سان سيبستيان في نيشانتاشي ٢


” ميد بوينت”، قالت لي ريما.

” منتصف الطريق”، أخبرتها. 

المقهى الآخر الذي ارتبطتُ به، لم يكن السبب الأول فيه القهوة، كانت زوجتي ريما، قهوة من نوع آخر، أحب إحتساء وجودها معي في دنياي، جرتني إليها في إحدى السفرات الأولى في ما تبقى من شتاءِ إسطنبول، دخلنا المكان، كنت أشاكسها بأنني لا أثق في أماكنها، عندما وقفنا أمام الباب، لم أتمكن من رؤية ما بداخله، عليك أن تخطو بقدمك نحوه، فأنت لست مهماً إن لم تخطو، لم يكن من أولئك المقاهي التي تجد صائد السياح أمامك يحاول جزك في مغامرة لن تحب، كانت متباهية، كسيدة. كان المقهى من الخارج كأي مقهىً آخراً في شارع الاستقلال، شارع أفقد فيه إسطنبول كاراكوي القابعة تحته، أولى المناطق التي عشقتها في المدينة. عندما تطأ أقدامك المقهى، يأخذك درج صغير ويبدل الضوء الأصفر الدليل جوّك من زحمة الاستقلال إلى نوعٍ من الدفء الداخلي، تمر من مجموعة من الطاولات الخشبية المتوزعة في المكان، يطل البار على يسارك، حيث يصنعُ الإسطنبوليون مزاجهم، تصل منتصف المقهى، تتوقف للحظة، بينما يسحرك منظر كاراكوي تحتك والبوسفور الأسطوري، المنطقة التي تحب، إسطنبول الهبيين والبوهيميين والفنانين والفقراء، “أولاد البلاد”، تبحث لك عن طاولة. ” منتصف الطريق”، قلتُ لها مجدداً، جلسنا، ” أريد أن أتعشّى، هناك وجبة أكلتها بالأمس هنا مع مجموعة من الأصدقاء”، قالت لي، ” يا بايب”، تضيف، ” حسناً، لنرى المنيو”، قلتُ، كنت جالساً أبدل عينيْ بين وجهها والبوسفور وعمارات وساليطات بيوغلو، أتمكن من ربط الشارع الذي يطل عليه المقهى، ” ها أنظري، هناك.. ساليطة حبنا”، قلتُ لها، ضحكت. 

الغروب في فلوريا- محمد النعاس، فبرايو ٢٠٢٠

كانت “ساليطة حبنا”، تصل مباشرة بين الاستقلال ومقهى “عرضة”، أو كما نحب تسميته ريما وأنا ” عرادة”، مقهى لبنانياً صادف وأن كان بالقرب من أول مكان أقطنه في إسطنبول، فندق تبدلت أسماءه أسماءً كثيرة منذ تلك الزيارة الأولى حتى أنني نسيتُ اسمه الأول، كنا نسكن تماما في الغرفة العليا من الفندق، غرفة قد لا يعشقها من جاؤوا من أمثالي، من بلادٍ كل شيء فيها يتسع، يتسع بالمسافات بين الناس والمسافات بين الأبنية، والمسافات بين الناس وأبنيتهم، جسدياً، عاطفياً، واجتماعياً. لكن ما أحببته فيها هي امتلاكنا لفيرندا واسعة يمكننا فيها أن نجلس، نضحك، نشرب القهوة، أدخن سجائري ربما، ونشاهد فيها شروق وغروب وليل إسطنبول بينما يتكفل مقهى عرادة بمدنا بموسيقاه التي تعزف نحونا، أحياناً فيروزية، أحياناً لبنانية، أحياناً أخرى إسطنبولية. 

” اوه ملك شيك، أريد أن أجرّبه”، قلتُ. بينما أبدل نظري في مقهى ميد بوينت بين المنيو وكاراكوي، لأطمئنها بأنني لازلتُ مهتماً بمشاهدتها، ولكن على الطعام أن يأتي، في النهاية، وكما يقول الليبيون ” بطني قبل وطني”.

” لم تشرب ملك شيك أبداً؟”، قالت. ” هذه أول مرة أعرفها”.

” لا حاجة، الفرّابيه يفي بالغرض بالنسبة لي.. أنا فقط أريد أن أجربه لأعرف ما إذا كان  آ بريتي فكن قود مِلك شيك وإلا لا”.

” ماذا؟”.

” بولب فِكشن، ألم تشاهديه يوماً؟”.

” لا”.

