سان سيباستيان في نيشانتاشي ١


سيرة قصيرة لعلاقة قصيرة مع إسطنبول

١

طاردني هذا النص منذ آخر يوم قضيته في الشقة رقم عشرة، عمارة ١٠٧ يلديز كوناك، زقاق تشيفرمجِي بحي المجيدية/أورتاكوي التابع لبلدية بشكتاش، في مدينة إسطنبول التركية. شقة قضيتُ فيها ستة أشهر، جعلتني أحاول إعادة تشكيل هُويتي، إعادة النظر، كما تفعل بك الغربة، في علاقتي مع الوطن، وطني، إعادة النظر في تاريخه، جيوغرافيته، عناصره الثقافية والاجتماعية وربما، البحث، كما يفعل كل ابن، عن حل لمشكلة أمّه. لم أفلح بالطبع، في الأمريْن، في تجربة الغربة وفي إعادة “خلق نفسي”، اكتشفت أنني طفل، كما أخبرني ذات مرة، شاعر أكنّ له مكانة خاصة في قلبي عندما قال لي ” لم تفطم بعد، ولن…حتى تموت أمّك”، سخرتُ منه عديداً دون أن أدرك أنّ كلماته أصابتني في مقتل. في تجربة اكتشاف الذات، كانت الأم تناديني…بكل من فيها.

ولكنني نجحتُ في إنشاء علاقة مع تلك الشقة رغم عزلتي المثقلة، أحياناً، صحبة زوجتي العزيزة؛ يصارع كل منا حياته مع الغربة، أحياناً لوحده، أحياناً أخرى صحبة زوجه. أنا كنتُ الحلقة الأضعف بالطبع، بكيتُ عن فراق وطنٍ ودعته قبل حتى أن أودعه، شعرتُ عندها أنني لن أرى ليبيا أبداً، كان ثقيلاً عليْ كل ذلك، عرفتُ عندها فقط أنني أحب “الأم”، وبأنّها دائي. الإنسان، كل ما تقدم في العُمر، يحب أن ينشئ علاقة مع المكان، أن يشتاق للمكان، يشتاق لحياته فيه ويعيد بعيداً عنه قصته معه، أحياناً يخرّب تلك القصة، أحياناً يشوهها، أحياناً يحاول خلق قصة جديدة له معه. أنا؛ كإنسان وربما ككاتب، كان المكان هو مسرح أحداثي، مسرح قصصي، مسرح معاناتي وأفراحي وأحلامي، ولهذا؛ كانت تلك الشقة مسرحاً عظيماً لذلك منذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها.

  • هذه هي الشقة. قال لي حسام، صديقي الكاتب والشاعر الليبي وقبل كل ذلك أخي.
  • نعم. قلتُ، جلتُ بنظري فيها، كانت نعم مغشوشة أدركها حسُام.
  • شقة كاتب، ستكتب هنا.

قال لي، كنّا داخل الغرفة الوحيدة التي تحتل إطلالتيْن للحيْ، إطلالة لأشجار منحدرة من المقبرة اليهودية أعلى التلة، المنظر الآخر كان جسر البوسفور والبوسفور وإسطنبول الآسيوية، منظر، سأعرف مع الوقت، أنّه لا يمكن تفويته في النهار وأوله وآخره، الغروب، والليل وآخره. الغرف الأخرى، واحدة تبدو كمكان لطيف للحياة والأكل والضحك والبكاء والقبل والسهر فيه، الأخرى تطل على البوسفور تفصلها و”مكان الكتابة” الذي حدده رفيقي كوتشينيتّا، مطبخ “صغيرون”، ممر صغير يطل على الحمام والخروج إلى العالم الإسطنبولي. ” هذه من أجمل الشقق التي عندي”، يخبرني جيهان، وسيط عقارات تركي دخلنا مكتبه بالصدفة في زيارة لأورتاكوي واستكشافها. كنتُ متشككاً في الشقة في البداية، أحببتها، لكنني كليبي، اعتدتُ على الاتساع، كانت كازيتّا، “احويش” بالمقارنة مع شقتي في الساحل الآخر من المتوسط، مكتبي القديم، والذي تركته في مدينة النخيل، كان بحجم غرفة ونصف من غرفها.

