الصبّارة تمنح حضناً


067b9c15416f40957a0187b7f5ea7848

  • هذه الثالثة، لقد قتلتُ اثنتين قبلها. قالت له بحزنٍ يضيف مسحة جمال على عينيْها.
  • أريدك أن تعتني بها، لأجلي. أضافت.
  • لأجلك أفعل كل شيء، ولكن. أراد أن يقول شيئاً ما مهماً لكنه وجد شفتيْها تغلقان كلماته على شفتيْه.

كان يريد أن يكتب لها، اعتادا على تبادل البريد الإلكتروني؛ كان يشعر بسخافة الأمر إلا أنّها كانت تعيش في زمنٍ ليس لها وأراد أن يعيش معها في ذلك الزمن، لم يحب يوماً الكتابة، لم يكن يرى نفسها كاتباً حقيقياً، لطالما رأى نفسه إنساناً فارغاً، تافهاً، أحمقاً ويحاول أن يلبس ثوباً ليس له. أزاح حاجياته من على الطاولة، كل شيء في غرفته يذكره بها، ملابسه، كتبه، مذكراته، فرشاة أسنانه، كوب قهوته، عطره، جاكتته الجلدية والصبّارة الصغيرة التي تتوسط الطاولة اللوحيّة العتيقة، أزاح كل شيء ولم يتمكن من إزاحة الصبّارة. كان يريد أن يضع الكمبيوتر على الطاولة ليجلس مجدداً محاولاً الكتابة لها. تحسس إصبعه، استذكر الألم الذي أصابته به اليوم الماضي لمّا أراد أن يكتب لها. كان يريد أن يقول لها شيئاً، لكن عندما حاول أن يزيح الصبّارة عن الطاولة انزلقت أصابعه عن الحوض لتنضغط على جسد النبات القاسي بشوكه الذي يتعدى طول حبة أرز.

  • أريد أن أحبسك. قالت له. كانت جالسة على فخذه. عيناها ترهقان قلبه.
  • سأجد دائماً طريقة للهرب. قال لها بحمقه المعتاد، أحب أن يستفز مشاعرها، لطالما أحب أن يشاهد ردة فعلها اتجاه ما تكرهه الأنثى.
  • سأفعلها، سأحبسك هنا، سأخبر عائلتي أنّني خطفتك وأنّه إذا أراد أحد تحريرك فعليه أن يزوجك منّي سريعاً. قالت له تحاول شرح خطتها.
  • كيف سآكل؟ كيف سأدخن؟ كيف سأشرب القهوة؟ كيف سأعيش؟. قال.
  • لن تحتاج كل ذلك مادمت سأعطيك هذا. قالت، أمسكت يده ومررتها تحت فخذيها.

حدّق في الصبّارة. ” هيّا تحركي رجاءً”، قال. وتحرك ناحية برسيان النافذة يريد فتحها لكن الوعد الذي قطعه على نفسه بأن لا يفتحه مجدداً عاد ليحرمه ذلك المنظر الذي شاهد فيه شبحها في مطبخها أول مرة يدخل فيها المدينة العتيقة. منذ ذلك الوقت خمّن ما تفعله، يشتم رائحة طعامها التي تنفذ من فتحات البرسيان، فينسحب عرقها من جبينها ليتخلط برائحة الحوت والكركب والبصل والطماطم والملح فيتفتق على جيدها فينزل إلى نهديْها. ينصت لنداءها الجاف لطفلتها الصغيرة، كيف لها أن تتحمل مشقات الحياة داخل أزقة المدينة العتيقة، أراد أن يقول. يحرك يده على لوحِ البرسيان، يده تريد أن تفتح النافذة الخشبية وعينه تريد أن تراها، من خلال نافذة مطبخها المقابل لنافذة غرفته، عينه تريد أن تجتاز حوض الاستحمام الموضوع في الشرفة تستحم فيها أزهار صفراء لا يعرف اسمها يتخللها النعناع لينفذ إلى أنفه يهيّجه. ” ربما اسمها سيلين” قال يشبهها بحبيبته التي تفصله عنها المسافات والحرب ونزق الحياة، مرّت به الأزهار والأشجار والشجيرات والنباتات التي رآها في مدينة الياسمين، لا تشم فيها إلا الياسمين والقمامة. مر به زمن لم يكن لديه وعوداً يقطعها، كان يمكنه أن يفتح نافذة غرفته فتتلون حديقة بأكملها أمامه، أزهار زرقاء، صفراء، حمراء،  أرجوانية، برتقالية تصاحبها الحشرات والعصافير وطيورٌ لم تمر يوماً بسماء بلاده تغنّي رفقة البحر الذي يجاور فيلّا الصحفية الفرنسية المقبورة داخلها.

