تبقى رائحة البخور


sufi-whirling-dervish

1

ذابت سنون عدّة لم يتمكن من عدّها، لم يُزَرْ فيها، لم تلتقط أذنيْه حركة الأرجل بين عتباته، ولم يرى من خلف الحِجاب ظلالاً تدور خلفه، لم يشتم رائحة البخور التي علقت في جدرانِه أبتْ أن تتركه.

حطت أمتعتهم في باحته، أشعلت الأم ناراً في كانونٍ بحجم القلب، نثرت من الحبات السوداء الدبقة على الجمراتِ الحمراء، التصق الصمغُ الدبق في إصبعيْها السبابة والأوسط، فركتها جيداً حتى تتخلص من البقايا. أدخلت يدها إلى السرة التي يصنعها رداؤها الوردي بالتقاء أطرافه في صدرها، يناسب الطرف الذي يمر على كتفها الأيسر تشبه فيه الرومان القدامى حزاماً على جيدها يحفظ الأشياء، الزمن والأبناء من السقوط. لهجت بالأدعية التي علمتها إياها أمها من قبل تناجي فيها الرجل المرابط داخل المبنى الأبيض العتيق. تحت شجرة نخيلٍ قزمة كان الأب يربط عقال الخروف الذي سيذبحه لا محالة قرباناً. كان الابن تعيقه الأيام عن الحديث بمكنونات صدره، عن الخروج من أثرٍ يلاحق عينيه، زلالٌ التصق بروحه لا يفارقها. ارتفع دخانٌ يملك رائحة تخذر الأيام والشمس يتخلل سعف النخيل المحلق حول المبنى. قيل أنّ الفتى يقطن جسده رجلٌ من زمنٍ مضى، لا يفك عن الحزن والحنين إلى زمانه، لا يفك عن إلحاحه له بالاختفاء والمضي معه للبحث عن الزمن المفقود، يحيى في أحلامه، رؤاه، وفي عينيْه العسليْتيْن، وفي أنفِه الذي تعطِّسه رائحة البخور، وفي فمه يتذوق ما قد تذوقه منذ ذاك الزمن. ملح البحر والخيبات.

  • وشق وفاسوخ، وكبش قبل الدم دايخ دوخ. واحكولاه قدام المرابط، حكاوي صلّاح..حكاوي شيوخ.

نفث الرجل في هوةِ آذانهم، ومد يده إلى الفراغ يتخللها البخور، حدق الأب في الكفِ الفارغ والتجاعيد والوشم الأخضرِ واستدرك معنى الإشارة، هرع ليخرج رزمة من النقود بلغها ببيع شاةٍ حزّ صدره فقدانها. قبّلت الأم يد الرجُل في موضع الوشم المنقط وأمسكت يد ابنها وجرته تجري إلى حيث خلاصه من المخلوق الذي اتخذ صدره بيتاً.

2

” الوحدة مرقدي، واعتزال الناس والغربة موقدي، يلج واقعي خيالي، ويلج الخيال واقعي، تقادمت روائح المكان وعطن هواءه وتبدلت أشعة الشمس تنفذ بمشقةٍ فتحات السقف نصف الدائري على جسدي ولازلت أرابط مكاني، الحياة لازالت حسب ما أعتقده تدور في الخارج، أسمع زقزقة العصافير، أقدام الناسِ تتبدل، حفيف الهواء يلمس ككف أمٍ حنونٍ سعفَ النخيل تارةً، وكأب غاضبٍ تارة. ظلال أجرامهم وأحجامهم تنفذ من الفتحات السفلى. اتذكر زمناً أغلقت فيه عن الجميع منافذي ليأتي بعده زمنٌ أحفر في السقفِ والأرضِ حفراً صغيرةً خوفاً من الموتِ إلى الحياة، كنت أعتقد أنني سأتغلب على الجوع والعطش لكن هزتني رغبتي كما زلزلتني لذتي”، قال الرجل وهو يقتعد الأرض مقرفصاً، يحدق في السقف البيضاوي، نور ينفذ من الشقوق يدخل رائحة الحياة…تخذره.

