الحـائطـــية (1)


(0)

هذه الحائطية ليست سوى نتاجاً للهذر والسهر والتفكير في قضايا تافهة كصاحبها، ليس لها رسالة سوى توثيق كل تلك الأجوبة لسؤال الأخ الأزرق الكبير لي كل يوم عن ماذا يخطر ببالي، بالحائطية شذرات لا يربطها شيء سوى كوني كاتبها.

(1)

أنا مرتبك طيلة الوقت، هناك شيء ما يلاحقني لا أعرف كنهه.  كل ما أعرفه عنه أنه مثقل بالحياة ومكنوناتها البسيطة، أكون مرتبكاً عندما أضع قدميْ على أبواب الكوشة فأجد العشرات منتظرين حول صندوق خشبي، يلتقطون الخبز وهو يتطاير من يدِ العامل إلى الصندوق، أرتبك حقاً عند البدء في يوم جديد، سيكون علي مواجهة المتاعب الدنيوية الاعتيادية، بنزين في السيارة، سجائري المفضلة التي أبدلها حسب تبعيات السوق، أحاول دائماً الاحتفاظ بسجائر ذات جودة متوسطة، أرتبك كثيراً عندما أقف أمام اسطى القهوة لأطلب منه قهوتي. عادةً أدخل المقهى أبتسم في وجهه وأفرغ كافة كلماتي في وجهه ” صباح الخير، كيف الحال، كريمة لو سمحت” غير منتظر منه إجابة. أرتبك عندما يتصل بي أحد الأصدقاء، أرى المحادثة الهاتفية مثقلة بالمسؤوليات الاجتماعية والنفسية والعاطفية والاقتصادية أيضاً، ولكنني في أشد ارتباكي عندما يوقفني الملثمون في البوابات العسكرية يسألونني عن صحتي، سيارتي، مدينتي وأي الطرق أتيت منها وهل لديْ ممنوعات أم لا، أحمد الله دائماً أنهم لا يفتشون عقلي.

أنا مرتبك طيلة الوقت، إلا في تلك اللحظة التي أختلي بها بنفسي لألتقط جزءاً من الغبار الكوني وأنا أطير بين الكواكب، أزور لندن، أقف مشاكساً لجندي الحراسة الملكي، أجلس في إحدى مقاهي أمستردام أو أركب سيارتي في السريع، أو حتى أستلقي متخيلاً حبيبتي تغني لي.

(2)

للحظات كنت أريد تذكر الأعاجيب السبعة التي سبقت الأعجوبة الثامنة للبشرية، تلك التي كنا ندرسها في كتاب المجتمع، نراها في تقارير قناة الجماهيرية، ونسمع عنها في نشرات الأخبار وما إلى ذلك من مناشط، النهر الصناعي العظيم، كنا نسميها. الآن صار اللفظ أسهل للحفظ وأبعد عن الفهم.

وحاولت تذكرها، خرجت بأربعة أسماء فقط، حاولت تذكر المزيد ولكن يبدو أن ذاكرتي ألقت بها إلى القمامة صحبة المعادلات الرياضية والكيمياء والمحاصيل التي تنتجها ليبيا في كتاب الحيوغرافيا، ولأنني أصبحت ناضجا لأعترف بهزائمي كهزيمتي اتجاه الكتابة، سألت العم قوقل، وأجابني بصفحة لويكيبيديا تخبرني أن هناك الكثير من اللوائح عن الأعاجيب السبعة في العالم، بعضها من صنع البشرية، بعضها من صنع الطبيعة، بعضها مختلط. وأن الرقم سبعة ليس رقما عشوائيا بل كان رقما يحبه الأغريق الذين كتبوا أولى اللوائح بخط يد هيرودوت نفسه مؤرخنا المعروف، كانوا يقدسونه كرقم للكمال والجمال. ولكنني شككت في كون اللائحة هي التي درسناها مع توارد بعض الأسماء المألوفة.

ثم ركزت في رقم ثمانية، الرمزية التي يحملها، توارده علي منذ سبتمبر الماضي مرات لا تحصى ضحكت فيها صحبة صديقي الحلاج، ما المقدس فيه حتى لا يستبدل القائد أحد الأعاحيب السبع الأخرى، كالأهرامات مثلاً؟. لابد أن النهر الصناعي العظيم كان أكثر أعجوبة منها، أعحوبة إعلامية يجب التركيز فيها أكثر، عدد الأحلام التي ضيعت فيه، الآمال، القرى المصحرة، الموارد البشرية والمادية والمعنوية والمالية. حتى يمن القايد على شعب من سراب به، أو يقفل بدوي غاضب الصنبور المؤدي لفوزية حتى تغسل صحونها، أو ثائر يريد بعضا من السلاح ضريبة. ككل شيء غيره…أعحوبة، وتذكرت هيرودوت الذي نفخر بذكره، لما لم يضمن عن ليبيا أعجوبة، خصوصاً أننا ننقل عنه أن من ليبيا يأتي الجديد؟ ولكن من أنا لأتساءل وسط هذا الخراب؟ من؟

(3)

ما الذي يحاول أن يقوله الجَرَاد؟ إنه يسقط في كل مكان، في أواني الطعام وفي حبات المعكرونة، على رؤوس الأطفال، وعلى عروسة كانت لطفلة ما تمشط شعرها كل يوم، يسقط في قناني الفودكا لشلّة تنزوي بقدرها الميؤوس منه بعيداً، يسقط على المنازل والأبقار والماعز وشجر الزيتون وفي كراهب الكادحين، لكن اللعين لا يسقط أبداً على رؤوس العساكر، ولا ينزع أشلاءهم، ولا يخرّب العكّاريَات التي تحمل الأربعطاش ونص على عاتقها، لا يسقط على أبناء القادة البعيدين في بلاد الكفّار ولا على السياسيين أيضاً، لابد أنه يحاول أن يرسل رسالة ما لهؤلاء، لأنه لا يمكن أن يكون سافلاً لهذا الحد، أن يترك السفلة أحياء ويسلم كل هؤلاء لملك الموت، لا يمكن أن يصح المثل الذي يقول ” العافن ما يموتش”.

 

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s