  • أنتِ تعرفين أنّه عليْ أن أذهب. قال لها وهو يمسح شعرها.
  • نعم أعرف. أرادت أن تقول لا.
  • هذه فرصتي، سأكتب كل ما أخبرتكِ به، كل شيء. قال.
  • نعم ستكتب، وسأحب ما كتبته. قالت له، عيناها لو تذوق دمعهما لأصابه السكر.
  • كما تعلمين أنني لن أتخلى عنكِ أبداً، هي بضعة أشهر، يمكننا فعلها. قال في ثقة. سيكون كل شيء على ما يرام. أضاف.
  • أخاف أن لا يكون كذلك. قالت.
  • لكن عليك أن تسافر وتجرّب، لطالما أحببت هذه الفكرة. قالت له تحاول أن تخرجه من الحرج.
  • نعم، لطالما أحببت هذه الفكرة. قال، قبلها، دسّ يده داخل تنّورتها، أغمضت عينيْها، حاولت أن تتأوه لكنها كانت تسمع حركاتهم في السقف.

عادَ من سرحانه، ابتعد عن البرسيَان، كان يشعر بالصبّارة تراقبه، ألقى نظرةً عليها. واتته رغبة في الخروج، تلقف جاكتته الجلدية، كان كل شيء حوله يختلف عن بلده، لا شيء متشابه، البرد، الهواء، الروائح، الأغاني، لون السماء، ملابس الناس، الحوارات بينهم، العراكات، حتى باب بحرها بدى مختلفاً جداً عن باب بحر اطرابلس، كان أورين صديقه الشاعر الذي تعرف عليه في دار الصحفية الفرنسية يخبره بأنّه يشعر بالتشابه بين البلدين، ويستذكر هو نزق مدينته وحكاياتها فلا يجد ذلك التشابه الذي ألهم صديقه أن يسترجل قصيدةً أمامه يرددها كل صباح” تونس.. لما أرى الحسناء تسقي غزالها فيك؟ والفرّاشيات كأمّي..أفتح بابيَ المطل على البحرِ،لأنصت للأمواجِ تنقل لي أغاني طرقات النحاسين.“، يخرج ليجد نفسه في شارع الرجل الذي خلق منها وطنا جديداً للحرية، البرد لم يثنِ العصافير عن أن تستودع الأشجار على طول الشارع سرها، ” لو كانت سيلين معي… ستنهار من تغريد العصافير” قال في نفسه وهو يمر بين أجساد الناس، كانت حبيبته تكره العصافير، يحاول أن يجد له موطناً بين ممر سمفونية عصافير القصبيْ القرمديْ، في مدينة الياسمين كان يتمشى لساعة في الممر الترابي بحديقة الفيلا، يزاحم النباتات، يقارنها بصبّارته الصغيرة القاسية، يزاحم البشر في شارع الرجل الحبيب، تأخذ بلبه الفتيات في كل قدم من أقدام الشارع، ملابسهنّ التي تثير بدويته، شعورهنّ: زرقاء، صفراء، حمراء، أرجوانية وبرتقالية ولا شوكَ فيهنّ ليؤلم قلبه.

