هل يستحق الشعب الليبي ما ترسمه وسائل الإعلام عنه؟ (1)


حسناً، عند قراءتك لسؤال كهذا، عليك أن تفكر حقاً عن ما الذي ترسمه وسائل الإعلام والترفيه بأنواعها عن الشعب الليبي؟ تلك الوسائل التي تصنع صورة نمطية لشعب بأكمله، ملامح يمكن للمرء أن يتعرف عليها عندما يسمع كلمة ” ليبيا”، كالسوشيال ميديا، الراديو، التلفزيون، الصحف والجرائد، الكتب وصالات السينما.

حسناً، يمكنك أن ترسم صورة لليبي من ما تتلقاه من قصص عنه، هو أحياناً بصورة الإرهابي، ليس الإرهابي بالمعنى “الديني” لها الآن، بل بالمعنى “السياسي”، حين كان يحاصره العالم مع الأخ القائد ويتعلم منه بشدة كيف أن تكون مناضلا ثورياً ومؤمناً بالنظرية العالمية الثالثة، ليس بمعناها السياسي، بل بالمعنى الثقافي والاجتماعي الذي خلفته على روحه المطحونة ولكن المتشبعة بغبار الأنظمة التي تناولت حكمه وتناول إدلاء فروض الطاعة لها في آخر الآوان مهما بدى في البداية “كاسحاً” عندما تعتريه النعرات القبلية والحروب الأهلية المتتالية، شعب عاش أكثر من 400 سنة من الحروب الأهلية المتتالية، سواء في السلم أو الاستعمار أو الحروب العظمى أو ما بعدها، حروب كان الأخ القايد أول من أفلح في أن يخمضها تحت حكمه العسكري/القبلي، يسكت المنادين ضده في كل مكان، في أي مكان، في أي زمان، وعلى مرأى من العالم أجمع، الذي كان يتفرج، قبل أن يتورط القايد نفسه في قضايا “أكبر” منه.

يمكنك أيضاً، أن ترى الليبي بصورة الأخ القايد ذاتها، رجل أتى من الصحراء، يرتدي البذلة العسكرية، وينصب خيمته بالولايات المتحدة الأمريكية، أو يخطب في أمم أفريقية يخبرها أن الكولا أفريقية – بالطبع لم يكن يعلم العالم بأن القايد كان يقول أيضاً للشعب الليبي في ذلك الوقت، اسرقوا منازل بعضكم البعض، انتزعوا أموالاً ليست لكم من أرباب أعمالكم، وسيارات الأجرة التي تستخدمونها، ليست لأصحاب الرزق، بل هي لكم لتركبوها، لأن العالم لم يكن يكترث حقاً للشعب الليبي، واقفزوا في الشقق!-.

وغيرها من تلك الصور التي لازلنا نرسم بها -وحتى بعد قضاء القايد نحبه-، في دولة، أنت قاتل لبائعات الجنس، في أخرى، أنت إرهابي داعشي، في ثالثة: أنت تاجر بالأرواح البشرية، في مدينة ليبية: أنت إرهابي، في أخرى: أنت خائن. في دول كثيرة أنت: ليبيا؟ لبنان؟ آه قذافي!! حرب أهلية؟! مجتمع متحارب؟!

هل أنصفت وسائل الإعلام الشعب الليبي في كل هذه الصور؟ لماذا تصوره بهذه الصورة؟ من هو السبب؟ الأخ القايد؟ جرحى الثوار ومرافقيهم؟  قادة الحرب  الأهلية الليبية وجنودهم وحاشياتهم ومشجعوهم؟ أم الليبيون المسافرون لدول العالم كل يوم، سفراء الثقافة الليبية؟

حسناً،

سأبدأ بالسينما العالمية:

تطرح أفلام كثيرة في السينما العالمية فكرة عن ما قد تعنيه كلمة “ليبي”، حيث رسمت مجموعة من الأفلام الشهيرة كباك تو دا فيوتشر (Back to the Future)، ذا ديكتاتور ( The Dictator (  وحتى فلم ذا إينجل (The Angel) الذي انتجته شركة نيتفلكس مؤخراً عن أشرف مروان، المسمى: الذراع اليمنى للسادات، والذي كان له دور في عملية السلام بين مصر و-ما قد كانت أستاذة التاريخ (قناة الجماهيرية) تخبرنا- قوات الاحتلال الصهيوني.  هذه الفكرة التي تطرحها هذه الأفلام، تشابه بعضها البعض، فهي لا تهمها حتى ماقد تكون اللهجة الليبية –وهي علامة على هامشية هذه التفاصيل لدى المشاهد المستهدف- ولا ما الذي يلبسه الليبيون، ماهي تفاصيل وجوههم أو شكل بناياتهم وقصور رؤسائهم.