” كيف تزوجت امرأة لا تعرف بولب فِكشن.. هذا، هذا أعظم فلمٍ على الإطلاق”. مازحتها، ” كما تزوجت رجلا لم يذق الملك شيك”.

” حسناً، يجب أن نشاهد بولب فِكشن”.

” وأنت يجب أن تجرب الجاميكن شيكن”، قالت. 

إذاً حددت لا كابا ما سآكله، طلبنا العشاء، كنتُ جائعاً، أردتُ أن أتخلص من جوعي، لم تهمني الجاميكن شيكن بقدر ما همني أن أشرب الميلك شيك وأحدثها عن بولب فِكشن في البداية، أردتُ أن أتفلسف بالطبع، ككل الكتّاب، يحبون أن يفعلوا ذلك، نهرّ ونهرّ ونروي آراءنا وقصصنا كأنّها الأهم في العالم، وعندما نجد الناس الذين، نتقن القص لهم كما نكتب، لا نتوقف عن الكلام وننسى الكتابة. دخنت، وحكيت ودخنت، ” جاء الميلك شيك”، قلتُ لها وأنا أنظر للشراب، ” لا أعرف لماذا تحبونه؟”، جلتُ حوله، ” الفرابيه ألذ وأرخص أنا متأكد، سأقايض هذا الكأس بكأس فراولة وبريوش من الحاج فتحي الآن”، قلتُ لها بينما أتفحص الكأس، ضحكت، ” اشربي منها ومرريها لي”، قلتُ،” لماذا؟”، قالت بينما كانت تبتسم” فقط افعليها”، ” واو.. قادام ذاتس آ بريتي فكن قود ملك شيك“. ” أنت مجنون”. 

كنّا زمان نصعد “ساليطة حبنا” حتى الاستقلال فقط لاكتشافها، فقد عرفنا شرّها في أول صعود نحو الاستقلال، كانت من تلك الساليطات الإسطنبولية التي تقطع الأنفاس، ذلك النوع الرهيب منها والذي ما يغرّك في صعوده فقط هو العالم الإسطنبولي الحقيقي الذي يعيش حولها، أولئك العجائز اللائي يصعدنها أفضل منك، الأمهات تحمل أبنائهن نحو المدارس، الشباب الإسطنبولي يقتعد كرسياً وطاولة صغيرة على عتبات البيوت يبيعون الملابس والكتب ويصنعون القهوة والشاي بينما يقرأون كتاباً يضعونه على الطاولة عندما يعودوا للعمل، أو فقط يجلسون مع أصدقائهم ويتحدثون ويضحكون، كنا نستيقظ صباحا، نبحث عن مكانٍ نفطر فيه، في العادة يكون “عرادة”، مقهى وقعت ريما في غرامه، بالطبع، لكونه يعود لبلدٍ أحبتها وتسمت بإحدى أغانيها وأحبت مغنياتها وكتبها وناسها وراقصيها وأفلامها وقصصها ولهذا، فكّرت أنّ عليها أن تحب أكلها، رغم ما يسببه لها من ألامٍ في أحدِ أشدِّ الأعصاب التي عرفتها في العالم، أعصاب المعدة، كان المقهى عبارة عن رحلة سفر إلى لبنان التي تحب، بعد أن منعت بينها وبينها سنوات الحرب التي تعيش شبابها الأول خلالها، كما عايشته أنا خلالها ولازلتُ. أنا جئتُ بطبيعتي مفصولاً عن لبنان، الأوطان التي حلمتُ بها في طفولتي على عكسها، كانت أوطان أبي التي يزورها أو زارها، سوريا، مصر، تونس، ألمانيا، بلجيكيا، إيطاليا، الجزائر والوطن الليبي الكبير. هي عاشت أوطان الكتب، عشتُ ولازلتُ أعيش أوطان الوظيفة.