  • سأكتب لكِ. قال لها يريد توديعها.
  • حسناً. قالت له متعلقةً بعيْنيه.
  • سأكتب لكِ كل يوم. قال مؤكداً.
  • سأكتب لكِ عن كل شيء، لن تشعرِ بأنني بعيد عنكِ، ستشعرين بفمي قبلكِ كل ما قرأتي رسائلي. أضاف وهو يريد أن ينهض.
  • ابق قليلاً، أريد أن أحفظ رائحتك، قبلك، ويديك الدافئتيْن. هلاّ بقيت؟ كانت تريده أن يبقى.. معها للأبد.
  • نعم، يمكنني أن أبقى ساعة أخرى. قال وهو يحتضنها.
  • هل يمكن أن أخبئ جسدك بحضن؟ قالت له وهي تعصره لا تريد أن ينفك منها.
  • نعم يمكنكِ، هكذا. قال لها، أدخل يديْه في قميصها، اعتصر نهديها. وقبل جيدها، أذنيْها، وكتفها. حوّل يديه إلى داخل تنّورتها، نزع عنها قطعة ملابسها الداخلية.
  • إذا كان عليْ أن آخذ الصبّارة معي، سيتعيْن علي أن آخذ هذه أيضاً معي.
  • لا يمكنك كذلك.
  • إذاً سأعطيك شيئاً ما. قال وأدخله بين فخذيْها، تأوهت.

إذ ودّعها، كان يحمل الصبّارة، وقبلها وصورة عينيها كلؤلؤتيْن ترغبه في أن يسرقهما من البحر، لم يحاول عدّ المرات التي التصق شوك الصبارة في أصابعه، عندما حملها أول مرة تسللت شوكة، وعزم على الرحيل إذ حزم حقيبته ووضعها في مكانها المخصص تسللت أخرى. في الطائرة، كان كل ما يفكر فيه هو الصبّارة، هل ستعيش داخل الحقيبة بعدما تأخر موعد رحلته لعشر ساعات، يطير فوق سماء المدن كلها ليرى أشجار النخيل والزيتون والسرول شاحبة فيأمل أن هناك قدر من الأكسجين لتستمر صبّارته الصغيرة في الحياة داخل الحقيبة، ” سيتعيْن عليْ أن أحملها معي إلى الطائرة في رحلة العودة” قال لنفسه في الطائرة وفكّر كم سيكون حجمها بعد مرور نصف عام وهو يحملها بين يديه، يتخيّل نظرات الجالسين في الكابينة بجانب مقعده وهم يشاهدون سخفه بالنبات الشوكي، ” على الأرجح لن يسمحوا لي بحملها معي داخل الطائرة”، قال مبعداً الفكرة. لم يتمكن من فتحِ حقيبته إلا بعد مرور يوم كامل، وصل مدينة الياسمين في صباح اليوم التالي، كان متعباً. نام حتى منتصف النهار دون أن يستطلع المكان ولا الناس فيه، كان يسمع صوت أمواج البحر تنسحب وتقترب في منامه فاعتقد أنّه يحلم. حلم بعينيْها، يغوص في البحر ليخرجهما فيدخل شوك الصبارة في أظافره.