  • صدقني لن تندم، هذا مكان الكتابة.

قال حسام، أمكنه أن يرى في عينيْ القلق اتجاه الشقة، كان مكان الكتابة يناديني. في اليوم التالي، عدتُ أنا وريما وحسام لنفس الشقة، دخلتها، كنتُ أعرف أنّها ستقع في غرامها، المكان الذي تحدثنا عنه أكثر من مرة، حلمنا به ورسمناه في عقولنا في كل مرة نفكر فيها أن نجرب مكاناً آخراً بعيد عن وطننا، ” هذا مكان الكتابة”، أشرتُ للغرفة ذات الإطلالتيْن، في اليوم الذي يليه، اتصلت بجيهان موافقاً على عرضه. وهكذا، بدأت علاقتي بالشقة رقم ١٠.

“هنا مكان الكتابة”- قال حسام

كانت علاقتي بإسطنبول أقدم من ذلك، ربما بدأت العلاقة عندما التقطتُ أول كتاب عن المدينة، ” مقهى باب العالي”، كتاب من فن الحكاية يتحدث عن المدينة، يتناول حكايات لشعرائها وحكامها وناسها ومقاهيها خلال الإمبراطورية العثمانية، كنتُ أيضاً أصارع عقدة كل مُستَعمَر مع استعماره، ككل من يبحث عن سبب لتخلفه يلقيه على الآخرين، الذين، بالطبع وبدون تجاهل التاريخ كان لهم دور في ذلك. عدا عن ذلك، لم يربطني الكثير مع المدينة، سوى حكايات دمشق وطرابلس وتونس عنها، الصور التي رسمتها تلك المدن عنها وحاولت، كونها عاصمة الخلافة، رسم نفسها على شكلها. بعد ذلك، زرتُ المدينة لأول مرة في آخر أيام أغسطس من العام ٢٠١٨، نزلتُ لها صحبة حبيبتي كأول مدينة نسافر لها معاً، هي كانت تحمل نسخة أخرى عن إسطنبول منذ البداية، إسطنبول أليف شافاك وشمس الدين تبريز وأورهان باموك، جاءت بأجندتها وقصصها وأشكالها وألوانها وروائحها، أنا جئتُ بفكرة واحدة، أن أكتشف المدينة لوحدي، دون أي كاتب آخر غير صاحب الباب العالي، يربطني بنظرته لها.

تقع الشقة رقم ١٠ أسفل تلّة، تحلق بها أشجار هربت من أسوار حديقة السلاطين “يلدز بارك”، تتحلق حولها جبّانة يهودية، امتدت في التلّة يد العمارة الإسطنبولية، والتي؛ بطريقة ما أفلحت في أن تغري سكانها البناء في مجموعة من أصعب الساليطات، المنحدرات في العالم، تمتد العمارة على زقاق شيفرمجي والذي ينزل كأفعى ممتداً للأسفل أكثر حتى التقاء الشوارع السفلية بالبوسفور العظيم، الخليج الذي في يده أن يذبح أو يحيي المدينة بقبضة أو هزّة واحدة. يمكن القول وبسهولة، بأنني كنتُ في مكان أُحسدُ عليه لكل من يبحث عن العزلة، أورتاكوي حي تركي حقيقي، بعيد عن أحياء العرب والليبيين المتجمعين في شيشلي ولالالي والفاتح وأكسراي، ولكن وبطريقة ما، قريب من وسط البلاد. كان وجود العرب والليبيين في المنطقة لا يتعدى الجولات السياحية لجامع أورتاكوي وأخذ الصور صحبة بطاطس الكومبير والجسر، كان المغامرين منهم فقط، ومن يريدون تجربة شاورما الأحشاء، يجربون العبور إلى جادة ديرابويو. سنتر الحي. ولهذا، تحتم عليْ أن أقطن صحبة الأتراك فقط، دون أن أملك لسانهم أو يملكون أحد لسانيَ سوى النتف القليل.

