هل اللغة الليبية حجرية…أم أننا نحن المتحجرون؟


سالم بحرون، لوحات الفنان الليبي الشاب
لغة سالم بحرون للتعبير عن نفسه، الألوان والفرشاة.

يبدو الحديث عن المشاعر في هذه الأرض شيء من “التابو”، أحياناً يمكنك حقاً أن تسنتج أنه تستطيع أن تتطرق لمواضيع عدة تبدو حساسة لدى الشعوب الشرق أوسطية من مثيل الدين، السياسة وحتى “الجنس” خصوصاً في جلسات المقاهي الشبابية وفي ردهات الدراسة والعمل، ولكن تبدو المشاعر دائماً… شيء لا نحب الخوض فيه ولا التفكير فيه،  إلا إذا كانت في صبغة بها بعض من السواد: نحن لا نخشى من الإفصاح بمشاعر الغضب، الكراهية، الحقد والحسرة. يمكنك بسهولة في ليبيا أن تخبر الناس أنك تكره إنسانا/شيئا/حيوانا ما على أن تخبرهم أنك تحب. هل كلماتنا التي نستخدمها هي مصدر هذا الإزعاج؟ يمكنك أن تلاحظ استخدام لغات شرقية وغربية للتعبير عن تلك المشاعر “الرقيقة”، أسمع الكثيرين يخبرونني ” I love somebody” بدلاً من “نحبه/نحبها”. تبدو الكلمات سهلة باللغة الإنجليزية أليس كذلك؟

حسناً، أنا من المؤمنين أننا نحن الذين نلبس الكلمات المعاني والمشاعر التي نريد، وهذا الاستدلال بالكلمات الإنجليزية بدلاً من الليبية الذي بدأتُ أعتقدُ أنه صار ظاهرة يمكن بسهولة دراستها ليس فقط على مواقع التواصل الاجتماعي، بل في جدران الشوارع والأحاديث التي يتلقفها الشباب –خصوصاً الجامعي منه-. ذلك الشباب الذي صارت السينما والتلفزيون الأمريكي جزءاً لا يتجزأ من حياته في الوقت الذي تراوح فيه كل المخرجات الفنية والثقافية في هذا البلد مكانها خوفاً من “الاستعمار الثقافي” و”الاستيلاب الفكري” والتهديد الذي تواجهه ثقافتنا، غير آخذين في الأسباب قرب انصهار العالم في بوتقة واحدة بداية كل يوم جديد. لطالما اعتبرنا مقاومة الاستعمار الثقافي كنضال لنا ضد الغازي منذ إعلان الثورة الثقافية في ليبيا دون أية بدائل محلية تملأ حياة الناس وتغذي مشاعرهم، دون الانفتاح نحو الإنسان الليبي، تاركين إياه في مواجهة الريح عارياً.

هل اللغة الليبية حقاً – ودعني أسميها لغة لأنها انصهار للغات عديدة رغم كون العربية أكثرها وضوحاً-، لغة متحجرة وقاسية وتشعر عندما تنطق بها كأنك آتٍ من الصحراء حيث لا ماء يروي كلماتك؟ لا ورود لتزينها؟ لا حنين ليؤرقها؟ أو حب يزينها؟ أم أننا فقط، نخجل من الفضح عن مشاعرنا التي قد تجعلنا ضعفاء: الحب، الحزن، الشوق، الامتنان، الصداقة وغيرها إلى تلك الدرجة التي لا ترى فيها الرجل يبكي إلا في جنازة أمه أو أبيه؟ هل البكاء حقاً مخل للرجولة؟ وهل أن تخبر حبيبتك/زوجتك/أمك/أختك/أباك/أخاك/صديقك: نحبك، يبدو…كشيء مخجل؟ لا أظنها كذلك، وذلك ببساطة؛ بفضل كلمة اعتدتُ منذ طفولتي على وصف أي شيء يعجبني بها: قنيْنة. داخل هذه الكلمة ما يجعلني أؤمن أنّ اللغة الليبية يمكنها فعلاً أن تكون مليئة باللطف، ليس لكونها “اطرابلسية” بالتأكيد، فسِمحَة أيضاً عندما تسمعها سواء في موسيقى محمد حسن أو من لسان بنغازي ستجعلك ترقص طرباً أو ستفطر قلبك صحبة كلمات أخرى.

إنني أستمتع بملاحظة الأمور اليومية البعيدة عن المنتصر والخاسر في المعارك الأخيرة، هواية قمتُ بتطويرها منذ نهاية العام 2013، ما لاحظته أن استبدال اللغة الليبية باللغات الأخرى سواءً الشرقية منها أو الغربية لم يتوقف عن مشاعر الحب والحزن والاشتياق فقط، بل تطور ليشمل الألفاظ “البذيئة” ليصبح استخدام “Fuck” شيء عادي تماماً لدى شريحة من الشباب بدأت تكبر كل يوم، بينما بقيت مثيلاتها الليبية بذيئةً. إذاً الأمر ليس في عنف وتحجر اللغة من عدمه، الأمر في الوعي المجتمعي وفي معركة “نفسية” و”ثقافية” يواجهها الجيل الجديد الذي يشعر بالاغتراب في وطنٍ توقفت فيه السينما منذ عقود، وتلونت الفنون الأخرى بلون واحد. من ما يدعو للتساؤل، لما كانت أشهر الأعمال الفنية الليبية في الثلاثين عام الماضية من مسرح،تلفزيون هي تلك الأعمال الكوميدية/الساخرة؟. لا عجب أن أول شيء قام به الليبيون بعد أن تخلصوا من القذافي هو محاولة بعضهم لتخريب تمثال الغزالة والحسناء إلى أن استأصلوه.

إن ما نراه ليس إلا رد فعل طبيعي للكبت الذي جعل الليبي لا يفضح عن مشاعره إلا في الموسيقى وطابور الجنازة، تقرأ في صفحات التواصل الاجتماعي وعلى الانترنت تعليقات ساخرة وناقدة للغة الليبية وكيف أن الممثلين فعلاً لا يتقنون كلمة “نحبك” التي يبدون وهم ينطقونها كأن ضابط تحقيق يخرجها من ألسنتهم، لكني أراه أفضل تمثيل للشخصية الليبية الحديثة التي تخاف فعلاً من قولها، شخصية تضررت منذ طفولتها من حملات القمع المتكررة من الإفصاح عن مشاعرها “الضعيفة” وتربيتها وتشجيعها على إخراج المشاعر “القوية”. شخصية كهذه يجب أن يتم تمثيلها هكذا.

حسناً، لستُ من أنصار أية قومية أو وطنية أو هوية أو قضية، أنا مجرد عابر في هذه الأرض، أرى أن اندماج الثقافات واختلاطها شيء جميل وأن كل إنسان لديه الحرية الكاملة في التعبير عن نفسه باللغة التي تحلو له حتى وإن كانت لغة من اختراعه الشخصي أو حركات يقوم بها بوجهه ليفصح عن مشاعره أو حتى “إيموجي”. لكنني أيضاً أتساءل: لماذا يخاف الليبيون حقاً من الإفصاح عن مشاعرهم باللغة التي ولدوا وتربوا على سماعها؟ هل الهروب من اللغة الليبية هو الحل الأمثل للخروج من عباءة العجز عن التعبير عن النفس؟

هل حان الوقت لنقول وداعاً لـ “نحبك” ونرحب بآي لاف يو؟

 

3 رأي حول “هل اللغة الليبية حجرية…أم أننا نحن المتحجرون؟

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s