أمضى ثلاثة أشهر في مدينة الياسمين لم يكتب فيها حرفاً، لم يكتب لها ولا عنها ولا لأي شيء آخر، يصحو صباحاً ليتناول إفطاره: بيض، قهوة، زبد، مربى الفراولة وكرواسون. يمضي بقية اليوم صحبة صديقه الشاعر أورين الذي يصدح بقصائده عالياً أمام البحر، يضحكان، كانت ضحكاتهما تعلوان زقزقة العصافير والطيور التي لم يرها تطير في سماء بلاده. يتمشى لوحده في الحديقة، يجلس على مقعد بجانب بركة تتوسط الحديقة، يشاهد الضفادع تتقافز إلى البركة خوفاً منه، القطط تمر بجانبه، كان المكان مليئاً بالقطط، زهرة الزنبق تسبح في البركة، صفراء فاقع لونها. أراد أن يقطفها لها، كانت الزهرة تدرك أنه يريد أن يبعدها عن موطنها لذا فقد كانت تسبح بعيداً عن مناله داخل البركة، الأزهار حوله يعطي لكل واحدة منها اسماً، ” سيلين الصفراء”، ” سيلين الحمراء”، ” سيلين البرتقالية” كان يسميها. الضفادع تعود إلى السطح، إنّ طفولته تحمل العديد من حكايات الضفادع، الأشباح، الأزهار، الأشواك، الهرب، الموت الذي شاهده يتلون أزرقاً، إلى أن اعتقد أنّ روايةً عن طفولته ستكون رائعة، كانت سيلين تسمع قصصه عن طفولته وتنظر بانجذاب نحوه فاعتقد أنّ قصصه ستكون رائعةً لو كتبها فقط من نظرة عينيها عندما تسمعها منه دون أن يدرك أنّ لا أحد يأخذ برأي الحبيبة. يعود لغرفته في نهاية النهار ليجد الصبارة تنتظره. يسقيها، لم يكن يطيل نظره فيها، كانت كواجب، كطفل مناط به مسؤولية الاعتناء به، لم يشعر بالحب اتجاهها، كل ما شعر به ه وخزها فقط . يقرأ وصايا الكتّاب الذين سبقوه فيخلد للنوم، تتكرر أيامه فتنسل منه الرغبة في الكتابة يوماً بعد يوم؛ إذ دائماً ما وجد ما يلهيه عن أن يكتب رسالة واحدة لها.

كان يتجاذب مع أورين الحديث أمام البحر على سفحٍ تلفه أزهار صبّار لا تشبه صبّارته داخل الحديقة، البدر في أعلى السماء والبحر ينسحب ببطء، يجلسان على حجريْن ويتحادثان طيلة الليل عن الحرب، الله، البحر، الكائنات جميعها. سأل أورين:

  • يا ترى ما اسم كل هذه النباتات التي حولنا؟
  • هناك كتب علمية لهذه الأشياء يا صديقي، علماء بحثوا عنها وسجلوا أسماءها. كان أورين طبيباً قبل أن يكون شاعراً.
  • لكن يمكنك أن تسميها ما شئت. استدرك كلماته حينما رأى النظرة في وجهه غير متقنعة.
  • مثلاً؟. سأله.
  • حسناً، هذه الصبارة يمكننا أن نسميها الصبارة ذات الأزهار البرتقالية. قال له.
  • والزهرة الزرقاء التي بجانبها؟
  • يمكننا أن نسميها الزهرة الزرقاء بجانب الصبارة ذات الأزهار البرتقالية. قال أورين في سخرية.
  • هل تعلم، إنني أؤمن بأنّ النباتات تشعر مثلنا. قال.
  • لهذا، أشعر بسخف النباتيين؛ يخبرونك أنّ للحيوانات مشاعر وعندما تخبرهم ماذا عن النباتات التي يأكلونها؟ يخبرونك أنّها لا تشعر. أضاف مستذكراً كرهه للنباتيين.
  • لا أعتقد بأنّ كل النباتيين كذلك يا صديقي. قال له أورين.
  • لكنهم. أراد أن يقول شيئاً لكنه سكت.
  • الحيوانات في أوروبا تعيش في ظروف سيئة، حظائر ضيقة وهرمونات إضافية وروث واستعباد كامل. قال أورين.
  • وما أدراك أنّ النباتات لا تقاسي الأمر نفسه، أعني…أنها لا تريد أن توضع في حدائق أو أحواض أو مزارع لزرعها وجنيها. قال كالمنتصر.
  • العلم لا يؤكد ما إذا كانت النباتات لديها مشاعر أم لا، لكن عيناك ببساطة يمكنها رؤية الحيوانات تتعذب. قال أورين

عند  سفره للمدينة العتيقة، حزم حقيبته مرةً أخرى، قرر أن لا يضع الصبّارة في الحقيبة، حملها. ركب التاكسي، كان السائق ينظر للنبتة وهو يضع الحقيبة يحاول أن يتبيّن السبب الذي يجعل مسافره يحملها صحبته، قال له وهو ينظر للنبات:

  • الهِنْدِي ثمرة لذيذة.
  • نعم ولكن هذه صبّارة، إنها تختلف عن الهِندِي. قال جالساً وواضعاً الصبّارة الصغيرة بين يديه متوخياً شوكها.