1

كان حول الضريح مجرىً يسقى منه، جرّ الأب الكبش وأناخ رأسه إلى المجرى، الخروف قرناه على الحافة وعنقه إلى منبع المسقاة التي نمى فوقه صنبور مياه، تحسست يد الأب عنق الكائن المرعوبِ تحته جسده ووجهت يده الأخرى رأسه، كان الأب قوياً إذ تمكن من إخضاع الكبش وحده، كان الكبش مخذراً بالبخور الذي ظلت الأم تنشقه إياه قدراً من الزمن يكفي لتخضع عضلاته، جرّ بالسكين عنقه فانساب السائل الأحمر من النبع إلى المجرى يسقي البناء ليحيي رميم العظام داخله، استذكر الأب ما قد حُدِّثَ ” ضحي بالكبش كي يعيش الولد” وهو يتقدم لفصلِ الرأس عن الجسدِ بالسكين ثم دار بعينيه الشبيهتيْن بعينيْ ابنه – الشيء الوحيد الذي ورثه منه- في السماء يبحث عن طائر أو رمز. كانت الأم لازالت تدوّر الكانون بدخانه حول رأس الضحية، رأى الأب الدخان ينسحب إلى الأعلى ويتخلل سعف النخيل الذي تغازله أشعة الشمس فيرى الدخان يتراقص في الضوء تزيده سلطانٌ على سلطانه.

أقعده على فخذه، كان الأب يرتدي جرده الليبي خشنِ الملمس، بينما ذهبت الأم لتعد الطعام من لحمِ الكبش، تفوّه الأب بالأقصوصة التي استجلبها من ذاكرة بعيدة لم يرد يوماً أن يكشفها، قال:

” كنتُ شاباً أطعم وأشرب وألبس وأدفئ وأزيّن إياك وأمك من عملي بشاحنتي بين المدن، كنتَ لاتزال طفلاً لم يقدر حتى على الحبوْ، الشاحنة رفيقتي الوحيدة في الطريق، تسحبني مطاردة لقمة العيش إلى أعماق الصحراء وجبال البلاد وخارج حدودها، كنتُ أجوب طرقات الصعيد المصري الترابية وأسفلت القاهرة وطريق يفرن الجبلية وغابات شحات وأتوقف في محطات وقود بن قردان لملء الوقود الليبي المهرب، كما كنت أنجذب إلى طريق يشق الصحراء إلى الجنوب لأتوقف لساعات تحت الشمس الحارقة أنتظر من قطيع جمال أن ينهي قيلولته التي أراد لها أن تكون على الأسفلت الوحيد بين الكثبان حيث لا هادياً إلا الإسفلت لك. أقول لك يا بني، عرفت أصنافاً من الخلق، أشكالاً، خلائقاً وأخلاقاً وأمزجةً. هذا ما أريدك أن تعرفه”.

2

صفّرت ريح آتية من صحراءِ الجن تنقل صحبتها الغبار على فتحات القبة البيضاء، هناك آلاتٌ في الخارج وهذه الحقيقة الوحيدة التي كان يمكن تبيّنها، جرارات وشاحنات، احتضنت الريح الطوب الملبد بدعوات الناس وآثار أياديهم وتضرعاتهم ومآسيهم، شعرَ بأرقٍ يقض ظهره، بدى حزناً خفياً يجري في عروقه، كأن دماً غريباً عليه يسقاه، تنهد في عُريّه، ظن أنه أشعل سيجارة وقال للحيطان التي ألفها – كان في البداية قد أحس بأن لوثة ما أصابت عقله عندما بدأ يحاكي الحيطان إلا أنّه برر ذلك بأنه يحاكي المريدون المحلقون حوله-:

” ولدتُ وبي صيحة لم أعلم مستودعها، ترجمتها روحي على أنها اندفاع نحو الانعزال، لطالما بحثت عني أمي منذ الضحى حتى وداع الشمس لقريتنا لتجدني مختبئاً عن نفسي تحت سريري، تشدني إليها كصمغ، تغسل وجهي…تهزهزني. لكن تلك التي استودعت صدري حدثتني بالاختباء أكثر، بالاختفاء أكثر، بالبحث عن المخبأ الأفضل. أصعد العلية، أستقلي تحت الشمس وأرى نفسي في هضبةٍ بعيدة عني كأنها تناديني والناس يلاحقونني، أندفع لأغلق بابي عنهم. يطرق صوت أبي الأجش أذنيْ فأخرج من حلمي، ها أنا الآن تحقيقاً لوحي الصوت هنا ولكنني أشعر بأنني أريد الخروج، أنا ضائع بين الهروب والهروب من الهروب، تركتُ أمي تتدلى كبندول الوقت، ودعني أبي وبصدره حرقة. ابن وحيد كنت، على خلاف الناس في هذا البلد، كان أبي تاجراً يمشي مع السيّارة والقوافل إلى بلدان الله يترك أمي تمضي أيامها وحيدةً لأسافر أنا إلى عوالم أخرى. ذهبتُ إلى المغرب، أبحرت بقارب وحيد تلطمني أمواج الجزائر ويتلقفني أهل الزيتونة ولكن أبعد كنت أبغي بحثاً عن هضبتي، التقيتُ مع عباد الله وعباد المال وعباد الشيطان واستقرت بي الأسطورة أخيراً حيث بغيت، بنيت منزلي ورابطتُ فيه، كل يوم أجلس في انتظار عدوٍ ما ليعبر البحر، أسمع تلاطم الأمواج العذراء وأتمكن من التفرقة بينها وبين تلك التي تحمل السفن… استعد، لأنكمش”.

1

رسم الأب بيديه خيوط قصته، اعتدل في جلسته وضمّ ابنه إليْه، كانت الحديقة تسبّح للبحر المنسوج أمامها أن يمرر روائحها فيها، استدرك الأب قائلاً:

” إذاً أي بنيْ، فقد كنت في إحدى رحلاتي أقود شاحنتي إلى أرض مصر، عليك أن تعلم بأن الطريق في معظمها لم تكن مأهولة بأحد، الأسفلت تنبعث منه حرارة الشمس ويبدو للناظر أنه يذوب على مد الأفق، أشعل سجائري فينسحب دخانها إلى النوافذ حيث اللاشيء إلا التين البري وأشجار السرول وسراب القرى في الأفق عن اليمين واليسار، كنت أقود بسرعة وحيداً لساعات لتمر لهنيهة بجانبي سيارة أو لأحلظ خلفي من مرآتي شاحنة أخرى، كنت قد جهزت الشاحنة بكل ما أحتاجه، راديو يلتقط موجات محطات عربية وإيطالية وبعض المحطات المحلية، فراش للنوم في صندوق السائق، مطبخ صغير به ما أحتاجه من أواني وغاز للطهي ومؤونة وجرّة من الجص أحفظ فيها الماء، سخان شاي وكأس كبير أملأ فيه مرارة السائل الأسود لأتجرعها صحبة سجائري”.

كان الأب إذ يحكي يأخذ ابنه وساكنه إلى عالمه حيث تسير شاحنته في خلاء الله، يرتاح في منتصف الطريق ليصنع طعامه، يشاهده من أعلى وقد ركن شاحنته في ناحية الطريق تحت أشجار سرول في مكانٍ لا يعرف اسمه، قاربت الساعة على غروب الشمس عنه، يتأفف من عبث الربيع الليبي به بين حرارة الشمس وبرد الظل وريح القبلي، يخرج قنينة من صندوق التخزين بالشاحنة، يشرب شراباً يلدغ لسانه ليحرق أمعاءه ليطفئ عقله، يخرج حصيراً ويجد بقعة جيدة يفرشها فيها، يبعد الأوراق ونفايات سائقي الشاحنات الذين سبقوه ذات يوم إلى المكان، يشعل الغاز، يضع الطنجرة ويصب الزيت، يرمي بالبصل ويحركه، يغني لحناً قديماً ويضيف بقية المكونات الواحد تلو الآخر. يمر الوقت وتمر شاحنة مرة بعد خمس سجائر وكوبي شاي، تتلوها سيارة بعد سيجارتين وكوب. تنزل الشمس إلى مستقرها بينما ينتظر طعامه لينضج. يعاين دواليب الشاحنة، يشعر بنعاس يأخذه من تعب الرحلة التي لم يتوقف فيها منذ أنفاس الفجر، يحتسي رشفة أخرى من الشاي. يمر به ريح يحمل بعضاً من البرد، يتحسس يديه ويحركهما، يخرج القنينة ويشرب أكثر. يشعر بلطافة حرها تداعب خديه، شيء من الدفء. ” المكان جيد للتخييم”، يخبر نفسه بصوته الجهوري. يحول نظره إلى أشجار السرول وينفذ خلالها ليرى قرية تتكون في الأفق تفصله عنها أشجار زيتون وصخور وادي، أُخْبِر ذات مرة لما كان يسمح للمرافقين أن يصطحبوه إلى سفره أن الوادي قد مات فيه عباد كثر إثر معركة حدثت بين قوات المجاهدين وقوات إيطاليا، كان دائماً ما يرتاح في هذا المكان.

