شمس على نوافذ مشرعة، البيت الليبي رمز لثقافة الخصوصية الليبية


في آب/ أغسطس 2017 تلقيتُ اتصالاً من عمي على غير عادته – كانت علاقتي طيلة السنين الماضية مع عمي شبه رسمية ولا يتصل بي إلا إذا احتاج شيئاً ما-، كان هذا الاتصال مختلفاً، كنت مشغولاً بقصة اشتعلت في الفضاء الإلكتروني تتعلق بكتاب شمس على نوافذ مغلقة، آتاني صوت عمي جافاً ممزوجاً بسؤال: هل شاركت في كتابة هذا الكتاب؟ أخبرته بأنني فعلتُ ذلك بالفعل، وعندما أراد تأنيبي وقال لي بأنه يريد أن يتحدث معي عندما أصل للبيت، أغلقت في وجهه السماعة.

في تونس في المدينة القديمة وبعد أشهر قليلة من قضية الكتاب، كنتُ جالساً في غرفتي أحاول الكتابة عندما سمعتُ موسيقى تأتي من أحدِ الجيران، فتحتُ النافذة المغلقة وطفقت أتفرج على المشهد أمامي، كانت امرأة تعملُ بحرية في المطبخ وهي تنصتُ لأغنية “لاموني اللي غاروا مني”، ورغم أنني سافرتُ لتونس أكثر من مرة قبل ذلك، إلا أنّ أمراً كهذا يتجلى لي لأول مرة. كانت الحياة تزخرُ في الشرفة الملاصقة لمطبخ الجيران والموسيقى لا تكترث لمن يسمعها، أغلقتُ نافذتي لأترك جارتي تسرح لوحدها.

بعد ذلك بسنة، انفتح أمامي مشهد أكثر صدماً لعقليتي الليبية التي تربت خلف البرسيانة والقضبان الحديدية التي تحمي نوافذ منزلنا، كنتُ في هولندا، بالتحديد أتسكع في شوارع قرية بوسوم الجنوبية Bussum Zuid، وهي قرية تقع على الطريق بين العاصمة آمستردام والمدينة اللطيفة أوترخيت، كنتُ قد وصلتُ قبل ساعات من رحلة طويلة وقررت أن أكتشف المكان الذي سأقطنُ فيه الأيام المقبلة، كان ذلك بعد غروب الشمس بنصف ساعة، مررت بين الأزقة والشوارع وأنا أفكر في الفترينات التي اشتهرت بها مدينة آمستردام وشارعها الأحمر، أتمشى بين فترينات مختلفة تماماً لها، كانت الأحياء في بوسوم الجنوبية أحياء راقية تسكنها الطبقة الغنية، ما جذبني في تلك الأحياء هي واجهات المنازل، كانت كل المنازل مسيجة بسور خشبي لا يتعدى طوله في أغلب الأحيان خصري، وفي أحيان أخرى لا يتعدى ساقيْ، بيبان لوحية صغيرة الحجم وفي واجهة المبنى نافذة واسعة كانت قد التهمت منتصف الجدار يمكنك منها أن تشاهد ما يحدث داخل المنزل، رأيتُ أزواج يجلسون على الكنبة محتضنين بعضهم البعض يشاهدون التلفاز، شريكان آخران في شقة يقيمان عشاءً رومانسياً أو مشهد رجل عجوز يجلسُ في صالونه يمضي وقته ليقرأ كتاباً، ورغم أنني اعتدتُ على مثل هذه المشاهد عبر أسطوانات الأفلام الأمريكية المقرصنة إلا أنّ مواجهتها لأول مرة شكل معضلة وجودية لذاتي مرت فيها ذكرياتي الطفولية وأنا أحاول تسلق النافذة ممسكاً بالقضبان الحديدية كسجين في بلاد ظنّ أهلها أن أهم ما يميز بلادهم هي نعمة الأمن والأمان.

كنتُ قد كتبتُ قبل ذلك نصاً صغيراً أتحدث فيه عن الرمزية داخل بيوتنا في ليبيا حاولت فيه تشريح ظاهرة الشرفة المهجورة، كان نصاً سريعاً لم أتعمق في ذكر التفاصيل والمقارنات فيه، ورغم أنني لستُ مهندساً معمرياً (أنا بالكاد خريج هندسة كهربائية) إلا أنّه عبر الملاحظة وعقلية الكاتب التي تسعى لإقحام نفسها في مسائل اجتماعية وتركيبية للمجتمع، لاحظت أنّ البيت الليبي بتصميمه الحديث يفضح أكثر من ما يضمر، السور الحجري الذي يتعدى طول المتريْن، البوابات الحديدية الضخمة، تصميم البناء المكعب وأماكن النوافذ ذاتها، أبعادها وطبقاتها الثلاث المعتادة والمغالطة الكبرى في وضع الشرفة ضمنَ مكونات المنزل، التصميم الداخلي للغرف وطريقة تصميم المطبخ ذاتها، تلك التفاصيل الصغيرة تفضح ثقافتنا التي تسعى لطرد الغرباء والمتلصصين في محاولات عابثة للبحث عن الخصوصية دون أن نجدها. ورغم انتشار نمط بناء العمارات في بعض مناطق البلاد، إلا أنّ العمارات التي تحمل الشقق السكنية تتبع نفس نمط الحماية من “العين” التي تتبعها المنازل والفيلات، في تاجوراء وحيث أقطن ومنذ سنوات طفولتي وحتى الآن أمرّ بعمارة في حينا لم أشاهد نافذة من نوافذه المنتشرة في البناء مفتوحة ولم أرى يوماً شرفها مليئة بالحياة، في عمارات زاوية الدهماني – وهي منطقة عزيزة على قلبي-، تتقلص المساحة الخاصة بالشرف لتصبح جزءاً من المنزل ونادراً ما ترى إنساناً واقف على النوافذ أو في الشرفة، حتى حركاتنا وسكناتنا فيما يتعلق بهما تعد سريعة وخاطفة. لا حياة يمكنك سماع موسيقاها في البيت الليبي، هو بيت يحاول أن يكبت القصص التي تعج داخله يتحرك فيه سكانه ويضحكون بخفوت لا يمررونه للخارج.