كانت الطريق طويلة، سائق التاكسي المتأفف من مسافره ونبتته يحاول أن يخلق حديثاً يسري عنه طول المسافة بين المدينتيْن يشغل الراديو ليغيب في أفكاره، المسافر محاولاً توخي  شرك الأحاديث التي يخلقها التاكسي والتي ستوخزه.

عند وصوله، تعيّن عليه أن يقطع مسافة كيلومتر من المحطة إلى البيت الذي سيحل عليه ضيفاً في أزقة المدينة العتيقة الضيّقة وأسواقها، كان يجر حقيبته الثقيلة بيد ويحمل الحوض بيد أخرى، العرق يتصبب منه والتعب ينهك كاهله، يسرح.

  • إنّ اعتناءك بالصبّارة يعني أنّك مستعد للاعتناء بطفلنا. قالت سيلين.
  • هذا يعني أنّ ابنيْنا الأوليْن سيموتان. قال.
  • هاهاهاهاهاهاهاها.
  • لا أعرف من أين تأتين برموزك وتعريفاتك. قال لها.
  • من هنا. قالت له وهي تضع اصبعها على رأسها.
  • بل أعتقد من هنا. قال لها وهو يمرر إصبعه داخل فخذيْها.

 يسقط منه الحوض، كانت الصبارة ملقاة على الأرض، جذورها قد غادرت تربته التي تبقيها حيّة، التراب موزع، المارة يمرون بجانبه، هو واقف يشاهد نباته قد أفرغ ما فيه، أحسّ بأنه ليس أهلاً كفاية للاعتناء به، ثم من يصطحب طفله معه في سفره لوحده؟ سأل نفسه،كانت النبتة تستجديه أن يعيدها لحوضها، لكنه شعر برغبته في التخلي عنها. وقف داخل السوق الضيّق لدقيقة حتى استجمع نفسه وأعاد الصبّارة إلى حوضها يضيف بعض ما تمكن من جمعه من التراب ثم حملها وتابع طريقه نحو مسكنه الجديد.

  • ثم أنّه عليك أن تصحبها معك.
  • لماذا؟ بعيداً عن خرافات الرموز؟ قال.
  • إنّها جاسوستي، إذا قمت بأي شيء ستكون شاهدة عليه. قالت له.
  • النباتات لا تتكلم. قال لها، شعر بأنّه يناقض نظريته حول النباتات.
  • إذاً، فإنه ستوخزك كلما حاولت التفكير في الأمر. قالت.
  • عيديني أنّك ستزرعي أشوكاكِ فيه عندما يفكر في خيانتي. أمسكت الصبارة وقالت لها.
  • أعدك. قال لها مقلداً صوت كان يعتقد أنه صوت الصبارة.

جلس في مقهى، طلب كوب قهوة، كانت الشمس تكاد أن تغرب، المارة يقل عددهم في كل دقيقة ورواد المقهى كذلك، أمضى ثلاث ساعات في المقهى وحيداً يدخن سجائره ويطلب كوب القهوة تلو الآخر، تسمر جسده داخل الكرسي، لم يتبقى في المقهى إلا القليل من الرواد، رجل وفتاتيْن يتناولان العشاء، قطة تشحذ عشاءها، بائعة ورود بدينة تحاول بيع الورد بالغصب للجالسين، شباب ليبيون يتحدثون عن الحرب، ” حتى هنا!” قال لنفسه، فتاة وحيدة تجلس لتناول الآيس كريم وهو. رغب أن يجلس بجانبها، أن يحادثها ويشاهدها تتناول الآيس كريم.