” وعندما نضج الطعام، أكلت المعكرونة وسحبت جسدي للراحة في فراشي بعد أن أيقنت أنني لن أتمكن من القيادة ما تبقى من الليل، كان ما تبقى من الطريق أكثر وعورة من ما أنهيته منها وكنت لوحدي، لا أحد لأبادل معه القيادة أو ليزجي وقتي بالحديث. نمت، كنت أسمع في الخارج البوم ينعق وحركات الحيوانات البرية، كانت المنطقة تنشط فيها الأفاعي والعقارب والكلاب الضالة والريح تبكي فيها إلى لا مستقر لكنني نمت. لكن، لا أعلم كم مضى من الوقت عندما استيقظت أسمع حركة بالشاحنة”.

وأخذ الأب يتفحص عيني ابنه اللتين كانتا تحدقان في دم الخروف يسقي بيت الرجل المرابط، حوّل نظره لزوجته فوجدته تكاد تنتهي من الطعام، أشعل سيجارة، أضاف بعضاً من الفاسوخ، التصق الصمغ الدبق بأصبعه، أكمل حكايته:

” رباه! قلت، يجب أن لا يكون كلباً جائعاً وإلا عاقبته على فعلته”، أخبر الأب، كان منظره في عيني ابنه يتلألأ في خيوط الدم في مجرى السقاية، تلون المشهد في عينيه بالأحمر، نزل من أعلاه ليلبس جسد أبيه وأحس بخوفه، ارتجل الأب من شاحنته ممسكاً ببندقية الحماية خاصته، وطئت قدماه الحشائش المتيبسة في الطريق وأشعل مصباح الإنارة، كان القمر الأحمر في عيني الابن يراق دمه، البوم تنادي من أعلى الشجرة، دار الأب حول الشاحنة، تفحص الصندوق والبضاعة التي ينقلها- تذكر حادثة السرقة التي كاد أن يتعرض لها من أحد القرويين، وجده يفرغ بعضا من الحمولة، وجه البنديقة نحوه وكاد يرديه لولا بكاء القروي اللص- نزل من الصندوق بعد أن إطمأن، لون جسده المزوّق بالأحمر زاد من خوف الفتى إذ يعيش القصة صحبته، بحث الأب ناحية صندوق مؤونته، وجد عبوة الغاز مشتعلة والطنجرة فوقها تغلي، تبين المحتويات، انتابه شك في نفسه، تذوق المرقة، سأل نفسه ” هل تعشيت؟ أم هل نسيت الغاز مشتعلاً؟ كم مضى من الوقت؟” بحث تحت الأشجار، لم يكن هناك كلاب بالقرب، شاهد الوادي والقرية وأشجار الزيتون في الأفق، قرأ المعوذتين ثم عاد إلى صندوق القيادة. هناك، رآه، رجل عجوز… يرتدي الجرد والقبعة الليبية الحمراء، أسنانه صفراء، يشرب الشاي، بيده بندقية تشبه التي عنده، يجلس في مقعده. رأى الفتى أن العينين حمراوان والدم يقطر من جسد الرجل الغريب.