فلم باك تو ذا فيوتشر، يصور الليبيون على أنهم شبه-هنود إرهابيين يركبون الرداء البكستاني ويتحدثون بكلام غير مفهوم، رغم أن الفلم ليس فلماً كوميدياً بقدر ماهو فيلم ساينس فيكشن، تطرح هوليوود من هذا الفيلم – الذي أحبه حقيقة- حقيقة لا جدال فيها: الليبيون متوحشون! ربما هذا يرجع لأن سنة انتاج الفيلم كانت علاقة أمريكا بليبيا في أشد حالاتها بؤساً بعدما قام القذافي بما قام به في الثمانينيات من عمليات جنونية، لكن لماذا لم تسمي هوليود تلك الشخصيات بالقذافيين، لماذا قامت بتسميتهم بالليبيين؟ إنه خطأ يجعل الوقوع في الستريو تايب سهل جداً.

فيلم ذا ديكتاتور، الذي أنتج بعد موت القذافي، كان فيلما كوميدياً يلعب دوره الممثل الساخر  ساشا بارون كوهين –الذي مثل دور بورات المشهور-،  تقع أحداثه في دولة “وديعة” الغنية بالنفط في شمال أفريقيا، لكن رغم اختلاف اسم الدولة عن ليبيا ورغم اختلاف مكان شعر علاء الدين (الشخصية الرئيسية) عن مكان شعر القذافي، إلا أن الرموز في الفيلم واضحة: هو فيلم يسخر من القذافي ومن الشعب الليبي وطريقته في الحياة بل ومن عاداته الاجتماعية ومعتقداته، لكن كما قلت بطريقة رمزية تفضحها البدلة التي ترتديها شخصية علاء الدين الديكتاتور الحاكم على دولة “وديعة” – أنا هنا لا أتحدث من منطق ناقد للفيلم، فهو أيضا أعجبني…غالباً لا أشعر بأي قدر من الحزن اتجاه المعتقدات الخاطئة التي يصبغها العالم علينا، فكما سيأتي لاحقاً، لنا نحن أيضاً دور في تطبيع هذه المعتقدات-،  فبعيداً عن شكل الشخصية والملابس التي ترتديها وكونها ديكتاتورية أم لا، إلا أن الشخصية تأتي بانطبعات مجتمعية من المفترض أنها قد تشربتها منذ الطفولة كوأد البنات، النظرة الاستحقارية لجميع البشر، حقوق المرأة والكراهية للغرب، نعم هناك شيء من الواقعية فيما تضعه الشخصية من ملامح عن الشخصية الليبية إلا أنها مبالغة لدرجة غريبة، حتى أنك تدرك بأن صانعي الفلم لم يقوموا بأي جهد لاكتشاف ما هي تلك البلد التي يحاولون أن يصنعوا رمزاً لها.

ورغم أن الفيلمين السابقين هما من أفلام الخيال، بحيث يصعب انتقادها –إذ أؤمن أن الخيال يمكن أن يكون متهوراً واستفزازياً في مواجهة الواقع-، إلا أن فيلم ذا إينجل، يعطيك نظرة حقيقية عن ما تصوره السينما عن الشعب الليبي. تظهر في الفيلم شخصية القذافي الحقيقية –إذ تجري الأحداث في ما بين فترتي حكم جمال عبدالناصر وأنور السادات-، وتظهر شخصية أشرف مروان في زيارة لليبيا، ليلتقي بالقذافي الشاب. وتجري المحادثات باللغة العربية. ما يصوره صانعو الفلم عن ليبيا والقذافي والشعب الليبي بصفة عامة يعد ليس فقط من قبيل المغالطات التاريخية بل من قبيل التهجم، حيث أنهم يصورون القذافي يعيش في قصر (ليس فيه أي ملامح ليبية، بل قصر يشبه قصر الخديوي إسماعيل في مصر)، حوله الراقصات الليبيات اللائي يرتدين ملابس الرقص الشرقي، حيث يعيش العقيد في رغد، كما يعرض على أشرف مروان مجموعة من الفتيات الليبيات ليمارس معهن الجنس، هذا إذا لم نؤخذ في الحسبان اللهجة التي يتكلم بها القذافي والبعيدة كل البعد عن اللهجة الليبية والملابس الليبية المصورة خطأً. ولأن الفيلم فيلم تاريخي، كان على الكتاب أن يقرؤوا عن تلك الفترة ما بين 1969 و1973، حيث كان القذافي وأعوان ثورته يؤمنون بالجمهورية الليبية ولم يذوقوا بعد رغد العيش، هذا ناهيك عن الحارسات الليبيات اللائي لم يتخذهن القذافي إلا بعد ذلك بسنوات عدة.