“قونايدين، ناصلسن؟” قطة إسطنبولية في يلدز بارك

أحياناً وأنا أعود لتلك الأيام أفكر، هل يفتقدني ناس أورتاكوي كما أفتقدهم الآن؟ بعد أشهر فقط من توديعهم دون أن يعوا، الشاب في الفِرن الذي آتيه كل صباح، أحييه وأسأله عن حاله أطلب خبزي وأخرج، الكنيسة الأورثوذكسية في الزاوية التي يبدأ فيها زقاقنا، على بعد أشبار من الجامع الشريف، أشجار زقاقنا، قططه التي أخذت عن الأتراك عادة تحيتها كل يوم والسؤال عن صحتها “قونايدين، ناصلسن؟” صباح الخير كيف الحال؟، والبيت المهجور الذي يخترق مشهدي كل يوم بينما أكتب ويغريني البوسفور للتوهان فيه، أسراب الغربان والنوارس التي لا تفتأ بحثاً عن طعام، هل اشتاقت لي زمّارات السفن كما اشتقت لها؟ هل اشتاق لي القرميد والشمس والقمر والجزّار العجوز الذي عقدتُ معه صداقة عجيبة، “مصطفى كمال أتاتورك” كنتُ أسميه، لم أكن أعرف اسمه واخترتُ هذا الاسم بعد أن ظنّت ريما أنّ صور أتاتورك الموزعة في حائط دكانته هي صور تعود للرجل العجوز في شبابه، هل اشتاقت لي كلاب شوارع إسطنبول التي مررتُ بها بكل حالاتي، وعقدتُ معها قبل أن أغادر المكان صلحي، حيث سمحتُ لها بأن تكون الكلاب الوحيدة التي لا أخاف منها من بين بقية كلاب العالم، بما فيها كلاب البيوت الإسطنبولية. هل اشتاقت لي المقاهي والمطاعم التي أحببتها؟

كالأم في حيلها لخداع أطفالها بالطعام، خدعتني إسطنبول. كانت مقاهي المدينة ومطاعهما من جعلني ألتصق بها، أماكن أخرى تضاف لقائمة الأماكن التي ينشئ المرء معها علاقته، أربع مقاهي أفلحت في فعل ذلك معي، الأول، كان مقهىً صغيراً في شارع ديرابويو، كنتُ أعرف الماركة، فقد دخلتُها مرة في فوليا-شيشلي، حي آخر من أحياء المدينة التي أحب، اصطحبني “أبو آدم” أحمد صديق ليبي عزيز، شاب جاء لتجربة الحياة والعمل في المدينة ليتمكن من ذلك لسنوات،  عرفني عن القهوة الوحيدة التي يشربها من الأتراك، كان عارفاً بعقدتي مع القهوة خارج طرابلس، “اسمها كورتادو”، قال لي قبل عاميْن في رحلة أخرى لي لإسطنبول ونحن ندخل مقهى “بوند” بالقرب من مكتبه في فوليا. كنتُ سعيداً برؤية نفس المقهى في ديرابويو، ” جن تعرفه خير من جن ما تعرفاش”، أخبرت نفسي وبينما أدخل بابه الحديدي الثقيل، لينفتح المكان على جلسة داخلية خشبية وأجواء تخلط الجاز والأدب والقهوة والبوهيمية، ” كورتادو”، قلتُ للباريستا الشاب في أول يوم لي في الحي، ” لطفاً”، أضفت، تذكرتُ صعوبة إنشاء علاقة مع الباريستا، في طرابلس أنشأت علاقات عدة مع اسطاوات القهوة، علاقة كان الغرض منها بالنسبة لي، أن يتذكر قهوتي بالضبط وكيف أحبها. أحدهم رأيته مرة في مقهى ليبي بشارع لالالي، هاجر بعد سنوات من العمل في شارع البلدية بطرابلس. كان أول باريستا أعرفه في حياتي. لا أذكر اسمه، ولكنني علمتُ مع الأحاديث القصيرة التي أنشئها معه أنّه كان خريجاً من الهندسة النفطية، كما كنتُ طالباً في قسم آخر من نفس الكلية، مرّ قبل تحوله من خريج إلى باريستا عبر مجموعة من الأعمال إحداها سائق تاكسي. كان شاباً “نظيفاً” كما يقول الليبيون.