” وجهت بندقيتي اتجاهه، ضحك فاستنكرته.

  • لما أطفأت النار على العشاء؟. قال لي. بدا صوته كبوم، أنفاسه كريح صرصر عاتية.

تذكرت أمك وتذكرتك، انتباني ارتعاش حتى بان ذلك على بندقيتي، خشيت أن أطلق رغم قرب المسافة فلا أصيبه، تصببت عرقاً وابتل  قميصي.

  • علينا أن نأكل سريعاً قبل أن يهاجموننا. أضاف.
  • من؟…من أنت؟ قلت له في ارتعاش.
  • أقول لك، من السيء أن نموت على ماعدة فارغة. قال وهو يشرب ما تبقى من كأس الشاي.

يمد يده ناحية علبة سجائري، يرمي بسيجارة إليْ، وأشعل لنفسه سيجارة.

  • بـ…س…م، اسم الله الرحمااااااااان الر…ر…حيم، قل أعوذ.
  • برب الفلق، من شر ما خلق. اششش، إنهم أشر ما خلق. قال.

سحب نفساً من سيجارته ونفخ دخانها.

  • ما….ما..ماذا تريد مني؟ قلت
  • أكمل لنا العشاء، لن يكون هناك الوقت الكافي حتى يهاجموننا. قال.
  • بااااااام. أطلقتُ رصاصتي.
  • هاهاهاهاهاهاع…هاهاهاهاهاهاع.

صدح بصوته واختفى، بحثت عنه في المكان…و، ماذا حدث بعدها؟ لا أتذكر، شعرت باختناق في عنقي، ثم سقطت عني بندقيتي. تذكرت اللص، كان يبكي، أكرر لك…كان يبكي، وعندما اختنقت سمعت ضحكاً، بحثت عن مكانه فوجدته في صدري. شعرت بالشبح يدخل جسدي، يحدثني: كانت الساعة الثانية، كنا أدنى إلى الجنة وإلى قطوفها الدانية، أعددنا العشاء حتى هاجمنا الإيطاليون، لم نأكل منذ أيام ثمانية. قتلوهم جميعاً قبل أن يأكلوا، وعندما وجهوا السلاح نحوي قلت لهم ” مانجريّا…مانجريّا”. أريد أن أشبع بطني لكنهم قتلوني، هاهاهاهاع..أعد لنا العشاء. همس في أذني وأعددت العشاء في الساعة الثانية ليلاً”. قال الأب، تحسس عنقه وشعر بضيق في صدره.

2

تحرك الرجل المرابط في دوائر داخل سجنه الذي بناه لنفسه، لامست يداه الحيطان، يدور..ويدور. دار مئات المرات إلى أن تبدى داخله شيء يقاتل رغبته في الحركة، لطالما توقف على صوت حركات الأقدام، عراك القطط في الخارج، عويل الطائرة البيضاء التي تخطف الأطفال في القرية، حديث الأموات في المقبرة أسفل هضبته، هبوب الريح في سعف النخيل، الأمطار والرعد ولهج المريدين، لكن هذه المرة…كان الصوت أضخم، أكثر خشونة، كمتاريس ومحركات تتغذى على وقودٍ، كثورة ضده. تلبس واقعه خياله وتلبس خياله واقعه ورأى والده في آخر مرة يراه فيها، زمن الغياب سماه. ركب الأب بحثا عن رزقه خلف الجبال، كان تاجراً من تجار قريته التي سيستوطنها القشتاليون في زمن الهروب، اعتاد الأب أن يصحب قافلة إلى بلاد المغرب، لكنه في هذه المرة لم يثق في صحبة الناس فاتبعد بما يحمله وحيداً، مضت أشهر على غيابه إلى أن أعلن أحدهم أنه وجده يصارع حتفه، أخبر أمه بما أصابه، عرف أن قطاع طريق بين الحمراء وأرض مراكش أرادوا سلبه ماله فقاتلهم حتى قطعوا عنقه. تسللت دمعة من مقلتيه إلى خذه، تذكر أنه اختبأ إذ ذاك لأيام وأمه تبحث عنه، كان يريد أن يلتقي أباه، وجده الحرس في إحدى دورياتهم في أحراشٍ تلتف حول القرية، أعادوه. ظل بعد ذلك يقتعد غرفته، أهمل وجود أمه واختلق وجود أبيه، كان يراه يحفظه القرآن، يدرسه علوم اللغة والدين وعلوم الحياة، يجلس على فخذه ويحكي له عن مغامراته أثناء رحلات التجارة، عن الخلق الذين رآهم. تدق أمه باب غرفته فلا يجيب، يتبع انصاته للأب الذي لا تراه. تدهورت حالها، ارتابتها الوحدة، نحلت، غرقت عيناها في الدمع، كانت تعيش بين المطبخ وعتبة غرفة ابنه ووسادة زوجها، تغيرت طباعها كما تغيرت طباع الابن. كان موت أبيه فاصلاً في حياته ومدعاة له للهرب أكثر وأكثر، للاعتزال والوحدة. كانت عزلته في البدء عزلة عقل.

