الحائطية (2)


(1)

لديْ صديق عشتُ معه أياماً طويلة في تونس مليئة بالمغامرات، إحدى تلك المغامرات كانت تخص تعرفنا على رجل فرنسي، كان صديقي كريماً جداً إلى تلك الدرجة التي أغصب فيها الرجل الفرنسي على استعارة مظلتي الخاصة لنخوض أنا وهو يوماً من المطر في شوارع بورقيبة، لا يحمينا سوى رؤوسنا المليئة بالضحك. بعد ذلك، لم أعد أضرب مثل الكرم بالطائي، بل بصديقي الذي أريد أن أحافظ على سمعته دون ذكر اسمه.

“البندقة”، هي الأخت الكبرى للكرم في ليبيا، والبندقة مصطلح واسع يشمل الكرم بحاجياتك وحاجيات الآخرين من حولك وربما حتى بأشياء ليست عندك، فقد كذب من قال ” فاقد الشيء لا يعطيه”، في ليبيا… فاقد الشيء يعطيه ويزيد عليه، بسهولة يمكنك التمعن في السرّاج وقراراته، أمي ونقود أبي، صديقي ومظلتي، حفتر وكرامته، الشعب الليبي وطريقته المحافظة في الحياة، طرابلس والمليشيات التي تتداولها كأنها عاهرة لكل دوره في مضاجعتها، المثقفون الليبيون والألقاب التي يخلعونها على بعضهم البعض، الإعلام الليبي والحقيقة، وزير الثقافة والثقافة، الناشطون المدنيون والمدنية والإنسانية التي “يتحلون” بها، الزقعار والدين، البقرة والحليب الذي يذره، معمر القذافي والنضال، التراث الليبي والمتعاركون عليه من أجل أن يبيعوه في مزادات علنية في كل مكان، عمي وسيارتي، زيدان وملابسه الداخلية، البطولة والمجاهدون والمناضلون والكتّاب الأحرار الذي يتملئ بهم هذا الوطن، ليبيا والموقع الاستراتيجي، قدرتنا التي يخاف منها الغرب ويحاول تشتيتنا من أجل أن لا نتحد، العرب ووطنهم المشترك في “الهندسة” حفاظة القرطاسية خاصتنا، الأمازيغ ووطنهم المسلوب منذ 2000 سنة أو يزيدون، وكل تلك الشعارات والحروب والقضايا والقرارات وانفاص الطن في مقصف المدرسة.

(2)

أصبحت أشك في جاذبية مدينة كطرابلس بدون مشاهد القبح اليومية: القمامة، طوابير البشر على المصارف، زحمة السيارات، اضمحلال اللون الأبيض من المباني الإيطالية وتسلل الأصفر الرملي بدلاً منه، المليشيات، نافورة الغزالة المتكسرة، والأضرحة المكلومة، رائحة المجاري النافرة، سيدي الشعاب، والغبار كل ذلك ممتزجاً بما تبقى من شراشف ليلة زفافها مع البحر، طرابلس… هي الأنثى الليبية، تبدو جميلة ورائعة في البداية وعندما يتكاثر عليها الأزواج تفقد روحها إلا أنها رغم ذلك، تحول كل ذلك القبح إلى جاذبية ما. شيء كالخدعة تمارسها.

 وأتخيل طرابلس جميلة وهادئة ومسالمة دون أية قيود تردعها نحو الجمال، كم ستكون متكررة…كم ستكون عادية غير مجنونة. كم ستكون مسالمة وفاتحة ذراعيها نحو الحياة، وأقول…ربما عندما يأتي ذلك اليوم، عليْ حقاً التفكير في هجرانها.

(3)

اغزالة،،

سلمي لي عالأحياء البحرية، على نورس يرقص فوق شطآن تاجوراء يحاول أن يسرق سمكة من خزنة البحر فيلهمني، على رقصٍ أمام شاطئ بعيد ينعم بالسكينة والفتيات اللذيذات يعصرن الغنج نبيذاً للناظرين، على عاشقين يتمشيان بخوفٍ في كورنيش اطرابلس يتفقدون آثار تمثال الغزالة التي حملت الحرية صحبتها لينهش الجائعون غزالها في حفلة شواءٍ لأكلة التراث، سلمي لي رجاءً على النبكة تنفخ في شاطئ مصراتة روحاً تبتهج بسيدي مورجانتي، على خفر السواحل الذين يمضون لياليهم في تتبع دخان الوقت ينسحب كبكاءِ الطيرة في ليل الموانئ التي تعج بالمهاجرين، سلمي لي على مهاجرٍ أسود حاول أن يمضي قدماً للهجرة إلى الشمال فوجد نفسه يأكل المعكرونة بعيداً جداً عن رائحة البحر التي تحتل الأزقة صباحاً. سلمي لي على البحر، رجاءً… لأنه يبدو، العائق الوحيد بيني وبين أن أغرق أرقاً من الذوبان في حبك.

(4)

غير صحيح، عندما يحل الليل ينطفئ العالم ويخرج القمر ليراقب البشر وما يصنعون، أتذكر مجموعة من الشباب يسيرون في خط مستقيم لا يعوجه سوى صوت البورجيجي وهو يغني للأزهار لتهدأ.

 منذ متى وقد كنت في عهد يرغمك على التنازل عن تقبيل الأيام بلهفة؟ منذ متى استعرضت كونك شر لا بد منه؟ هاهم أبناء عمومتك يمارسون الطقس نفسه، إنهم جميعا أبطال في معركة لا شر فيها، إنهم الرجل الخارق والمرأة الرائعة.

ماذا تبقى لبائعي السجائر والحكايا المبهجة؟ هل تبقى من رائحة العرق الذي يندى في صدر السماء سوى مطر تغريك للابتعاد أكثر؟؛ قل لي… ماهي الحقيقة؟ الحقيقة هي أن تتنكر للحقيقة وأن تلبس الجرد والمعرقة وتعزق الأرض بأغاني الشعير… شباب زي الورد، شم ولوح. هذه هي الحقيقة.

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s