لماذا قامت هوليود وغيرها من صناع السينما العالمية بهذه الممارسات التي تعد جاهلة سواءً اتجاه شخصية الشعب الليبي ذاته، أو في شخصية القذافي التي يبالغون فيها – رغم كونه ديكتاتوراً ووحشياً-؟

حسناً، لديْ إجابتيْن لهكذا ممارسات: الأولى، غياب القوى الناعمة الليبية وتأثيرها على أرض الواقع، ثانياً، عدم اهتمام هوليوود وصناع السينما العالمية بالتفاصيل الصغيرة الخاصة بشعب بأكمله ليس جمهورهم الذين يبحثون عنه ليشاهد أفلامهم.

فلنبدأ بالقوى الناعمة الليبية، والتي يقصد بها العاملون في قطاعات الفنون البصرية والسمعية،  تلك القوى التي لازالت تراوح مكانها لعدة أسباب: اجتماعية، سياسية، ثقافية وإعلامية. لم تستطع أن تثبت جدارتها طيلة السنوات لتظهر الشخصية الليبية للعالم، رغم وجود مواد تفوق الروعة من الأدب الليبي – والذي من المفترض أن يعد قاعدة لهذه الفنون-، فالأدب سواءً في أشكال القصة، الرواية والشعر لازال حبيساً الكتب التي طبع فيها. إذ تجاهل صناع الأعمال التلفزيونية الليبيون أعمال عظيمة كقصص كامل المقهور الطرابلسية، روايات إبراهيم الكوني الصحراوية، وسحرية أحمد يوسف عقيلة وغيرهم من الكتاب الليبيين اللامعين الذين قدموا قاعدة درامية، فنتازية، رومانسية، مغامراتية (وضف على ذلك من التصنيفات) مميزة يمكن الاتكاء عليها لصناعة أعمال سينمائية وتلفزيونية فائقة في الجمال، بدل الاعتماد على حس الكوميديا المبتذل والذي صار يلوكه المجتمع الليبي كصحن الشوربة في ليالي رمضان. بالطبع هناك أعمال تلفزيونية “جيدة” على أحسن تقدير، إلا أنها جميعاً لم تنجح في صنع جبهة للقوى الناعمة الليبية في أي مكان. وهذا يعود لعدة إشكاليات يصعب تناولها هنا، لكن يمكن الانعطاف عليها وذكرها بسرعة كـ: الرداءة التي رسخها نظام القذافي من محاربته لقطاع السينما وتعمده ترسيخ كراهية كل ما هو غربي، حتى في فنون جميلة كالموسيقى والسينما، وزرعه غير المباشر للكراهية في عقول الشعب الليبي لدور السينما، بالإضافة للمد الديني الصاعد الذي ساهم في عدم تحرر تلك الصالات من عتقة الزمن ومجابهتها لهذه الكراهية. ذلك بالإضافة لغياب الحس النقدي لدى الشريحة “المثقفة” التي تبجل كل عمل فني جديد، فقط لدعم الإبداع و”التجارب الجديدة”، حيث صارت حجة كل من يصنع عملاً درامياً في السنوات الماضية للناقدين والساخرين منهم أنهم لازالوا في بداية المشوار، وأن عقود التجهيل التي قام القذافي بتسليطها عليهم هي السبب، رغم تمكن أغلب هؤلاء الصانعين من شراء المعدات التقنية والأجهزة التقنية المتطورة لسهولة شراءها – فليبيا بلد اللاضرائب!-.