  • حلمتُ أنني أنجبت طفلة، لم تكن أنت بجانبي لذا فقد كان عليْ الاعتناء بها لوحدي؛ أعتقد أنّك قد سافرت كما تفعل دائماً، كنت أعاملها على أنّها شيء غريب عنّي، لم أتجرأ على رؤيتها، حتى عصيدتها…كنت آكلها صحبة عائلتي من الجوع فقط، لم أشعر بالحنان اتجاهها، لا بالحب أو بالتآلف، كانوا يلقون عليْ النصائح وأنا أرضعها كواجب أو مسؤولية. قالت له.
  • لماذا لم تشعري بالحب اتجاهها؟. قال
  • لا أعرف، لم أحاول النظر إلى عينيْها، لم أتلمس بشرتها، لا أعرف ما لونها أو لون شعرها. قالت.

مضى أمسيته يراقب المارة، يلاحظ اضمحلالهم في الممشى. كان يطيل النظر في الفتيات والنساء، ينصت لما حوله ويلاحظ لأول مرة أن غناء العصافير اختفى، يتذكر غناء تلك التي أراد أن يلقي نظرةً عليها، بدت من غناءها أنها إمرأة ثلاثينية، “زوجة رجلها قد سافر، تعيش مع طفلتها الصغيرة تربيها لوحدها ” فكّر، قطعت سرحانه بائعة الورد، حاولت اغتصاب ماله بالقوة تريد بيعه النوّار، كانت تأمره بأن يشتري منها:

  • هيا خذ، اشتريها!
  • شكراً، لا أريد. قال وفكر في الصبّارة، كان قد قطع وعداً أن لا ينجذب إلى أي نباتٍ آخر منذ أن غادر مدينة الياسمين.
  • هيا، ستبدو جميلة عليك. قالت آمرةً وهي تحاول وضع تصميم زهراتها على أذنيْه.
  • قلتُ شكراً! اللعنة!.
  • حسناً، إنك لا تستحق. قالت له المرأة البدينة وانصرفت.

شعر بالإنزعاج، حمل جسده وعاد إلى غرفته، ولج الغرفة وسمع المرأة تغنّي من مطبخها المقابل ” لاموني اللي غاروا منّي… قالولي إيش عجبك فيها؟”، كان جالساً على كرسيْه بجانب النافذة التي لا يستطيع فتحها يشاهد الصبّارة متجلية على الطاولة، ” جاوبت اللي جهلوا فنّي…خوذوا عيني شوفوا بيها”، استمرت في غناءها وغسل الأواني. سمع نداء طفلتها:

  • ماما، ماما.
  • ماذا؟ قالت لها.
  • أنا جائعة!
  • حسناً، سأعد لكِ شيئاً.

تحوّلت نبرتها من الدلال إلى الجفاف، شعر بوخزٍ في صدره، نهض ليراقب ما تفعله، كان يمكنه من بين فتحات البرسيان أن يتبين خيالها داخل المطبخ وهي تعود للغناء وغسل الأواني، يحاول أن ينال برؤية جيدة لوجهها، شعر بأنّ جسدها يشبه حبيبته، كانت عيناه تغلبانه إلى النوم، ترك الكرسي وانهار على السرير، نسيى أمر الكتابة، راقب الصبّارة قبل أن يخلد لنومه من سريره، كان شوكها ينسل إلى قلبه، وهو يغالب النعاس تذكر آخر ما قاله له أورين:

  • يمكنك أن ترى كل النساء يشبهن حبيبتك إن كنت تحبها.
  • لكن النساء في اختلاف. قال.
  • نعم، تخيّل إمرأة الآن…من تشبه؟
  • إنها تشبه المرأة التي أحب، ولكن هذا لا يدل على شيء، هناك أكثر من 1500 نوع من الصبّار والتشابه بينها لا يعني أنها هي ذاتها.

خلدَ إلى النوم تلك الليلة، كان عازماً على أن يلقي بالصبّارة إلى القمامة في صباح اليوم التالي.

 

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s