لستُ هنا في مكان أحكم فيه على الثقافة التي تربيتُ عليها، ولكن لاستكشاف تعريفاتنا عن الخصوصية والأمن والأمان – إذ أنّ هذه الكلمات الثلاث هي الكلمات المفتاحية لفهم هذه العلاقة المعقدة-؛ ولدتُ وترعرعتُ في دولة العقيد معمر القذافي، فترة تعد نوستالجية في وجدان الكثير من أبناء الشعب الليبي الآن، حيث نعمة الأمن والأمان كان من المنطقي -إن كانت النعمة فعلاً موجودة- أن تختفي فيها القضبان الحديدية من نوافذ المنازل على الأقل، إلا أنّه حسب ملاحظاتي الطفولية، كانت تلك الفترة تعج بقضبان النوافذ حتى في المنازل ذات الطوابق المتعددة، لازال بإمكانك مشاهدة آثار بعض المنازل والعمارات التي ترى فيها القضبان الحديدية تحمي قاطني الطابق الثالث والرابع من السرقات. لم أجد في غير ليبيا في البلدان التي زرتها -وهي تونس، مصر، تركيا، ألمانيا، هولندا وكينيا- هذا الهوس بالقضبان الحديدية التي تفضح مشكلة في سياسة الدولة في فرض الأمن وإحساس مواطنيها بأنهم محميون بموجب القانون من السرقة، وعي الشعب الليبي في تلك الفترة بضرورة هذا المكون يظهر مدى عجز الدولة في توفير هذه النعمة. ورغم أنّ الشعب الليبي شعب مؤمن بالله، وبالتالي حسب النصوص المقدسة، يُحرم عليه أن ينظر “لما حرم الله أن يراه”، إلا أنّه يسعى دائماً لحماية خصوصيته باستخدام النوافذ المغلقة والتعالي في بنيان الجدران، أمر يمكنه أن يكشف عجز الدولة مرة أخرى في زرع ثقافة  وحق الخصوصية وفرضها على المواطنين.

في هولندا، بعيداً عن ليبيا، كنتُ أتسكع مرة أخرى في جزيرة من جزر آمستردام أبحث عن متحف السينما بالقرب من ناطحة سحاب يمكنك عن طريقها أن ترى أمستردام، هذه الناطحة كانت عبارة عن مركب ألعاب ومكاتب وشقق سكنية، في أعلى البناية أرجوحة ضخمة تتحدى أصحاب القلوب القوية لركوبها، وأنا أتمشى تحت الناطحة رفعتُ رأسي عالياً لأرى الأرجوحة، وفي طريق عيني للأعلى توقفتُ عند أحد الأدوار أرى امرأة عارية من نافذة شقتها وهي تشاهد المدينة، شدهت، بحثت في من حولي لأرى إن كانوا ينظرون لها، في ليبيا سيعد أمراً كهذا فضيحة، هذا ما فكرتُ فيه، عدتُ لإدراكي ووعيي، لم تكن المشكلة فيها، كانت المشكلة في عقليتي التي تربت على الحرص من الأعين المراقبة، كانت هي تمارس حقها في الخصوصية مطمئنة بأنّه لن يكون هناك من سيسترق النظر لها في بيتها، وبأنّه حتى وإن فعل مرءٌ ذلك سيتغافل عن ذلك، وحتى وإن لم يتغافل عن ذلك، ستتمكن إن أزعجها أن ترفع فيه قضية رابحة بانتهاك الخصوصية.