هل لا زلت تقرأ؟- محمد النّعاس يراقبك-، آلاتوركا للدونر- مارتزو ٢٠٢٠

بعد الإفطار في عرادة أو من خبز السمّيت من “أفضل سميت في إسطنبول”، كما أخبرتنا ذات يوم فنانة اسطنبولية من أولئك الفنانين البايوغليين الهبيين، كانت تفترش طاولة أعمالها في أحد أزقة ساليطة حبنا، تعيد تدوير الطبيعة في قلادات وخواتم وإكسسوارات نسائية أخرى، كانت الطاولة مليئة بقلادات الزهور البنفسجية والصفراء وقشر البرتقال والتين المخلّدة داخل الإيبُوكس، أذكر أنّ يدي امتدت ناحية واحدة منها، كانت قشرة برتقال داخل “صندوق الإيبوكس” الأسود، أحببتها، ” أنتما سائحان؟”، قالت الفنانة، ” نعم، هذه أول مرة لنا في إسطنبول”، أجبتها، ” شهر عسل؟”، ” نعم”، ” هل ذقتما السمّيت بعد؟”، ” نعم، أحببناه”، أجابت ريما، ” سأخبركما بأفضل سميت في إسطنبول، في كاراكوي بالأسفل، هل تعرفونها؟”، ” بالتأكيد، نعيش في فندق هناك”، أجبت وأشرتُ للساليطة، كنتُ سعيداً أن أراها تحتي، سأنزلها قريباً وأستمتع بجعل كاراكوي وقوى الجاذبية تجذبني، “حسنٌ”، قالت، وصفت لنا المكان وودعتنا. المهم، نفطر… ونشرب القهوة ومن ثم نركبُ إلى الساليطة. سنفطر فيه بعد ذلك لأيام، كانت كوشة سمّيت، تبيعه أو تقدمه في سندويتش سميّت بالجبن والطماطم ومع أكواب الشاي بشرف “الإكرام” و”الهدِية”. 

 المهم…تخبرك إسطنبول أنّها مدينة عليك أن تتعب حتى تحبّها، هي لا تنفتح لك بالسهل، لكنها تقدم لك المفتاح، ما يغريك. يمكنك أن تجد فيها ما يغريك دائماً. عليك البحث قليلا عنه، لكنك ستجده. عرفتُ من أحب إسطنبول فقط من الخطوط العثمانية التي تراها في مساجدها والشيشمات والشواهد على قبورها العثمانية، يتحدث عن كيف الأتراك لا يعرفون لغتهم حقاً، خصوصاً مركبها العربي في ألفاظها اليومية والدينية وفي شواهد قبور جدودهم، عرفتُ أيضاً من أحب إسطنبول لطعامها، من كره طعامها لكن أحب بناتها العربيات، بنات عواصم أخر لكنهم يبقين بناتها هي أيضاً، عرفتُ من أحب إسطنبول من الآرجيلة، من التسوق، من آذان الصلاة، من الأتراك، ومن “الإكزوتِك فيلنق” الذي تصنعه بمزجها بين الغرب والشرق، بمهارة، مدينة اعتلت عرش العالم القديم لقرون عدّة حتى قبل رقودها في حضنِ محمد الفاتح، هناك من أحبها أيضاً من عمليات إعادة زراعة الشعَر. أنا أحببتها من هذا وغيره، لكنني أكثر ما أحببتُ فيها هو التجوّل، الاكتشاف، السير دون هدف والاستمتاع، كما نقول بـ “التجيرَا، الرحلة”، وكما يقول الإيطاليون ” إل تجِيرو“. 

كانت ساليطة حبنا مثالاً لتلك التجِيرا، تغريك في البدء بمنظرها السهل من الأسفل، توزع طاولات الإسطنبوليين وبعض الأدراج هنا وهناك وتخبرك، أنّها تقع بالضبط تحت مركز الاستقلال والتسوّق، تقول في نفسك، ” هيّا رياضة” بينما ترى عجوزاً تصعدُ الأدراج وقد سبقتك، ” إذاً فعلتها خالتي، يمكنني فعلها”. تضيف لنفسك، ومن ثم تصعد. أنت تعرف الفخ، ولكن قد نسيت الدرس. تصعد الأدراج الأولى، ترى على يمينك “جبّانة” صغيرة بين البيوت، مجموعة من القبور العثمانية لا تتجاوز أصابيع اليديْن، تتناثر، تتوقف للحظة لتقرأ ما هو مكتوب، تكتشف أنّ اللغة التي كتبت بها ليست لغتك، بل خدعتك بالتجمل بحروف لغتك بالخط العثماني، تتحرك للأعلى أكثر. تتوقف لتلقط أنفاسك، ترى مقهى صغيراً على يمينك، مقهىً يعرض خمس فساتين، عشرين كتاباً مستعملاً، غالبا ما سيكونون بالتركية، طاولة تصلح لجلوس الهُوبِتس، ربما لن يرافق سام فرودو إن كانت هذه الساليطة هي بداية الحكاية، تقول لنفسك، ” حسناً من أجل البريشس”، تفكر، وتنظر لحبيبتك تبتسم لك.

Leave a Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s