أسباب أخرى، تتأصل في تكوين المجتمع الليبي الخائف من التطوير والتحديث، وخسران نمط حياته “المحافظ” – الكلمات التي أذكرها بين علامتي تنصيص، هي كلمات لا أؤمن بها- وغياب دور المهارات الفنية والوكالات الباحثة عنها والمقيمة لها سواءً في الفنون البصرية أو السمعية أو حتى الأدب ذاته، إذ أن غالبية من يعملون في هذه المجالات، لازالوا يجدون أنفسهم كأنهم موظفون لدى الدولة، غياب الحقوق الخاصة بهؤلاء الأفراد العاملين، وشبه ابتعاد الأنثى الليبية عن الظهور في هذه المساحات –إلى تلك الدرجة التي يضطر فيها العاملون لتوظيف مهارات من بلدان عربية لتمثيل أدوار ليبية-، صغر حجم العاملين في هذه القطاعات، حتى أنك تكاد تحفظ أسماء الممثلين جميعاً، سواء أولئك الذين يلعبون أدواراً ثانوية أو أساسية – هذا الأمر تعاني منه جميع القطاعات، إذ يمكنك بسهولة رسم شبكة من العلاقات التي تكاد تكون عائلة، عائلة الممثلين، عائلة المخرجين، عائلة كتاب السيناريو، عائلة الأدباء والشعراء…إلخ-، وانعدام التواصل بين مكونات القوى الناعمة، فليس هناك اتصال بين الوسط الفني البصري والوسط الأدبي، وغياب دور المترجمين والنقاد الليبيين في ترجمة ونقد الأعمال الليبية، وعدم وجود مستمثرين فاعلين من رؤوس الأموال في هذه المجالات، والقائمة تطول.

كل ذلك، يجعل من الصعوبة إيقاع اللوم على هوليوود وغيرها من منتجين الأفلام العالميين والذين يضطرون أحياناً لتناول الشخصية الليبية. فكيف ستطالب هوليوود بأن تمثلك جيداً وأنت لا تمثل نفسك جيداً؟!  كما أن بعض الأفلام السابقة الذكر وغيرها التي تم تناول فيها الليبيين كانت في عهد القذافي، ولا يمكن لليبي صاحب عقل أن يقوم بدور شخصية ليبية تنتقد ممارسات العقيد، إذ أنه سيجد نفسه ميتاً في شوارع كاليفورنيا. لكن دعني أعود لفيلم ذا إينجيل، فالفلم ليس صناعة هوليوودية، هو صناعة إسرائيلية، ومن المعروف أنه هناك شريحة جيدة من الليبيين اليهود في إسرائيل، فلماذا لم يقم صانعو الفلم بالبحث عن مواهب في ذلك المجتمع؟ ببساطة، وكما أخبرت في البداية: لأن العالم لن يهمه كيف يتم تصوير الشخصية الليبية حتى إن كانت تلك الشخصية هي أكثر شخصية ليبية مشهورة في العالم –وهذا للأسف الشديد-: معمر القذافي! والفلم الوحيد المرسوم عن الليبيين والذي به الكثير من الدقة هو فلم عمر المختار، رغم كون هذا الفلم به الكثير من المغالطات التاريخية ككلمة ” نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت”، وكون شخصية عمر المختار في الفيلم استغلت تاريخياً وسياسياً لدعم صورة معمر القذافي وتمجيد صورة عمر المختار بدون بحث موضوعي عنه، حتى أنك تكاد تعتقد أنه رسول مبعوث من الله، هذا عدا عن مساهمة هذا الفيلم في تهميش ما يجب أن يكونوا رموزاً حقيقية لليبيا، سواءً من قادة سياسيين أو أدباء، الفيلم جاء ليس حباً من القذافي في عمر المختار ذاته، بل لأن القذافي سيسشعر بمأزق وجوده وحيداً كرمز للشعب الليبي، فبحث عن شخصية لا يجد حرجاً تاريخياً أو سياسيا في تقديمها كرمز للشعب الليبي، لتثبيت شرعية وجوده في محاربة الاستعمار الأوروبي الغاشم الذي جاءت ثورة الفاتح للقضاء عليه – وما صورة الشيخ الغرياني صديق عمر المختار الذي صور بصورة الخائن إلا دليل على تسييس الفيلم لمصالح القذافي-.

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s