1

في الحديقة حول البناء الأبيض، وضع الأب ابنه على حجر أمه، التفت إلى ما تبقى من عمله مع الكبش، قطع لحمه، كانت الأم قد أعدت الطعام، وضعت بعضاً منه في صحن ومررته ن فتحة في أرضية البناء ” وكلوا الدرويش…والمحتاج والقطوس، ووكلوا قبل الكل صاحب الكوخ. وما تاكلو من مقداره ذرة والا الحجاب يبقى مفسوخ”. عندما انتهى الأب رحل يحمل الوصية واللحم ليطعم كل من مر به: القطط والدراويش والفقراء الذين يعرفهم. نظفت الأم خلال ذلك المكان وجلست مع ابنها إلى البناء، ” يا سيدي…اشفيه وعافيه”، مسحت على شعره، أخذت وعاءً قد ملأت فيه من دم الكبش وسقت المجرى من جديد، سكبت بعضاً من الماء من الصنبور ليتحرك في المجرى ونثرت حبات البخور المتبقية ثم تحدثت:

” أي بني، كنت أريد أن أحتفظ بهذه القصة لنفسي إلا أنني أريدك أن تعود إليْ، هذا ردائي يا سيدي وهذا ابني. اشفه. ترزق الصحة يا وهاب. بني، كان أبوك يختفي لأيام، يركب شاحنته ويلتقي الخلق وأبقى وحيدة في البيت إلا لبعض من الوقت أمضيه صحبة الجارات والحبيبات ونساء العائلة، اعتدت على جدران وأثاث البيت، كان اليوم مهما ملأته فارغاً وهناك دائماً شوط طويل لأقطعه فيه. ولطالما توجست من الأثاث والنوافذ، كنت وأنا أعمل فيه أسمع حركة أو كلمة، فأبحث عنها ولا أجدها، لم تكن قد ولدت عندما بدأت الكلمات التي أسمعها تتشكل في أجسام أراها، كنت زوجة عشرينية وحيدة. لقد جئتَ متأخراً يا بني، لم أطق السنوات التي أمضيت نصف أيامها وحيدة دون والدك، تسقط صحون في المطبخ فارتعد لأبحث كيف سقطت، أستيقظ فجراً لأجد الغاز يشتعل، أرتب الملابس وأذهب لزيارة إحدى الجارات فأعود للبيت لأجدها موزعة مبعثرة، حاولت دائماً أن أتعوذ بالله، لم يكن البخور تترك رائحته البيت، أشغل مذياع البيت على محطات القرآن الكريم ليطمئن قلبي لكن لم تكن الظواهر لتختفي، كنت أرى ظلالاً تحت الشمس، أسمع حركات أرجل في باحة المنزل، أغلق كافة النوافذ والأبواب، ولكن وفي أحد الأيام..عندما كنت عائدة من زيارة جارتنا رأيتها في المطبخ، إمرأة تتدلى كبندول الساعة من السقف، شانقة نفسها، تنظر بعينيها الفارغتين في. تركت البيت، كدت أجن، لا أعرف لماذا كنت أراها كصورة عني في المستقبل إذا بقيت في البيت أكثر من ما بقيت وحيدةً”.

