جورج كارلين، فيلسوف النكتة.


عندما تفكر في أمريكا، فعليك أن تفكر في كل ما قدمته للعالم سواء من الاختراعات والاكتشافات الجديدة أو التطوير والتحديث في الاختراعات والاكتشافات القديمة ( في جميع مجالات الحياة، الأكل، التكنولوجيا، الميديا، الحروب، الموسيقى وغير ذلك) : قنابل نووية، موسيقى الراب، الفرانشايز، الدولار، مارلين مونرو، السينما، هوليوود، ديزني والرسومات المتحركة، مارفل ومغامرات سبايدر مان، البيق ماك، سنووبد دووق، برامج الليل ونهايات الأسبوع الكوميدية، ديفد ليترمان، كونان، إيرنست هيمنجواي، سالينجر، بوكوفسكي، موسيقى الجاز، الجينز، و”الطابيلات” المضيئة، المسلسلات الكوميدية ” السيت كوم”، الكوميك، دونالد ترمب وساينفلد وفريندز وبريكنق باد والنفط، رقصة كيكي وفيسبوك، وبالطبع، الستاند آب كوميدي.

أمريكا تحب الستاند آب كوميدي (Stand up comedy) ، بل إن الستاند كوميدي تعد الأم للعديد من الأوجه الكوميدية التي يتعاطها الأمريكيون الآن، وليس من العجيب أن تعرف أن ” جيري ساينفلد” نجم ست كوم ساينفلد الشهير هو ستاند آب كوميديان، جيم كيري النجم الكندي/الأمريكي الشهير جاءها ستاند آب كوميديان.

الستاند آب كوميدي هي وجه فني يقوم فيه الفنان بالوقوف على خشبة المسرح وطرح أفكاره ونكته على الجمهور مباشرة، غالبا ما يكون هذا الوجه عبارة عن مجموعة قصص قصيرة مضحكة مر بها الفنان، لكل فنان بصمته الخاصة، وشكله الخاص في التواصل مع الجمهور، مواضيعه الخاصة التي تهمه، بعضهم يذكر مواقف غبية في حياته، بعضهم يستعمله لنصرة حقوق معينة، حقوق السود في أمريكا مثلاً، بعضهم يستعمله ليحكي قصته، البعض يتحدث عن مواضيع تجري في الشارع الأمريكي، وهناك الكثير والكثير من الأشكال. ولكن هناك واحد فقط، يستخدم نكاته ليطرح فلسفته وأفكاره ومعتقداته في الحياة…إنه جورج كارلين النيويوركي العجوز الذي توفي في عام 2008قبل لحظات فقط من دخول عصر السوشيال ميديا (كان هناك فيسبوك، لكن لم يكن هناك فيسبوك الذي نعرفه الآن)، ابن حي هارلم الشهير في مدينة نيويورك، ولاية نيويورك الأمريكية.

جورج كارلين كان كوميدي وكاتب وممثل وفيلسوف، عُرِف بأسلوبه الممتع في استخدام اللغة الأمريكية (البنت الصغرى للإنجليزية) في نكاته وتفسيرها ونقدها ومتتبعا لتطورها واختلافها عبر الزمن، عرف بنكتته المميزة ” الكلمات السبع البذيئة” على التلفاز الأمريكي، الكلمات التي يمنع القانون الأمريكي استخدامها على شاشة التلفاز (شاشة التلفاز فقط)، كما عرف بأفكاره الناقدة للحكومات الأمريكية والدولة الأمريكية عامة والذين يصفهم بـ ” مالكي الدولة”، بالإضافة لنقده للمواطن الأمريكي العادي وسلوكياته الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والدينية، البشرية بصفة عامة؛ كما كان ناقدا للكاثوليكية، كما تناول مواضيع حساسة أخرى، هذا عدا عن مخيلته المميزة في تضخيم المواضيع التافهة وخلق معنى كوميدي لها.

هنا ستجد بعض النكات المفضلة بالنسبة لي من ما أبدعه هذا العبقري، هذا لا يعني أنها الأميز أو الأكثر عبقرية، لكنني أحبها لكونها تدغدغ شيئا داخلي، بقدرتها في التخيل وطرح الأسئلة التي يحتسي الجميع من طرحها (رغم أنهم على الأغلب يفكرون بها) جهاراً أمام الناس.

 

خالك ديف ومحنته مع الحكومة:

” أي كانت الكارثة الطبيعية التي أراها، آمل دائماً أن تزداد…. مثلاً الحرائق في الغابات، ألا ترغب أحيانا أن تزيد حدتها؟ ترى محاربي الحرائق يحاولون إطفاءها، لكنك ترغب في أن تقول لهم: لا تلمسوا ناري! لا أحد يطفئ ناري!”. يقول جورج كارلين منتقدا البشرية بطريقة ساخرة، متابعاً نكتته بالدعوة لطوفان ضخم ومياه لا تتوقف على العالم، مضخما من الأحداث حتى يصل إلى أماكن ومساوئ وأزمات وكوارث لا يمكن لغيره من الكوميديين أن يصل إليها. نكتة تعطيك مذاق لمن هو جورج كارلين، وكيف يطرح نكتته.

 

 

ولكن أين الخال ديف؟ حسناً ستواصل متابعة قصته الدرامية على نهاية الإنسانية المليئة بالتلميحات البيئية، الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية والفنية، سيدخل بك كارلن إلى نكت عن الولايات الأمريكية، وكندا التي لن يدرك أحد أن الكارثة البيئية قد أحرقتها كلها، لتصل الكارثة إلى نيويورك، ليبين لك انتماءه للولاية قائلاً ” لتصل النار إلى نيويورك، ليخرج أناسها قائلين لها أن تذهب لتنيك نفسها”، حتى تتعرف على قصة الخال ديف الغاضب من ممارسات الحكومة ومؤامرتها عليه، ليكشف شخصية تمثل بعض المواطنين الأمريكيين.

