الحائطية (3)


(1)

قليل البخت يعضه الكلب في الزحمة، وقد عضتني الأيام دون العباد حتى صرت مستكلباً، كلب مسعور يبحث في أعين الناس ويتصيّد خوفهم من كلماته الجارحة، أحياناً أنبح في وجه أمي أنه لو أمكن أن يعود بي الزمن عندما كنت في بطنها لركلتها بكامل قوتي حتى تسقطني ميتاً، أحياناً أخرى أخبر حبيبتي أنني أتمنى أن أكرهها، وأخرى أخبر هذا الوطن أنني أرجو له أن يحرق حتى آخر ورقة توت به.

 ذات يوم وبعيداً في الزمن استيقظت ليلاً في الجبانة القريبة، أشتم رائحة جدي، أحرك بمقدمتي تراب قبره لأخرج عظامه، أعضه بأسناني الدبقة، يقولون أن وحده الكلب الذي ينسى أصله، وأنا لا أريد أن أنسى أصلي فقط…بل أن آكله وأرميه للمجاري. وها أنا الآن، أدور مشرداً في شوارع هذا الوطن… قماماته، في الفجر، أبحث عن تقي واحد على الأقل لأركض خلفه قبل أن يرميني بحجر.

(2)

القضية الأساسية أن الحياة هنا لا “بنة/طعمة” فيها وستحتاج لجهد عظيم لتتذوق لحظاتها، أن تنهمر في أسلوب الحياة الليبي ترتكز بقهوتك على الأنقولي وتنتظر الفتيات يمررن بجانبك في زحمة السيارات والزمامير والمتسوقين داخل بن عاشور أو جرابة أو عمر المختار، تكون تلك اللحظة الوحيدة التي يمكن أن تستمع بوجود الأنثى أمامك خارج أسوار الجامعة والمقاهي النسائية منذ أيام الأعراس داخل الخيمة، حيث كانت رغباتك تتفتق أول مرة اتجاه جمال الأنثى.

أمور أخرى يصعب تذوقها نظرا لضيق الحال، تقييد أحوالك الشخصية، تغلي الدنيا عليك بدولاراتها وديناراتها، هذا بالطبع بعيدا عن أن هذا البلد يفتقد لحانة واحدة على الأقل، وطريق تمشي فيها دون أن تصاب بسعار الأمن والآمان، وفتاة تمشي بتنورتها، وعازف كمان يستلقي الجدران ويعزف من أجل بضعة دنانير، وراقصة باليه تمشي راقصة في وسط البلاد، وسينما واحدة يخرج منها الأصدقاء ممتلئين حتى ولو بأفلام السبعينيات والتسعينيات، لا غرو أننا حقا أصبحنا نشبه الجرذان…نسترق البنة استراقا.

(3)

اغزالة،،

 لو كوني حيوان هو الذي سيأتي بالحقوق والحريات لي، فأنا حيوان… وخصيصاً ثور، لديْ الحق في المرعى الأخضر والتوهان فيه حتى المساء، ولديْ الحق في العمل بالحصادة، والحق في العودة لبقرتي في الليل أطفئ في حضنها مشاق يومي، أطلق عنقي من الحبل الذي تربطني به.

 أنا كلب… لديْ الحق في الشرود للشوارع والارتماء على أكياس القمامة دون أن يزعجني طفل غبي بحجارته، ولديْ الحرية في أن أركض خلف كل السيارات التي أراها أمامي، كما أنه من حقي مشاكسة قطط الطريق، والنباح بأعلى صوتي عن حقي في الطعام. أنا فأر لديْ الحق في جبن، وحرية التنقل داخل ردهات المنزل دون الخوف من الموت، والحق في السباحة في بحر الدقيق. وأنا عصفور، عصفور قصبي بالتحديد، لديْ الحق في التحليق… التحليق عالياً بعيداً في أي مكان.

أنا خروف، لي الحق في تتبع خطى القطيع أو أن أتزعمه بقرني الجارحين، ولطالما أردت أن أكون سلحفاة، أمضي يومي دون عناء بحقي في الاختباء من كل هؤلاء المزعجين والمترقبين الذين يحومون حولي، أعيش مئة سنة تحت شجرة رتم أو بجانب صخرة ضخمة في غابة شحات. هذا حقي الطبيعي .

أنا جمل، ومن حقي أن يمجدني هذا الشعب وأن يقدسني، لي الحق في السفر والارتحال صحبة التائهين داخل الصحراء دون أن أجد نفسي فريسة لقطاع الطرق. وبالأخص أنا ودان، من حقي أن أحتفظ بقفزاتي في صخور الأكاكوس بعيداً عن طلقات الرصاص لصياديكم.

ولكني إنسان ولا حق لي سوى النواح، ارتكاب التفاهات، وأن يلهيني التكاثر.

(4)

في السادسة، كنت أسرق الألعاب من رفوف بيت عمي، كنت كطفل لا أصدق ولا أحتمل كيف يضع أطفال عمي لعبهم الصغيرة في الرفوف كأنها تحف أو مزهرية مزيفة فقط للتفرج عليها، وليسقط الغبار كالثلج يغطيها ويتناسون مع الوقت وجودها، أجد طريقي للرفوف عاليا. أسرقها، أعود بها للمنزل وألعب بها، أجسدها وأسميها وأعرفها على بقية ألعابي وأقتلها وأملؤها بلعابي، دمي ومخاطي وعرقي ومن ثم تختفي فجأة فأبكي على فراقها.

وأنا الآن أسرق القصص من ألسن الناس، عيونهم، أفكارهم، وجوههم، ملابسهم والكلمات العابرة التي يلقونها دون انتباه. لا أحد حولي يكترث للقصص، يتناسونها كأنها ألعاب تركت فوق رف. أتناولها بيدي وأشكلها، أسميها، أجسدها وأعرفها على بقية القصص التي ألعب بها، أقتلها وأملؤها بمنيي، دمي، عرقي وترهاتي. أخيطها مع بعضها كأنها سروال عامل في حقل بطاطس في مزارع تاجوراء. أكتبها ومن ثم أبكي على كتابتها.

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s