2

واختفت حكايات الأم، أنفاسها وأنفاس ابنها. كان الرجل المرابط داخل مبناه البيضاوي قد عاد مقرفصاً يبكي، شعر بأن أيامه تكرر، تذكر كيف قتل هروبه من أمِه أمَه، وجدها لما خرج من غرفته بعد أيام من السجن مشنوقة في المطبخ، خذلها إيمانها وخذلته. أحس بأشعة غروب الشمس تغرب عن بيته وأحس بأنه عاد وحيداً مجدداً بعدما اختفت حكايات العائلة خارج باحته. غفى. وفي حلمه، رأى نفسه شاباً، رأى جند القشتاليين يدخلون قريته، رأى نفسه تتلاطم قاربه أمواج البحر ويحل بهضبته يبني مكانه، ولما رأى السفن تشرع من جديد على الشواطئ والأعلام ترفرف خاف…أراد أن يغلق بابه ولما احتل الجند الشاطئ ونزلوا بالأرض وبحثوا عن كل من يعارضهم وجدوه في هذا المكان، في بيته البيضاوي الأبيض تلفه أشجار النخيل القزمة، يحاول الهرب. كان الجند يراقبون لهاثه وارتعاده، تقدم نحوه أحدهم إلا أن صديقاً له قال له باسبانية:

  • دعه…يبدو درويشاً.

يستيقظ من كابوسه، يرتعش، يحاول أن يسمع الجند الذين يريدون لحاقه، يصرخ. يسمع خطوات أقدام تقترب منه، كانت عائلة، جلسوا في باحته، كانت الأم تشعل ناراً، الأب يحكي قصة لابنه، الدم ينسحب إلى الفتحة داخل المبنى، كان الأب يسافر في شاحنته لما انقض عليه لص من الخلف بعد أن كان يهدد زميله الذي يبكي متضرعاً له، الابن يحدق في الدم، المرابط يتذكر أباه، الأم تحكي لابنها قصتها مع المرأة المشنوقة، يرى المرابط أمه تتدلى من الحبل، يرى الابن هروبه…يرى المرابط هروبه. الجند يسخرون منه. ينتهي يومه، يتكرر يوماً بعد يوم..المشهد ذاته منذ زمن إلى أن استجدت حقيقة اعتقد أنها خيال، محركات، آلات تتقدم، استيقظ من كابوسه، أحس باختلاف المشهد لأول مرة منذ زمان. فرح، هاهم الناس يعودون إليه مجدداً، هاهم المريدون سيدعون له مجدداً، شاحنات تتقرب. يسمع نداءً في الخارج:

  • لن ندع الدراويش يحكمون عقول الناس، قولوا معي: الله أكبر، الله أكبر…لا إله إلا الله، الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، الله أكبر… صدق وعده، وأعز جنده وهزم الأصنام وحده.

1

ذابت سنون عدّة لم يتمكن من عدّها، لم يُزَرْ فيها، لم تلتقط أذنيْه حركة الأرجل بين عتباته، ولم يرى من خلف الحِجاب ظلالاً تدور خلفه، لم يشتم رائحة البخور التي علقت في جدرانِه أبتْ أن تتركه، الضريح أعلى الهضبة كان وحيداً، لم يعد أحد في القرية يؤمن به، صار الجميع يسخرون من الدراويش وتحول بعضهم لكراهية ضدهم، تركه آخر مريديه باكياً بعد أن اكتشف أنه لم يشفي أحداً من عائلته، التم الناس في القرية خلف الرجال، كانوا يرتدون فساتين طوالاً تتضح عنها سيقانهم، ولج المغراف أشجار النخيل، ارتفع عالياً وارتمت يده على القبة وكسرت السقف، تحطمت الحجارة البيضاء بضربات متكررة كأحلامه.

 كان المبنى فوق الهضبة مهجوراً إلا أنّ رائحة البخور تبقت في صخوره وباحته حتى انتشرت تغطي الهضبة.

 

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s