 

الاستهلاكية والسمان:

حسناً، كوني ممثلاً عن طائفة ” السمان” – على الأقل حتى وقت كتابة هذا المقال-، أجد في النكت المتعلقة بالسمان مضحكة، يبرع جورج كارلين في وصف حال الاستهلاكية، وليدة الرأسمالية الأمريكية المليئة بالمولات، مطاعم الفرانشايز متمثلة في كينق بيرقر وماكدونلز، المولات الصغيرة، وول مارت، السوبرماركاتات، الميني مولات، الميني مارتس، الأسواق. منتقدا المجتمع الأمريكي مخبرا أنه مجتمع استهلاكي، كسول محب للأكل والتسوق، عاشقا للهوت دوقز وأي شيء آخر، ” إن كنت تبيع مؤخرات راكون مملحة ومغموسة في الصوص سيشتريها الناس”، ” دعك من النسر الأصلع، إن شعار أمريكا يجب أن يكون وجبة معكرونة باللحم المفروم والجبن”.

 

 

يتابع جورج كارلين نكتته منتقدا السمان، طارحا سؤال لعلك فكرتَ فيه – أيها القارئ-: كيف يمارس هؤلاء الجنس؟ ” هل يمكن لهذا الرجل حقاً أن يعاشر هذه المرأة؟”. بالطبع قد يقول أحدهم ” ولكن هذا جارح لمشاعر الناس”، لكن جورج كارلن الناقد الحاد العائد لجيل سنوات ما بعد الحرب -” أي حرب؟” يتساءل كارلن منتقدا عدد الحروب التي دخلت فيها أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية-، يرى أن الإشكالية ليس في كون الشخص سمين أو لا، بل في كونه استهلاكي، منتقدا سلوكا أتت به العولمة الأمريكية للكثير من مناطق العالم، الاستهلاكية الشبح – الذي أراه ويراه جورج- الذي يهدد البشرية: الإدمان على التسوق وأكل الطعام السريع وقلة التحرك ( أنا على الأقل رغم عدم حبي للاستهلاكية، إلا أنني أصنف نفسي إنساناً استهلاكياً) والتعرض بسهولة لغسيل المخ، – وربما أضيف هنا على جورج: ومواقع التواصل الاجتماعي والسمارت فونز-.

 

الكوميديا السوداء، الفلسفة وراء النكتة:

قد يبدو جورج كارلين مجرد رجل عجوز غاضب على العالم، كاره للدنيا، متطرفا ومتعصبا ويتمنى دمار الإنسانية، إلا أنه ينتمي لمدرسة من الكوميديا تسمى الكوميديا السوداء، هي ذلك النوع من الكوميديا الذي لا يتورع على ذكر المقرف، المخيف، الأسود، العدمي والذي يتورع الجميع عن ذكره. هذه نكتة يمكنها بسهولة أن تشرح الكوميديا السوداء ولماذا يتصرف جورج كارلين أحيانا كأنه فج.

 

 

جورج كارلين، فيلسوف اللغة الأمريكية، يشرح تطور المجتمع الأمريكي وتغيره عن طريق اللغة، يطرح قضايا حقوقية عن النسوية، السود، المواطن الأمريكي المنهك من سياسات حكوماته المتعاقبة، كما يطرح أمورا عشوائية توضح مدى تعقد النفس الإنسانية والعقل البشري سواء أمام مسائل بسيطة كحوادث السيارات أو فتح علبة سردين أو اتجاه القضايا البيئية، حقوق الحيوان، حقوق الطفل، قضايا الحرب والسلام ومدى جودة الحرب، ولا عجب أن تعرف رأيه إذا شاهدت هذا المقطع المعنون ” نحب الحرب”.

 

 

” نحب الحرب، لأننا جيدون فيها، وهذا شيء جيد، لأننا لا نصلح لأي شيء آخر، لا يمكننا صناعة تلفاز أو هاتف جيد…. نحن سنحطم بلادك، خصوصا إن كان فيها أناس بنيين…سمي ما شئت، العراق، إيران، ليبيا ( أيام العقيد معمر القذافي في الثمانينيات من القرن الماضي)، نحن لا نقاتل البيض، آخر حرب قاتلنا فيها البيض، كانت مع ألمانيا، وكان السبب لأنهم أرادوا احتلال العالم، لا يمكنكم احتلال العالم، هذا واجبنا نحن!!”. يقول جورج كارلين منتقدا الحرب والحكومة والإعلام والصحافة الأمريكية التي تدعم حروب أمريكا في العالم.

” الحرب هي مجرد مجموعة من الرجال موجهين أعضاءهم اتجاه بعضهم البعض”، مفسرا لماذا الحرب، واضعا تناسقاً مع نظرية الفيلسوف السلوفيني عن قطع خصي الرأسمالية كون الخصية هي مقر القوة الذكورية، بمعنى آخر قوة الذين في السلطة والذين يبدأون وينهون وينددون الحروب.

 

 

للأسف لا يمنحك يوتيوب نظرة مميزة على عوالم جورج كارلين، لكنه مليء بمجموعة من المقاطع التي تعطيك فكرة عن عبقريته وقدرته الإبداعية وعن استحقاقه للقب فيلسوف النكتة. في النهاية للتعرف أكثر على جورج كارلين، يمكنك مشاهدة المقابلة الأخيرة قبل موته.

 

 

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s