يشك الشباب في صائد معين غريب الأطوار اسمه “هانز” ويتتبعونه طيلة نصف ساعة من الفلم، يحاولون إجراء مقابلة معه لكنه يرفض ذلك أكثر من مرة، إلى أن يقرر هانز الذهاب للغاب ليلاً – ربما ليقوم بقتل دب جديد- فيلحقه الشباب، وحتى هذا المشهد… يبدو كل شيء حقيقي، خدعة باهرة قام بها مخرج وكاتب الفلم لجعل المشاهد الذي لا يملك أية فكرة اتجاه الفلم ( وهذا ما فعله بي، لقد قمت بتحميل الفلم على أنّه فلم وثائقي نظراً لحبي للأفلام الوثائقية والاستقصائية العجيبة…أمر سأتحدث عنه في مناسبة أخرى) ينجذب نحو تصديق كل ما يحدث: يخرج هانز من الغابة ليلاً بعد سماع الشباب لأصوات تشبه قتل دب، يخرج صارخاً فيهم:

  • ترووووووووووول!!

tr7

وهنا، تبدأ المغامرة الحقيقية…تندمج الفانتازيا مع الواقع السحري ورغبة الشباب في معرفة الحقيقة، يقتل هانز ” ترول” بتسليط ضوء من مسدس ضوئي مشع بتجميده وتحويله لصخر، وبعد ذلك يقبل باصطحاب الشباب الذين شاركوه هذه المغامرة على شرط أن يفعلوا كل ما يأمرهم فعله. تكتشف أنّ ” الترولز” هي حيوانات حقيقية، وليست مجرد أساطير من القصص الشعبية للشعب النرويجي، كما أنّ هذه القصص الشعبية قد شوهت بعض الحقائق عن هذه الحيوانات، لكن الأدهى من ذلك…. تكتشف أنّ هناك شخص ما، جهة ما، لا تريد للناس أن تعرف بأنّ ” الترولز” حقيقيون ولهذا تقوم بتغطية حوادث الصيد التي يقوم بها هانز – صائد الترولز الوحيد في النرويج- بإلقاء دببة ميتة ومقتولة ببشاعة أو مؤجرة من بلدان ككرواتيا، روسيا أو بولندا عن طريق شركات خاصة متآمرة معهم.

  • هل هي الحكومة؟ يقول ثوماس لهانز.
  • لا أعرف. يجيب هانز.
  • لماذا لا يريدون أن يعرف الناس بوجود الترولز؟
  • لا أدري…كل ما أقوم به هو الحفاظ على تواجدهم داخل منطقتهم المعينة.

فلم ” صائد الترول” مغامرة رائعة تخلط بين الواقعية والخيال في قالب “صحفي” قد لا يعجب الكثيرين، فتقنية التصوير المستخدمة كتلك التي يستخدمها الصحفيون في صناعة تقاريرهم الإخبارية، مقابلات صحفية مع أناس، توثيق الرحلة وعمليات الصيد، هندسة الصوت، الإضاءة، تقنية التصوير الليلي، المشاهد المنقطعة، انكسار الكاميرا عند سقوطها، الواقعية الساحرة وحتى مسار القصة إلى النهاية، كل ذلك… يجعلك تصدق بأن ” الترول” كائنات حقيقية، وهذه اللذة التي يعطيها لك الفلم. عدا عن التعليقات الكوميدية، الساخرة والحوار المكتوب جيداً الذي تتناول به شخصيات الفلم القضية، وتورط جهات حكومية في إخفاء الحقيقة كالجمعية النرويجية للحياة البرية، الشركة النرويجية للكهرباء، وسياسيون أيضاً…. إنّ الفلم يتخذ حتى في نهايته وفي آخر ثوانيه شكل “التقرير الوثائقي/الصحفي” بأن يخبرك أنّه ” لم يتم تعذيب أو قتل أي ترول عند صناعة هذا الفلم”، قبل أن تجد تصريح لأحد المسؤولين في الحكومة يوضح فيه دون أن يدري بأن الترول كائنات حقيقية.

حقيقة، لا أنصح الفلم لأي شخص… إنّ الأفلام المصنوعة بعيداً عن عدسة هوليوود تجذب قلة قليلة، وأعتقد أن فلم كترول هانتر لن يجذب إلا قلة من هذه القلة القليلة، لكنه مغامرة لذيذة…فقط، عليك أن تصدق بأن كل ما يحدث أمامك حقيقة.

الفلم باللغة النرويجية ولكن تتوفر ترجمة باللغة الانجليزية، مدته ساعة و39 دقيقة.

الفلم على IMDB:

http://www.imdb.com/title/tt1740707/

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s