في كل البلدان التي زرتها، لم أجد جاراً يراقب جيرانه -رغم وجود هؤلاء، لكن يعتبرون الشواذ عن القاعدة، بل قد يعدون مرضى نفسيين-، لم أرى شباناً يقفون على العتبات في الشوارع يراقبون من دخل للشارع ومن خرج منه، ويدققون في حساباتهم من يكون وكيف يكون، بل في تونس نفسها وهي البلد الجارة، لم أرى هذه الثقافة التي تسعى دائماً للتلصص ومحاولة اختراق دفاعات المنازل وتتبع أخبار الناس، لم يستوقفني تونسي يوماً ليسألني عن من أبحث أو يراقب حركاتي وسكناتي وأنا أتحرك في شوارعها وأزقتها. وأنا في شوارع بوسوم زاد إيماني العميق بأنّه من الضروري أن تهدم الأسوار العالية للبيوت وأن تنزع القضبان الحديدية على النوافذ وأن توسع النوافذ، فعلى النقيض، تساهم هذه الحماية في محاولة اختراق الخصوصية، وتعزيز ثقافة الانغلاق، زاد إيماني العميق بأنّ مشروع الدولة المدنية الحقيقي يجب أن يبدأ بترسيخ ثقافة معاكسة، ثقافة تحترم خصوصية الإنسان وأمنه على نفسه. ثقافة يتحرك فيها المعماري لتصميم بيوت لا تخشى ضوء الشمس وإخراج الحياة داخلها دامجاً هُوية البحر المتوسط بها، ولا يتصل فيها عمي بي ليسألني عن الجُرم الكبير الذي اقترفته بالمشاركة في كتاب ما أثار جدلاً في الفضاء السايبري – قضية أخرى من قضايا الخصوصية الليبية-، ويمكن فيها للمرأة أن تجلس في شرفة منزلها وأن تفتح نوافذ مطبخها تمارس فيها حياتها دون الخوف من أن رجلاً قد يخترق خصوصيتها.

3 thoughts on “شمس على نوافذ مشرعة، البيت الليبي رمز لثقافة الخصوصية الليبية

  1. منزلنا يقابل المدرسة التي درست فيها الابتدائية والاعدادية لتسعة أعوام، تصميم مدرستنا يأتي على شكل دائري، وطوال تلك الأعوام غالبًا ما كان يصدف أن يأتي فصلنا في الواجهة التي تقابل منزلنا، وهذا كان يشكل رعب بالنسبة لي، لأن كل زملائي في الفصل يعرفون منزلنا، ويرصدون تحركات منزلنا بشكل يومي، من يخرج ويقف على الباب ومن يقف على النوافذ، وأكثر موقع الذي أتحسس منه هو نافذة الحمام في دور الثاني. ولحسن حظي معظم زملائي لا يدركون تصميم المنازل في حيينا لأنهم يقيمون في العمارات، أذكر أحد زملائي سألني عن نافذة حمام، عندما رأى جازي يطلّ منها، قلت له أنها حجرة حتى أبعد عنه شبه نافذة حمامنا. في صغري وبختني أمي بعد أن استحممت تاركا تلك النافذة مفتوحة رغم أن أقرب مبنى يقابل منزلنا هو المدرسة والتي تعتبر بعيدة بعض شيء. ومن وقتها أخشى حتى أن أختلس نظرة من تلك النافذة.
    هذا المقال يشكل صدفة بالنسبة لي، لأني أفكر منذ أيام في إعادة تصميم منزلنا وتوسعته، ولشد حبي للشرفات الواسعة، أعيد صياغة مخططاتي متى ما انتبه أني قلصت مساحات من الشرفة، ثم أفكر لبعض الوقت استبدالها بنافذة كبيرة، ثم أعود إلى نقطة الصفر لرغبتي في شرفة واسعة مع ضمان حفاظ على خصوصيتي وخصوصية جيراني. كل تصاميم التي أحبها والتي هي شرفة واسعة وواجهات الزجاجية تعتبر من أمور صعبة. نصحني أحدهم أن استشير بمهندس معماري وسوف يضع أمامي عدة خيارات لأختار الأنسب وهذا بالطبع سيكلفني مزيدًا من المال ولكن أنسب حلول. المشكلة أن ثقافتنا رادعة لكل تصاميم الجميلة والعفوية، أذكر إني عندما كنت في قبرص أفضل أن أسلك طريقي من شقتي للمقهى عبر أحياء السكنية بدلًا من الشارع الرئيسي الصاخب، لأن الطريق بين الأحياء السكنية يجعلني أمرّ خلال قصص، بتّ أحفظ معظم البيوت بسكانها، وبعض حيوانات الأليفة وأهم من ذلك كله كيف يستمتعون بخصوصيتهم!

    Liked by 1 person

    1. عزيزي بركة، شكرا لك على مشاركتي قصتك، شعرت بالتوحد معها. تعليقك كفى ووفى في إيصال الفكرة التي أريد شرحها، فلطالما أثار فضولي تأثير بيئتنا المحيطة في مزاجنا كأفراد وفي المزاج الجمعي للمجتمع.
      أتذكر صديقا أخبرني أن جاره المقابل له لما رآه يبني نافذة واسعة في بيته تدخل في تصميم المنزل وطلب منه أن تكون النافذة بزجاج كاسر للضوء بحيث لا يرى كلامهما الآخر، كما اضطر الصديق للاستغناء عن الشرفة

      Like

  2. للأسف تنعدم الخصوصية، وصعب تاخذ راحتك، ويعايروك حتى بيها “طول النهار قاعد/ة في البلكوني”

    Like

علّك تترك تعليقاً

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s