جسر البوسفور عند غروب الشتاء

في إسطنبول وبعد سنوات من رفض حب قهوة عدا الكريمة الطرابلسية؛ كنتُ أبدأ يومي دائماً بكوب كورتادو من بوند، حتى في الأيام التي يأخذني الكسل، أطلب خدمة التوصيل فقط من أجل القهوة. تنفتح مقهى بوند في الجزء الآخر منها إلى باحة، تطل الباحة على مجموعة من الشقق، أحببتُ دائماً الجلوس في الباحة المستطيلة وشرب القهوة والتدخين ومتابعة الحياة في الشقق تدور من حولي، امرأة تنشر ملابسها برفق، رجل يجلس على طاولة في شرفة شقته، يفعل مثلنا، يشرب القهوة ويدخن السجائر ويراقب نزلاء المقهى، لا كمتهمين أو مشبوهٍ بهم ولكن كممثلين في برنامج تلفزيوني. كنت لا أراقب فيه الشقق فقط، ولكن أنشئ علاقة مع “الزباين”، دون أن يعرفوا، امرأة بملامح غرب المتوسط مع كُليْبِها البني الصغير تأتي دائماً لوحدها، ترتدي في العادة، قونّة قصيرة إلى منتصف فخذها، تغطي ساقيْها بجورب أسود يصل إلى داخل التنورة، كما تحب ارتداء الجاكيتات المنفوخة وشال ملوّن حول رقبتها، شعرها كيرلي، كانت تحب أن تشرب “الكافي لاتي” كزوجتي بالضبط، مجموعة مختلطة من شباب وشابات يحبون الضحك واللعب يجلسون على طاولتيْن ملتصقتيْن، النادل الفتيْ الذي يسألني دائماً ” كاتش تاني” عندما أطلب منه كورتادو لنفسي، كان يعرف أنني سأطلب واحدة أخرى حتماً ما دمتُ قررت الجلوس.

2 Comments

  1. لا شكّ في أنك عايشت التجربة التي أحاول الحصول عليها منذ أربع أشهر، وعلى الرغم من اختلاف الروتين اليومي في قصة كلينا، إلا أن هناك تشابه عجيب بيننا في حب الكورتادو، وفي طلبها مرتين، وفي تشكيل العلاقات مع الأتراك، وفي الحنين المفاجئ للوطن ومحاولة تعريفه للآخرين بشكل جيد. أحببت كثيرًا التدوينة، شجعتني لإعادة توثيق ما مررت به، والتنقل بين منطقة وأخرى، كالرحّالة. جميل أيها الكاتب.

    Liked by 1 person

    1. عزيزي محمد، أسعدني تعليقك على التدوينة؛ فقد مضى زمن بعيد منذ آخر مرة علق أحدهم هنا، أنا نفسي، أحيانا أجد الغربة في هذا المكان السايبراني، ولا أعرف حتى الآن سبب تعلقي به وتركي إياه مفتوحا أمام الناس. تمسك بالكورتادو صديقي، ففيها المنجاة. تحياتي لك ولروحك الحلوة وارتحل، سافر، وضيّع نفسك تجدها، كما قال عظيم السرد الليبي إبراهيم الكوني.

      Liked by 1 person

Leave a Reply to Mohammed BenOmran Cancel reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s